"جمع تكسير" قصص تصف رحلة الثورة السورية من الفجر إلى الغسق

الاثنين 2014/11/03
غرام الحسين متأثرة بمتابعة ما يكتنف حياتنا الداخلية من تناقضات

إنها مقابر جماعية فخذوا حذركم، هذا ما يبقى لكم بعد قراءة المجموعة القصصية المعنونة بـ”جمع تكسير”، الصادرة عن “دار الثقافة ناشرون”، للكاتبة السورية غرام الحسين، فالقاصة الحسين تضع بيننا وبين المشهد عدسة متخيلة تريد منها أن تتسع وتضيق لتنقل لنا في الحال، وبالسرعة التي يحدثها الانتقال بين قصة وأخرى ما تحدثه الحرب “اللاعقلانية” من هدم وإهدار لقيم السلام والشرف والعطاء.

صحيح أن القارئ سوف يشعر بالتشوش بعض الشيء في البداية نتيجة طول الشهادات وطول مقدمة الكاتبة، لكن ما إن تقبل عليها حتى تصبح جزءا من فتنة القصة وجزءا من خاصياتها.


الشخصية النموذج


من هنا نجد أن غرام الحسين لا تحفل كثيرا بصياغة الشخصية النموذج، تتابع تفاصيل الحرب القائمة من غير أن تحصرها في شخصية واحدة، بهدف استجلاء المعنى أو الدلالة من الواقع مباشرة، وهو غالبا ما يجسم اتصالها المرهف بذلك عبر التواءات الواقع وارتباط الشخصيات المتعددة به.

لنجد أن صورة البطل الكليّة تتركّب من سلسلة من وجهات النظر الجزئيّة المختبئة داخل النص والتي ترسم بورتريها إنسانيّا وسيكولوجيّا له من خلال شخوص متعددة يتم تكسيرها على عشرين قصة، تلك القصص بدورها تكوّن منظورا إضافيّا يصف رحلةَ الثورة من الفجر إلى وقت الغسق.

براعة غرام في استدعاء القارئ، كما لو إلى صالة مسرح، ليشاهد عن قرب، الحياة الصغيرة التي صنعها الكاتب، ولكن كل شيء فيها معقد، وشائق من تعقيده، كما لو كان حيال مسرحية عبثية. أيضا تتجلى قدرة الكاتبة في تجميع قصصها قطعة قطعة، والإمساك بمهارة في عناوينها، التي تحلّى كل منها بحياة خاصة به، بينما النهايات ظلت غير متشكلة بالكامل.

في الكتاب بنية السكون مكوّن أساسي

وربما عن قصد اعتمدت الكاتبة على ثغرات ومختصرات وجدت ولمزيد من تشويق القارئ، أن لا مناص منها، مضفية على بعضها أهمية خاصة (قصة المصالحة الوطنية)، فربما وصلت إلى نتيجة أن خلق شيء ومشاطرة الجمهور في فكرة ذلك الشيء كان أساسيا لسرد هذه القصة، لذلك حاولت ان تجد مفهوما سينمائيا وليس مرادفا سينمائيا، لأنك لن تستطيع إيجاد هذا المرادف، والذي سوف يعطينا هذه الرؤية المزدوجة وعلى مهل توصلنا إلى هذا النوع الخاص من الوسيلة المنسوبة إلى المسرحي الإيطالي بيرانديللو عندما يكون لديك مشهد يفضي إلى مشهد تال فسوف يكون لديك بقايا من المشاعر التي تمكث وأنت تحملها معك في المشهد الجديد.

عندئذ سوف تصبح مقبولة أكثر فيما بعد، إذ أن توظيف الكلاكيت هو الموضع الوحيد حيث استخدمت تباين الوهم والواقع وسيلة التقاطع، هي ليست عن الفيلم والحياة أو الوهم والواقع، إنها ببساطة طريقة لعرض قصتين متوازيتين (الحرب - الحرية).


الرصد الداخلي


وربما كانت السمة البارزة في هذه الواقعية هو اهتمامها بالرصد الداخلي لظواهر القلق في حياة الفئات المنحازة للثورة السورية التي جعلت نماذجها تحتمل معاني الاستلاب والإحساس بزيف الحياة الحاضرة، وهي لذلك تنحدر في تركيبتها الاجتماعية من فئات مختلفة، التي تؤثر غرام متابعة ما يكتنف أفرادها في حياتهم الداخلية من تناقضات، وربما يرجع ذلك إلى تأثره بتقاليد الواقعية في القصة العربية وخاصة عند نجيب محفوظ.

وهذا ما أثر على بناء الشخصية، والتحرك الفني في الحدث لا يشكل اهتماما واضحا لدى الكاتبة، وربما كانت هذه القصة أكثر تطوّرا من السابقة، لأن غرام حاولت أن ترسم بعض الملامح الفنية لشخصيتها عن طريق الوصف والحدث والحوار القصير.

توجد الكلمة لا جسدا صوتيا من الحركة المستمرة والسكون اللحظي، بل بنية السكون فيها مكون أساسي

فهي بذلك تخرج عن سذاجة العمل القصصي بمقدار واضح، كما تتخلص نوعا ما من عدم منطقية بعض المواقف، وملامح التغير تنجلي في البنية ذاتها: إخماد الحركة، والبحث عن السكون أو بالدقة: الهدوء.

بنية السكون


في “جمع تكسير” توجد الكلمة لا جسدا صوتيا من الحركة المستمرة والسكون اللحظي، بل بنية السكون فيها مكوّن أساسي، حين نقرأ الكلمات نحاول أن نخمد الحركة إلى أقصى حدّ، والعلامة المطلقة لذلك هي القراءة دون حركات على أواخر الكلمات.

وهذا مظهر شيق للبنية الجديدة، لأنه يحتضن فيما يحتضن تتابعات مثل “هكذا يصف الراوي ذلك المشهد” واحتضان هذا التتابع هو النقيض المطلق لإيقاع “أدب الثورة”.

وهو أيضا ليس حدثا عابرا، أي أنه لا ينتظم في تكرارات وتوازنات منتظمة، والوحدة الإيقاعية المكونة للنص هي الجملة اللغوية من حيث هي تركيب دلالي لا وزني أو نظمي. ما أعنيه بهذا هو أن النص يتوزع إلى أسطر لا تبعا لضوابط بنيوية محدّدة بل تبعا لتموجات وتكوينات دلالية، وأبرز مثال على ذلك أن “تفضلوا” تحتل سطرا بحدّ ذاتها ولا تتراصف مع الكلمات السابقة لها أو التالية بعدها. أيضا، علامة استفهام صغيرة تتأرجح في بعض القصص. هل وقعت غرام تحت وصية أصحاب الحكايات؟ أم أنها اعتمدت تجسيد الشخصيات غير المتحقّقة وغير المكتملة، ومن ثمّ إلى البحث عن الشيء الذي سوف يحقّق اكتمالها؟

14