جمعة بوكليب: كتابة المكان هروب به من الموت

الاثنين 2013/12/02
بوكليب: لكل كاتب جاد وجيد طريقته في التعامل مع النص

جمعة بوكليب من مواليد طرابلس عام 1952، بدأ الكتابة والنشر في منتصف السبعينيات من القرن الماضي. صدرت مجموعته الأولى عام 2008 تحت عنوان "حكايات من البر الأنكليزي". وقد تناولت أزمة الهوية والاغتراب الثقافي والاجتماعي والسياسي التي عاشها الكاتب بين مدينتين أو منفيين: طرابلس مسقط رأسه ولندن التي شكلت عنده رحلة البحث عن الذات.

في مجموعته القصصية الجديدة التي صدرت عام 2013، "خطوط صغيرة في دفتر الغياب" لا يمكن تجاهل تساؤلات الكاتب الليبي جمعة بوكليب حول الموت والحياة والغربة.


انتعاش القصة القصيرة

في إجابته عن السؤال لماذا ذهبت إلى الكتابة، يقول القاص جمعة بوكليب: "الخلود صفة اكتسبتها الآلهة على مدى التاريخ، والفناء صفة التصقت بالبشر.

الكتابة في هذا السياق تعدّ عملا ضدّ الموت المادي والمعنوي ومحاولة للإمساك بالخلود. وككاتب قصة وككاتب عموما أسعى دوما إلى ترميم ما تصدع مني وجدانيا ونفسيا وبدنيا ومحاولة خلق نوع من التوازن النفسي الصحي بيني وبين العالم والحياة".

يكتب القصة القصيرة بخصوصية حيث يكتشف القارئ من خلالها مودة وحميمية بين القاص وكلماته؛ وسؤالي هل يعيش جمعة بوكليب شخصيات قصصه؟ فكان رده: لكل كاتب جاد وجيد طريقته في التعامل مع النص وفي تجربتي الشخصية يبدأ النص بالتشكل في القلب أولا عبر صورة أو صور متعددة وجدانيا ثمّ عقب ذلك يأتي دور اللغة في رصد تلك الصور ومحاولة نقلها على الورق.

من هنا قد تأتي بما وصفته "بالحميمية" بيني ككاتب والكلمات، ويضيف بوكليب قائلا: "بالتأكيد يمكن للكتابة كشف الجوانب المعتمة في المجتمع، لأن من ضمن وظائف الأدب والفن، محاولة بناء جسر قوي ومتين يمكن المجتمع من عبور ركود الحاضر إلى حيوية وحراك المستقبل برؤية جمالية فنية، وبالتالي السعي والتطلع إلى حياة إنسانية أفضل وأجمل".

رغم انتعاش القصة القصيرة اليوم، والدليل فوز القاصة أليس مونرو بجائزة نوبل للآداب، يرى البعض أن حياة الرواية أطول من حيث الشهرة والترجمة. عن هذه المسألة قال جمعة بوكليب: "المهم في الكتابة سواء أكانت قصة قصيرة أو رواية هي القدرة على الإقناع فنيا وجماليا والإدهاش والإمتاع".

تاريخ الأمكنة

في مجموعته القصصية "حكايات من البر الأنكليزي" هناك حضور للمكان القريب "لندن" والبعيد "طرابلس"؛ عن مدى تأثير الأمكنة أثناء الكتابة قال: ’’الأمكنة تاريخ والعلاقة بها علاقة الذاكرة بالذات الإنسانية بمعنى العلاقة بالزمان أيضا. فهي علاقة إذن "زمكانية" متداخلة ومرتبطة بالذات الإنسانية: "الكاتب"؛ ومشحونة بمختلف العواطف والمشاعر الإنسانية: الحب والكره، الفقدان والحسرة على سبيل المثال. محاولة رصد المكان في كتابتي القصصية هي محاولة لتثبيت المكان في الذاكرة والوجدان داخل حقبة زمانية محددة ضد عوامل التآكل أي أنها محاولة للهروب بالمكان من شباك النسيان والموت- الفناء’’.

المهمّ في الكتابة سواء أكانت قصة قصيرة أو رواية، هي القدرة على الإقناع فنيا وجماليا، والإدهاش والإمتاع

في مجموعته الثانية "خطوط صغيرة في دفتر الغياب" نلمح بعضا من السيرة الذاتية. هل هذه الكتابة فرضتها الحالة الكوزموبوليتانية التي عاشها بين المدن؟ فكان رده: الكتابة عمل ذاتي وبالتالي يحدث أن تتسرب نتف من السيرة الذاتية في عمل الكاتب في كتاباته أحيانا بوعي أو بغير وعي. العيش في مدن عديدة يوسع من خلايا الذاكرة ويزيد في مدارك العقل ويشحن الوجدان الإنساني وهذا مهم للكاتب أينما كان وحلّ.

مكاسب الثورة

عن الغربة التي هي قاسم مشترك بين "حكايات من البر الأنكليزي" و"خطوط صغيرة في دفتر الغياب"؛ يقول جمعة بوكليب: "هناك غربة أبدية تلاحقنا دائما منذ مغادرتنا لأرحام أمهاتنا حيث الدفء والأمان وحتى الممات وهذه غربتنا الأولى كبشر. السجن غربة من نوع آخر.

المنفى – قسريا أو اختياريا- غربة. الأسوأ أن تشعر بالغربة وأنت بين أهلك وأحبتك ولغتك وفي الأرض التي تسميها وطنك".

ويضيف: أنا كمواطن ليبي وكمثقف ليبي رغم العيش خارج ليبيا فإنني ما زلت في داخل المشهد الليبي بمعنى "القلب في ليبيا والفريسة في لندن" والمشهد الليبي الحالي ليس غريبا وليس جديدا على من له علاقة طيبة بكتب التاريخ.

نحن كليبيين محكوم علينا بالأمل بعد سنوات الجمر التي مرقنا منها كما يمرق الجمل من سم الخياط. وفي الأخير كما تقول غناوة العلم "صيور صبرنا يمحيه اليأس مو على طول عمرنا".

وأضاف: طبعا سقف الحرية في ليبيا في تحسن كبير جدا وملحوظ جدا ومن مزايا انتفاضة 17 فبراير أنها أطلقت عقال ألسنتنا وأفكارنا وقلوبنا ولا يمكننا التفريط في هذا المكسب الإنساني الرائع.

14