جمعيات إسلامية سعودية.. تشوبها شائبة التحيل

الجمعة 2014/01/17
دعاة حثوا على التبرع لجمعيات خارجة عن سلطة من الدولة فكانت قرينة على تورط الحركة الإسلامية في الفساد

فضيحة المبالغ المالية الطائلة التي تبخرت من حسابات جمعيات إسلامية سعودية تجمع تبرعات للشعب السوري، والتي أثارها الباحث السعودي موسى الغنامي، عادت لتهيمن مجددا على السجال السعودي في مواقع التواصل الاجتماعي. وما عزز ذلك ارتباط الفضيحة بشيوخ ودعاة وفروا تزكية لنشاط الجمعيات الضالعة في التحيل، وأيضا عدم تحرك الحكومة السعودية للتحقيق في ملابسات القضية.

التعبير الجليّ على خطورة الفساد المالي النابع من جمعيات دينية، تمثل في اختفاء مبالغ مالية كبيرة من حسابات جمعية خيرية سعودية (جمعية ساند) وكان يفترض توجيهها لمساعدة الشعب السوري.

نبل مقصد جمع التبرعات (إغاثة الشعب السوري المشرد في كل الأنحاء) و”مصداقية” مفترضة مسبقا للقائمين عليها بررت سبب الجدل الواسع الذي أثارته في الأوساط الدينية والقانونية السعودية، وهو جدل وصل مداه في صفحات التواصل الاجتماعي.

وأماط اللثام عن القضية الباحث السعودي الشيخ موسى الغنامي الذي دشّن عبر حسابه الشخصي على تويتر حملة واسعة للتعريف بالقضية من مختلف جوانبها.

الضلع الأول في القضية حسب تغريدات موسى الغنامي هي “جمعية ساند” التي يرأسها الشيخ سعد الشمري. أما الضلع الثاني الأخطر وفق كل القراءات فهي مجموعة من الشيوخ والدعاة السعوديين الذين قاموا بتنزيه هذه الجمعية وغيرها، وزكوا نشاطها بما مثل لدى الجماهير السعودية والخليجية ضربا من الحث والتشجيع على التبرع وتسليم الأموال لمثل هذه الجمعيات.

في هذا الصدد يقول الباحث السعودي موسى الغنامي: “كان أول شيء وصلني من أحد كبار الكتاب في تويتر يستفسر عن الأخ سعد لأنه ارتاب في أمره بعد أن طلب متبرع رقم حساب، فأعطاه الأخ رقم حساب إحدى زوجاته”.

وفي باب كشف معالم القضية قدم الغنامي أمثلة عديدة على التجاوزات التي ثبتت على جمعية ساند ورئيسها، ومنها قوله: “اتصلت بأحد الإخوة القضاة ممن له علاقة بالعمل الخيري، والتقيت به فدار بيننا نقاش عن وضع الأخ سعد فاتصل بأحد طلبة العلم وسأله عن قصته معه فقال: “طلب منا قيمة بـ 45 ألف ريال لأن الجرحى بحاجة إليها، ونريد أن نذهب سويا لشرائها من أسبانيا”. فقلت للأخ سعد: “أنت عندي ثقة وأنا لا أستطيع الذهاب معك والمبلغ اعتبره في حسابك لشرائها. وحُوّل المبلغ وبعد شهر تواصل مع الأخ سعد حتى يرسل إليه صورتها وكان وعدهم أنها خلال 10 أيام تكون في الداخل السوري ومضى شهران وثلاثة وأربعة، وبعد إلحاح وتبادل للألفاظ والكلام الجارح بينهما، دخلت سيارة الإسعاف إلى الداخل السوري ولكن الأدوية بيعت في تركيا وبقيمة 25 ألف ريال فقط”.

تشير قضية الفساد المالي للجمعيات الإسلامية إلى إصرار دعاة على احتكار هذا النشاط، لما يوفره من نفاذ إلى الأوساط المجتمعية، ولما يدره من أموال

هنا يبرز دور الدعاة والشيوخ الذين “زكوا” وحثوا الناس على التبرع للشعب السوري عبر هذه الجمعيات، وفي القائمة أسماء من قبيل محمد العريفي ومحمد الهبدان وسليمان الجبيلان، وهي أسماء اعتبرها الغنامي “شهود القضية الذين كانوا قد زكوا الجمعية وشهدوا لها ولأمينها بالموثوقية أمام الناس، وتكتموا على تجاوزاتها”.

إن تدرجنا من العام إلى الخاص يحيلنا إلى أن القضية تحيل إلى الصراع الكبير القائم منذ سنوات بين المؤسسات الرسمية السعودية وجمعيات وجهات وقوى دينية تسعى بإصرار إلى الإفلات من الضوابط القانونية للدولة.

ونستحضر هنا السعي الرسمي السعودي لضبط المجال المسجدي والدعوي ومنع انفلاته على يد هؤلاء وغيرهم. نستحضر أيضا الصراع المرير الذي تخوضه الدولة- بصفتها الراعي الوحيد للمجال العام- لمنع تسرب الدعاوي الإخوانية إلى ظهرانيها، ولا شك أن في الأمرين اختلاطا مكتوما.

تشير قضية الفساد المالي للجمعيات المسيرة بدعاو دينية إلى إصرار بعض الدعاة والشيوخ على مصادرة واحتكار هذا الضرب من النشاط، لما يوفره من إمكانيات النفاذ إلى شتى الأوساط الشعبية والمجتمعية، ولما يدرّه كذلك من أموال طائلة قد تفيد في استعمالات أخرى مضمرة بدورها.

يصل بنا هذا البعد إلى الملمح القانوني للأمر، وهو ما عبّر عنه المحامي السعودي عبدالرحمن اللاحم الذي أكد في تدخل تلفزيوني على قناة العربية أن “جمع التبرعات خارج الأطر الرسمية هو تعبير عن صراع قديم بين الجماعات الإسلامية الحركية وبين المؤسسات الرسمية للدولة التي تريد تنظيم العمل التطوعي في المملكة” وذكر بأن “هذه الجماعات حاولت منذ سنوات أن تكسر هذا الحاجز وأن تقوم بأعمال على الأرض فقامت بحملات في المساجد مخالفة التحذيرات التي أطلقتها الدولة إلى أن تم إجهاض هذه الحركة، ثم عادت هذه الجماعات إلى محاولة لكسر هذا الحصار على العمل الفوضوي في جمع التبرعات”.

ثم خلصَ إلى أنها تسعى إلى “محاربة المأسسة” وترفض أن تمارس عملها عبر القنوات الرسمية للدولة.

محاربة المأسسة والسعي إلى التحلل من الضوابط القانونية، يحيل بدوره إلى بعد محدد للقضية يتمثل في أن هذا السلوك هو قاسم مشترك لدى أغلب التيارات الإسلامية، التي تتفق في تعاليها على الدولة وسعيها إلى إقامة نشاط مواز عبر هياكل وقنوات موازية تهدف إلى تحقيق مكاسب مادية خارج الرقابة الرسمية بما يسمح لاحقا بتوظيفها في أنشطة وممارسات وأجندات تخدم أهدافها “التحت أرضية”.

13