جمعية مغربية تدعو لتجريم "التكفير" حماية للتعايش

الثلاثاء 2014/01/21
أبو النعيم.. قراءته المتشددة للنص الديني الرافد الأساسي لخطابه التكفيري

الرباط- جدل واسع في الساحة المغربية أثارته تصريحات الداعية السلفي عبد الحميد أبو النعيم، الذي أفتى خلالها بـ”تكفير” إدريس لشكر، زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي، وهو ما دفع بعض منظمات المجتمع المدني إلى الوقوف في وجه ظاهرة التكفير على اعتبار أنها وسيلة تمزق المجتمع وتخلق حالة من التشنج تمهد للعنف والإرهاب.

دعت جمعية “بيت الحكمة” المغربية مؤخرا، إلى تجريم “التكفير”، واعتبرته “شرطا لحماية الأفراد والمجتمع من كل الدعوات التحريضية التي تتعامل مع الرأي المخالف”. وقال المجلس الإداري للجمعية (وهي منظمة غير حكومية تعنى بالقضايا الاجتماعية)، في بيان، إن “تكفير الناس عبر تصريحات مكتوبة، أو منطوقة، أو مصورة يعتبر تحريضا مباشرا على ارتكاب أفعال إجرامية ضد أفراد يعبرون عن آرائهم في قضايا معينة”.

وأضاف البيان أن “التكفير يتعارض مع أحكام الدستور المغربي الذي ينص على أن حرية الرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها، وأن الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان، وأن القانون يحمي هذا الحق”.

وأشارت “بيت الحكمة” إلى أن “محاولة تبرير دعوات التكفير، من أي موقع كان، وتحت أي غطاء أيديولوجي، أو دعوي، أو عقدي، تعتبر تحصينا مباشرا لدعوات القتل، وحماية معنوية للفكر الإرهابي، ومسوغا عمليا لاستنبات وزرع الحقد والعنف والتطرف”.

ويذهب البعض إلى أن من يبرر التكفير هو ضمنيا يسعى إلى خلق حالة من التشنج في المجتمع من خلال القيام بعملية تصنيفية تقسم الناس وتمس المشترك الإنساني الذي يجمعهم.

وكان حزب الأصالة والمعاصرة (وسط) المعارض، قد تقدم بمقترح قانون لمجلس النواب (الغرفة الأولى بالبرلمان المغربي) لتجريم التكفير بالمغرب. ويجرم مقترح القانون تكفير الأشخاص والهيئات بجميع الوسائل، ويتضمن عقوبات بشأن كل الجرائم التي تندرج في هذا الباب والمنصوص عليها في القانون الجنائي، ولو ارتكبت خارج التراب الوطني من طرف مغربي أو شخص مقيم في المغرب بصفة اعتيادية.

التكفير ظاهرة تتعدى حرية التعبير لتصل إلى فتاوى القتل التي تسندها القراءات المتشددة للدين وتحاول أن تلبسها لبوسا شرعيا

وينتظر أن تعقد في الـ29 من الشهر الجاري أولى جلسات محاكمة الداعية السلفي “عبد الحميد أبو النعيم”، على خلفية تصريحات أدلى بها مؤخرا وأفتى خلالها بـ”تكفير” إدريس لشكر، زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي، على خلفية آراء للأخير متعلقة بقضايا الميراث وتعدد الزوجات في الشريعة الإسلامية.

وكان “أبو النعيم”، قد قال في شريط مصور بث على موقع مشاركة مقاطع الفيديو على الإنترنت “يوتيوب” إن “أحد قادة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو لشكر، قال في ملتقى من ملتقياتهم “يجب إزالة قضية للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث، وأن تعدد الزوجات نوع من أنواع الإجرام”، وما إلى ذلك من الكفر البواح، والحرب الضروس على القرآن والسنة”.

ورأى الشيخ السلفي نفسه أن “حزب الاتحاد الاشتراكي معروف بكفره، وتاريخه تاريخ الكفر، فمنذ الخمسينات وهم ينشرون الكفر في مجالسهم العامة والخاصة”، على حد قوله.

وبعد الجدل الذي أثير حول شريطه الأول على يوتيوب، أصدر أبو النعيم شريطا آخر قال فيه إنه أصدر فتوى شرعية وليس أمرا باغتيال لشكر، لكن حجة أبو النعيم لم تفلح في تغيير الآراء.

وقد عبر بعض شيوخ السلفية عن عدم رضاهم عن تصريحات أبو النعيم حيث قال الشيخ حماد القباج، رئيس تنسيقية جمعيات دور القرآن السلفية، إنه يختلف مع الطريقة التي تعامل بها أبو النعيم مع المواقف التي عبر عنها لشكر، فيما كتب الشيخ أبو حفص على صفحته على فيسبوك: “لا يدرك كثير من الدعاة والمشايخ أن المجتمعات أصبحت لا تتحمل الخطابات المتشنجة، وأحكام القيمة المخرجة من الملة، ونبرات الاستعلاء والوصاية”.

المغرب يعد مثالا للتعايش والتسامح الديني حيث يعمل جاهدا على تكريس ثقافة الاختلاف والحوار وقبول الآخر دون اعتبار انتماءاته

ويرى عبد الله الرامي، الباحث المغربي المتخصص في الجماعات الإسلامية، أن “أبو النعيم” يختلف عن العديد من شيوخ السلفية، الذين شاركوا إلى جانب اليساريين والحقوقيين في مناظرات وملتقيات، وتواصلوا وتفاعلوا معهم، وبالتالي أصبحوا أكثر انفتاحا وتفهما”.

ويذهب مراقبون إلى أن المغرب يعد مثالا للتعايش والتسامح الديني حيث يعمل جاهدا على تكريس ثقافة الاختلاف والحوار وقبول الآخر دون اعتبار انتماءاته الحضارية والدينية. ويدعم هذا التوجه التصريحات التي أدلى بها السفير المغربي بفنلدا خلال المعرض الإسلامي الثالث (إسلام إكسبو) الذي نظمه المجلس الإسلامي الفنلندي الشهر الماضي.

حيث أكد محمد أرياض أن المعتقد يشمل كافة الديانات وكافة الأعراق في إطار من الأخوة والحب والاحترام والتسامح والعفو وحقوق الإنسان والحرية، وهي قيم ارتضاها المغرب منذ أمد بعيد ويواصل النهوض بها إلى غاية اليوم. ويذهب الداعون إلى تجريم التكفير إلى أن الظاهرة تتعدى حرية التعبير لتصل إلى فتاوى القتل التي تسندها القراءات المتشددة للدين وتحاول أن تلبسها لبوسا شرعيا.

13