جمعيات مغربية تساعد المدمنين على طي صفحة المخدرات

الخميس 2013/10/31
توزع المسؤولية على الأهل والمجتمع وعدم اقتصارها على المدمن فقط

طنجة- تعد جمعية "حسنونة" من أولى جمعيات مساعدة المدمنين للتغلب على إدمانهم من خلال "إستراتيجية تقاربية"، عبر إقامة حوار وعلاقات قائمة على الثقة المتبادلة مع المدمنين، وتشير إحصاءات المركز الصحي حسنونة لعلاج الإدمان، التابع لوزارة الصحة المغربية، أنه استقبل منذ سنة 2006، أكثر من أربعة آلاف مريض، 80 بالمئة منهم يتعاطون مخدر الهيروين أو الكوكايين أو الاثنين معا، وأن 7.5 بالمئة منهم يتعاطون المخدر عن طريق الحقن، من ضمنهم 4 بالمئة نساء.

وبنبرة حاسمة يقسم محمد، الجالس برفقة قرابة 30 مدمنا على المخدرات داخل قاعة انتظار في إحدى الجمعيات بمدينة طنجة شمال المغرب، أنه لم يعد يرغب في "سرقة الناس للحصول على الجرعة اليومية من المخدر".

ومحمد واحد من مدمنين كثيرين في مدينة طنجة المغربية قرروا طي صفحة المخدرات من حياتهم، وما كان يرافقها من أعمال مشينة للحصول على ثمن الجرعات اليومية..

وقد شهدت مدينة طنجة التي يقارب تعداد سكانها 800 ألف نسمة، والواقعة على بعد 14 كيلومترا قبالة جبل طارق، ازديادا في وتيرة الاتجار بالمخدرات واستهلاكها خلال السنوات الأخيرة.

وتشرح فوزية بوزيتون، إحدى المسؤولات في هذه الجمعية: "سياستنا قائمة على التوعية لمساعدة المدمنين على فهم مرضهم، وإدراك مشكلة إدمانهم" بدلا من إدانتهم.

وتضيف بوزيتون أن "التحدي الكبير يتمثل في إقامة علاقات ثقة مع المدمنين في الأماكن التي يتعاطون ويستهلكون فيها المخدرات، خصوصا في الأحياء الشعبية مثل حي ’’بني مكادة’’ حيث توجد نسبة عالية من العمال".

وفي مرحلة لاحقة تعمل الجمعية على مصاحبة المدمنين تدريجيا من أجل الخضوع للعلاج في مؤسسات متخصصة.

ويوضح الطبيب محمد الصالحي أن أغلب مدمني المخدرات يتوقون إلى الحصول على الميثادون، وهو دواء بديل تملك جمعية "حسنونة" رخصة توزيعه على المدمنين، على أساس وصفة طبية.

لكن إصدار وصفة طبية بهذا العقار للمدمن لا يتمّ إلا بعد التثبت من نيته الإقلاع عن الإدمان فعلا، "لأن المدمنين الذين لا يملكون مالا لشراء الهيروين يأتون إلينا للحصول على جرعات الميثادون كبديل للهروين"، بحسب الصالحي.

ويذكر أن الحكومة المغربية أطلقت سنة 2010 برنامج استخدام الميثادون لعلاج حالات الإدمان على المخدرات٬ وهو أول بلد في شمال إفريقيا والعالم العربي يعتمد تشريعا يجيز استخدام الميثادون في علاج الإدمان على المخدرات. وتقوم وزارة الصحة المغربية بحملات تحسيسية للتوعية بمخاطر المخدرات في المؤسسات التعليمية.

وداخل مقرات جمعية "حسنونة"، يقول الشاب الثلاثيني محمد: "لم أعد أرغب في سرقة الناس للحصول على جرعتي اليومية من المخدر، ومنذ أن بدأت في استعمال الميثادون، أشعر بتحسن فهو يساعدني على التوقف عن استهلاك الهيروين".

ويوضح محمد أن أمه تساعده في بعض الأحيان للحصول على جرعته من الهيروين لأنها كما يقول، "لا تتحمل رؤيتي في تلك الحالة السيئة" الناتجة عن غياب الجرعة.

ويؤكد محمد الذي يبدي خجله من تحوله إلى سارق بسبب إدمانه، أنه كان يعيش "طفولة طبيعية في مدينة طنجة، إلى أن تركت المدرسة في سن 17 سنة، حيث مارست مختلف أنواع المهن من حارس سيارات وعامل في حمل السلع داخل الميناء إلى نادل في مقهى". ويشكو محمد وغيره من المدمنين القاصدين العلاج من "نظرة الآخرين والإقصاء".

يدخل الهيروين إلى المغرب بشكل أساسي من أوروبا، عبر بوابة مدينة سبتة الواقعة تحت السيادة الأسبانية على الأراضي المغربية على بعد 80 كيلومترا شمال مدينة طنجة. ويراوح ثمن الجرعة الواحدة بين ثلاثة يوروهات وخمسة.

ويصرح أحد المدمنين في المركز أن "الحدّ الأدنى هو ثلاث جرعات في اليوم الواحد، لكن أغلبنا يحتاج إلى ما بين خمس جرعات وسبع من الهيروين، وأحيانا عشر خلال يوم واحد".

وبما أنه لا يتوفر المال دائما للمدمنين، يتورط بعضهم في أعمال غير مشروعة كالسرقة أو الدعارة لكسب ثمن الجرعة اليومية من المخدر.

