جمعيات خيرية على الطريقة القطرية في تونس

الخميس 2018/01/25
عطاءات مفخخة

تونس - لم يعد خافيا أن جمعيات خيرية كثيرة كانت ولا تزال واجهات يغطي وجودها وجوها خفية لدعم الإرهاب وتمويل الأحزاب الإسلامية في عديد من البلدان.

ففي تونس، ومنذ أيام قليلة، قفز ملف الجمعيات الخيرية التي تموّلها قطر ليتصدر اهتمامات الرأي العام والطبقة السياسية في أعقاب توصل الأجهزة الأمنية إلى أن العشرات من تلك الجمعيات ما هي إلا غطاء لضخ تمويلات هائلة إلى الخلايا الإرهابية بطرق ملتوية في ظل غياب الشفافية المالية، ما دفع بالسلطات إلى فتح الملف بكل جدية وحزم.

الأجهزة الأمنية فتحت ملف الجمعيات الخيرية المرتبطة بقطر سواء بشأن الكشف عن حجم التمويلات أو بشأن ارتباطها بالخلايا الإرهابية ودعمها ماليا ولوجستيا وتيسير تسفير الآلاف من الشباب إلى بؤر التوتر.

وكشفت تحقيقات الأجهزة الأمنية مع المشرفين على 80 جمعية خيرية أن 99 بالمئة من تمويلاتها الخارجية تضخها دولة قطر، وفي مقدمتها ما يعرف بـ”جمعية قطر الخيرية”.

يذكر أنه وفي أعقاب سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي العام 2011 شجعت حكومة الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية آنذاك على تأسيس الجمعيات الخيرية في ظل غياب أي رقابة مالية أو سياسية بشأن حقيقة نشاطها ونوعيته وأيضا بشأن شفافية التمويلات.

واجهة لمساومة وابتزاز فئات هشة وأمية وفقيرة من خلال نوع من مقايضة المساعدات الإنسانية بتبني الفكر الإرهابي

ووفق تقارير أمنية دقيقة وأخرى مالية صادرة عن اللجنة المالية التونسية الحكومية، ساهمت الجمعيات التي اتخذت من “العمل الخيري” غطاء لنشاطها الإرهابي في تمويل وتسفير نحو 6000 شاب وفتاة إلى كل من العراق وسوريا ليلتحقوا بإرهابيي ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

ويقول الأخصائيون في الجماعات الإسلامية إن العشرات من الجمعيات الخيرية تحوّلت خلال السنوات السبع الماضية إلى خزان للإرهابيين في ظل غياب رقابة الدولة والشفافية المالية وفرض الرقابة الأمنية على أن تلتزم أي جمعية بطبيعة نشاطها الخيري.

ويقول خبراء في الجماعات المتشددة دينيا إن دولة قطر استغلت هشاشة الأوضاع الاجتماعية في تونس وظاهرة الفقر المدقع واستفحال الإرهاب لتزرع خلايا خيرية تبتز الشباب العاطل عن العمل، وتغريه بالمال على أن ينضم إلى الخلايا الجهادية في مرحلة أولى ومن ثم الالتحاق ببؤر التوتر في مرحلة ثانيةّ.

ويضيف هؤلاء الخبراء الميدانيون أن الجمعيات الخيرية المموّلة من قبل قطر اختارت تغطية نشاطها الاستقطابي وتضليل الأجهزة الأمنية من خلال التظاهر بتقديم مساعدات إنسانية للفقراء إما في شكل مساعدات مالية وإما في شكل مساعدات أخرى، مثل تقديم مواد غذائية أو ختان الأطفال أو مساعدة بعض الفقراء على إطلاق مشاريع صغرى خاصة في الجهات الداخلية المحرومة وفي الأحياء الشعبية.

المشرفون على هذه الجمعيات التي تسمي نفسها بـ“الخيرية” هم من المتشددين المتبنين للمرجعيات السلفية الجهادية أو ما يعرف بـ“السلفية العلمية” التي تظهر السلم وتبطن الدعوة إلى الجهاد.

وقبل فتح الملف وجّه عدد من الكتل البرلمانية مراسلة كتابية إلى كل من وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مطالبة بالتدقيق في حجم تمويلات قطر لنشاط الجمعيات الخيرية، كما طالبت هذه الكتل البرلمانية القضاء التونسي بفتح قضية ضد الجمعيات الخيرية القطرية.

