جمع العسل على الطريقة القديمة درس تعلمه الصينيون من المجاعة

نحال في هونغ كونغ، بعيدا عن أبراج الأحياء الراقية، يمسك سربا من النحل البرّي بيديه في عادة موروثة منذ سنوات المجاعة في الصين.
الاثنين 2019/04/22
النحل يألفك إذا أحسّ بالأمان

هونغ كونغ- على تلال هونغ كونغ بعيدا عن أبراج الأحياء الراقية، يمسك ييب كي-هوك سربا من النحل البرّي بيديه في عادة موروثة منذ سنوات المجاعة في الصين. يشتري غالبية منتجو العسل النحل من عند أخصائيين في تربيته، لكن ييب يفضّل أن يسرح في الغابة ويجلب الحشرات البرّية بفضل أساليب يعتمدها منذ 27 عاما.

ولا يواجه الرجل البالغ من العمر 62 عاما أيّ صعوبة في التنقّل وسط الغابات الكثيفة، بعيدا عن دروب التنزّه المعروفة. وهو يتوقّف أمام تجويف في التلّة يعلم أنه يضمّ خليّة النحل.

فيشعل خمسة عيدان بخور “لتهدئة” الحشرات، وينتظر حتّى يفعل الدخان مفعوله قبل أن يمدّ يده داخل التجويف ليخرجها حاملا قطعة من الشمع يسيل منها عسل وحولها النحل. ولم يتعرض سوى للسعتين خلال العملية برمتّها، فالفكرة تقتضي، على حدّ قوله، الإمساك بأكبر عدد ممكن من قطع الشمع دون كسرها وإلحاق الأذى بالنحلة الملكة التي تؤدّي دورا أساسيا لجماعتها.

ويوضح، “إذا وضعنا قفّازات، لا نشعر بصلابتها، وإذا ضغطنا كثيرا وقتلنا الملكة من دون قصد، فسنواجه مشاكل كثيرة وسيكون من الصعب نقل الخلية” مضيفا، “إذا كنت لا تخيف النحل فإنه يكون غير ضار وودودا”.

بتأنٍ وحذر كبيرين ينفخ على التجويفات في قطع الشمع، ما يحثّ النحل على الدخول إلى قفص مغطى بكيس أبيض يمكن غلقه. وفي حين أنه يبحث عن الملكة، تحلّق بعض النحلات هنا وهناك. ومن الضروري إيجاد هذه الأخيرة لأن ذباب العسل المتبقي شديد التعلّق بهذه الأنثى الخصبة.

ييب كي-هوك تعرّض لأكثر من مئتي لسعة خلال عملية واحدة لأنه فقد النحلة الملكة
ييب كي-هوك تعرّض لأكثر من مئتي لسعة خلال عملية واحدة لأنه فقد النحلة الملكة

ويقول ييب “من دون الملكة، سيسود الغضب وستبحث عنها النحلات الأخرى في أي مكان. وهي ستغادر القفص إن لم تجدها. وستحلّق أينما كان بحثا عنها وتبدأ باللسع مثل المجنونات”.

وقد تعرّض ييب لأكثر من مئتي لسعة خلال عملية واحدة لأنه فقد النحلة الملكة، لكنه يؤكّد أنه ليس بحاجة إلى معدّات حماية. ويقول “ما الحاجة إلى ذلك؟ فأنا أعرف النحل خير معرفة وأعرف كيف أروّضه”.

وهو يضع النحلات في القفران البالغ عددها حوالي مئتين والتي يملكها في نحّالته الصغيرة عند سفح تلّة قريبة من دير الألف بوذا وهو معبد شهير في البرّ الرئيسي لهونغ كونغ. ويجمع العسل ثلاث مرات في السنة.

وينصح خبراء الصحة باستهلاك العسل الخام، مشيرين إلى أنه غني بمضادات الأكسدة والفيتامينات والمعادن، كحمض البانتوثنيك والنياسين والريبوفلافين والكالسيوم والنحاس والحديد والماغنسيوم والمنغنيز والفوسفور والبوتاسيوم والزنك؛ بما يجعله كنزا من المغذيات والفوائد. ويساعد على علاج نزلات البرد والأنفلونزا والأعراض المصاحبة لها، كالسعال واحتقان الحلق؛ نظرا لاحتوائه على مادة الديكستروميثورفان.

تعلّم ييب التقاط النحل بيديه في الصين في أعقاب فشل سياسة “القفزة الكبيرة إلى الأمام” للتصنيع المتسارع الوتيرة التي أطلقها ماو تسي-تونغ في نهاية الخمسينات تحت شعار رومانسي “دع مئة زهرة تتفتّح ومئة مدرسة تتنافس″، لكن ذهب ضحيتها 36 مليون صيني. واضطر وقتها الصينيون إلى تدبّر أمورهم في ظلّ المجاعة المنتشرة في البلاد التي أودت بحياة عشرات الملايين من الأشخاص.

من دون الملكة سيسود الغضب وستبحث عنها النحلات الأخرى في أي مكان
من دون الملكة سيسود الغضب وستبحث عنها النحلات الأخرى في أي مكان

وعمل هذا النحّال مدرّسا بأجر زهيد في إقليم غوانغدونغ في جنوب الصين وكان وقتها يقايض العسل بأغذية. وتسنّى له التفرّغ لتربية النحل حين أطلق دنغ شياوبينع سياسته المعروفة بـ”الإصلاح والانفتاح” في السبعينات.  وفي العام 1983، انتقلت عائلة زوجته إلى هونغ كونغ لكنه دخل إلى تلك المستعمرة البريطانية بطريقة غير شرعية واستغرق الأمر خمس سنوات قبل أن يستقرّ فيها.

واضطر إلى البدء مجددا من الصفر، فشيّد القفران من قطع قديمة من الخشب. لكن في خلال سنة، نجح في إنشاء 150 قفيرا وبات اليوم من كبار منتجي العسل في هونغ كونغ. غير أن التغير المناخي يلقي بظلاله اليوم على مهنته مع ارتفاع في الحرارة واشتداد العواصف. كما أن التوسّع الحضري في هونغ كونغ التي فيها كثافة سكانية كبيرة يهدّد النحل البرّي ومصادر غذائه. كما تفاقم العواصف المدارية الوضع.

في العام 2018، اقتلع إعصار مانغكهوت، وهو أقوى الأعاصير التي ضربت هونغ كونغ على الإطلاق، عشرات الآلاف من الأشجار آتيا على مساحات مزهرة شاسعة. ويقول ييب إن النحل لم يتعاف بعد تماما من تلك الكارثة، مشيرا إلى أن “إعصار مانغكهوت كان قويّا جدّا وهو قضى على أكثر من نصف الشجر والزهور. ولا يمكن للنحل أن يتكاثر بسرعة من دون النبات”.

يحذّر العلماء من اشتداد قوّة العواصف بسبب ارتفاع الحرارة. ويأمل ييب من جهته أن تفلت هونغ كونغ ونحلها من شرّ الأعاصير المقبلة وهو مصمّم على المثابرة في عمله قدر المستطاع.

20