وتقول فاطمة البالغة من العمر 45 عاما "اضطررت إلى ممارسة الدعارة في السابق للحصول على جرعتي اليومية".

وتروي فاطمة، التي تنحدر من أسرة ثرية، أنها بدأت أولا باستهلاك الكوكايين في سن العشرين، قبل أن تنحدر إلى استهلاك المخدر القاتل الهيروين.

وبعد عشرين سنة على الإدمان، قررت فاطمة أن تطوي هذه الصفحة المظلمة من حياتها، مستعينة بالجمعية حيث باتت تعمل الآن. وتقول فوزية بوزيتون "نعيش في مجتمع يحكمه ثقل الكثير من المحرمات، ونحن نسعى إلى تغيير العقليات، علنا نقنع الناس بأن الإدمان مرض كباقي الأمراض يمكن علاجه وإعطاء المدمنين فرصة ثانية في حياتهم".

وتلفت بوزيتون إلى أن معظم المدمنين بدؤوا تعاطي المخدرات وهم قاصرون، مشيرة بذلك إلى توزع المسؤولية على الأهل والمجتمع وعدم اقتصارها على المدمن نفسه.

ويعد الإدمان على المخدرات، مشكلة طبية وظاهرة مرضية مرتبطة بعوامل وراثية وبيئية مقرونة بالاستعمال المتكرر للمواد المخدرة، مما يجعل المرء من الناحيتين النفسية والجسدية هشا ومسلوب الإرادة، وفي حاجة دائمة بل ومتزايدة إلى هذا السند الوهمي، ويتطلع دائما إلى استدامة أثر جرعة تصبح مع الوقت غير كافية، ليغرق بالتالي في دوامة من المتاعب الصحية والاجتماعية والمادية التي قد تصيبه بالعجز الكامل عن متابعة حياته بالتوازن المطلوب.

ويعتبر المختصون أن الإدمان يتسبب في تقلب المزاج ونقص التركيز والقلق والعصبية الزائدة والاكتئاب أو المرح الزائد عن حدّه، فضلا عن الاضطرابات العقلية كانفصام الشخصية والاضطرابات السلوكية التي قد تنتهي في أحيان كثيرة إلى ارتكاب جرائم وجنايات.

كما يعتبر مشكلة اقتصادية واجتماعية لأن الشخص المدمن يكون دائما على استعداد لدفع أضعاف قيمة المادة المدمنة لكي يحصل عليها، بالإضافة إلى تقلص إنتاج الشخص المدمن وتدهوره ممّا يسبب في فقدان مصدر رزقه، ويتقاعس عن قيامه بالتزاماته العائلية، وهو ما يؤدي إلى تفكك وانهيار الأسرة وتشرّد الأبناء.

وتشير دراسة حديثة إلى أن 22 بالمئة من المتعاطين للمخدرات عن طريق الحقن، هم من حاملي فيروس "السيدا".

وتعتبر "حسنونة"، أول جمعية في العالم العربي وأفريقيا، تعمل على مكافحة الإدمان على المخدرات من خلال برنامج تقليص المخاطر، الذي يهدف إلى الحد من تبادل أدوات الحقن وتعاطي المخدرات القوية، إذ توفر الجمعية للمدمنين أدوات حقن معقمة ليحمي المدمن نفسه من الأمراض المتنقلة عبر الدم، على الأقل، إذا رفض المدمن العلاج، لأن استعمال نفس أدوات الحقن يشكل حسب طبيب الجمعية خطرا على المدمن والمجتمع. وقد أوضح الصالحي "أن الدراسات المنجزة في أوروبا الشرقية والدول الآسيوية وأميركا، تظهر أن البلدان التي لم تطور برامجها، بدأ فيها انتشار مرض "السيدا" بين المدمنين قبل أن ينتشر في المجتمع.. لهذا تضافرت جهود جميع المتدخلين من أجل الحد من انتشار آفة السيدا وسط مدمني المخدرات".

ويذكر أن المغرب يتبنى إستراتيجية وطنية لمكافحة آفة المخدرات من خلال تعبئة كافة الموارد البشرية والمالية، وسجل مؤخرا، وجود ارتفاع متواصل لنسبة تعاطي المخدرات بالحقن عبر العالم، وبالنتيجة ارتفاع مأساوي في نسب انتشار أمراض السيدا والتهاب الكبد الفيروسي بنوعيه «ب» و»ج»، بما أن 13 مليون شخص يتعاطون المخدرات بالحقن عبر العالم وينتشرون في 158 دولة.

المغرب هو البلد الوحيد، على صعيد القارة الأفريقية والعالم العربي، العضو في المجموعة المرجعية للأمم المتحدة والمجلس العلمي لمجموعة «منتور الدولية» التي تعنى بالوقاية من المخدرات، وساهم، في صياغة العديد من البرامج التي تهدف إلى الحد من الإدمان على المخدرات.

كما انضمّ إلى مجموعة بومبيدو التابعة لمجلس الاتحاد الأوروبي المختص في مجال التعاون الإقليمي والدولي في مجال مكافحة الإدمان، وأكد بيان للمجموعة أن المغرب يعتبر العضو 36 والدولة الأولى خارج أوروبا المنضمّة إلى الفريق العامل ويعود التعاون بين الرباط ومجموعة بومبيدو إلى عام 1999.

21