وفي ظل غياب إحصائيات حكومية ورسمية يقدّر ناشطو المجتمع المدني عدد الجمعيات في تونس بنحو 12000 جمعية منها 79 “جمعية دعوية وخيرية” تتلقى تمويلا مباشرا من قطر، وتمثل 30 بالمئة من العدد الجملي للجمعيات التونسية.

أخطر الجمعيات على الإطلاق التي تتخفى وراء العمل الخيري في تونس هي كل من \'جمعية قطر الخيرية\' و\'جمعية مرحمة\'

ويرى هؤلاء الناشطون أن تراخي الحكومة وتسامحها مع التمويل القطري للعشرات من الجمعيات المرتبطة بالإرهاب يمثلان خطورة على أمن البلاد متسائلين “كيف نفسر هذا التعامي والحال أن وحدات الجيش والأجهزة الأمنية تكافح طيلة سبع سنوات الإرهابيين الذين قاموا بين عامي 2015 و2016 بهجمات دموية كان أخطرها هجوم بن قردان (جنوب تونس) بمشاركة نحو 200 إرهابي في مسعى إلى تركيز إمارة إسلامية. ما يعمّق مخاطر الجمعيات الخيرية المزيفة في تونس عدم احترام الجمعيات التونسية بصفة عامة لشفافية الأهداف والنشاط والتمويل، إذ لا تتجاوز نسبة احترام شفافية التمويل 25 بالمئة بحسب إحصائيات موثقة، مما ساعد نظام دولة قطر على تحويل أموال طائلة لهذه الجمعيات.

وتتصدر “جمعية قطر الخيرية” و“جمعية مرحمة” قائمة الجمعيات التي تتلقى تمويلات من الدوحة، وهي أخطر الجمعيات على الإطلاق، إذ وجدت في المساعدات الإنسانية للفئات الفقيرة غطاء آمنا لنشاطها الحقيقي والمتمثل في تمويل الإرهابيين.

يقول خبراء في تونس بأن أخطر الجمعيات على الإطلاق التي تتخفى وراء العمل الخيري في تونس هي كل من “جمعية قطر الخيرية” و“جمعية مرحمة” لأنهما تنتهزان حالات الفقر لتقديم المساعدات الإنسانية وإطلاق مشاريع صغرى ومتوسطة في كامل أنحاء البلاد، ومن ثمة استدراج المئات من الشباب والفئات لتبني الفكر التكفيري.

وتقدّم “جمعية قطر الخيرية” التي تأسست العام 1991 بالدوحة نفسها على أنها “منظمة غير حكومية دولية ترتكز على عدة قيم منها العمل الإنساني والتنمية وعدم التمييز والحيادية والاستقلالية والمهنية إلى جانب التعاون”، وهي تقول إن “هذه القيم تستمدها من الإسلام لتتوافق مع المعايير الإنسانية والدولية”.

ويؤكد متخصّصون تونسيون ـ وبالأرقام ـ أن عددا من المشاريع تتجاوز كلفتها 20 مليون دولار وهو مؤشر قوي على أن دولة قطر تضخ مبالغ ضخمة على الجمعية لتتخفى وراء يافطة العمل الإنساني.

ويرى سياسيون وحقوقيون أن واجهة العمل الإنساني الذي تتخفى وراءه الجمعيات التي تتلقى تمويلا من قطر، هي واجهة لمساومة وابتزاز فئات هشة وأمية وفقيرة من خلال نوع من مقايضة المساعدات الإنسانية بتبني الفكر الإرهابي.

كل الخبراء والمتخصصين في المجتمع المدني، يقرون بأن العمل الخيري لا يتطلب المليارات من الدولارات، وهذه المبالغ الطائلة والمراكز المنتشرة بطرق أخطبوطية في تحركاتها ونشاطاتها، وهو أمر أثار الريبة من أول ظهورها، وبشكل مفاجئ في تونس أثناء حكم الترويكا. وها هو الأمر يتأكد، بأن وراء هذه الجمعيات يقف نظام أدانته بلدان عديدة في المنطقة، وثبت بالكاشف أنه يضخ أموالا ضخمة في دعم الإرهاب.

13