جمنة: جدل التنمية والقانون

الجمعة 2016/10/14

في منطقة جمنة، التابعة لمحافظة قبلي بالجنوب الغربي لتونس، تجربة بدأت منذ سنوات، لكنها أثيرت مؤخرا بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية تحديدا. عمر التجربة (أكثر من 5 سنوات) وزمن إثارتها “المباغت” يصنع مفارقة مباشرة تتصل بأفق التجربة التي تقصّدت الذهاب إلى إرساء إرهاصات “عدل” طالما افتقدته ونادت به الجهات المحرومة من جهة، وحكومة أسبغت على نفسها عناوين الوحدة الوطنية من جهة أخرى.

بين العدل المشتهى في التخوم، والوحدة الوطنية المسوغة شعارا من المركز، تبدو القضية، روايتين متضادتين لقضية واحدة، عنوانها الفساد أو الدولة المرتابة من فضائها.

القضية ليست وليدة الراهن الملتبس، بل تعود إلى زمنين؛ زمن الثورة، وزمن الاستعمار الفرنسي. ضيعة فلاحية مترامية الأطراف، صادرها المستعمر الفرنسي وحولها من مقاسم فلاحية صغيرة تعود ملكيتها للأهالي إلى ضيعة كبيرة، ثم ورثتها الدولة الوطنية، وفق عناوين رائجة آنذاك “الاستقلال الزراعي”، وتفاوضت من أجل ملكيتها مع أهالي جمنة، بل عرض عليهم شراؤها مقابل سندات وأسهم في مشاريع تنموية اتخذت هوى الدولة الوليدة يومذاك: فهو منهج اقتصادي يأخذ من كل نظرية بطرف، شيء من الاشتراكية وشيء من الرأسمالية، والكثير من البورقيبية المعتدة بذاتها. فكانت أفكار التعاضد والحزب الاشتراكي الدستوري والأمة التونسية والشركات القومية، كلها أصداء لأفكار بورقيبة الذي كان يريد أن يختط لنفسه وللبلاد مسيرة متمايزة في القطبية المعتملة، وإن كان ليبرالي الهوى.

قلنا إن الأهالي “اشتروا” بمبلغ كبير بمقاييس العام 1964 (40 ألف دينار) لكن ضيعة المعمر ظلت في يد الدولة، وتحولت لاحقا إثر التراجع عن التعاضد ونزوع الدولة نحو الليبرالية، إلى شركة “قومية” استغلت الضيعة بالحد الأدنى من الإنتاج والمردودية.

في سنوات الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي أصبحت الضيعة تسوّغ إلى البعض من المقربين من النظام، بأسعار أقرب إلى المجانية منها إلى القيمة الحقيقية للأرض وما تحمله من تمور.

أثناء حراك الثورة بادر شباب القرية إلى الاعتصام في الضيعة للمطالبة باسترجاعها وتشغيل أبناء القرية العاطلين عن العمل، وتم استحداث جمعية عُنيت بالتصرف في الضيعة وتشغيل الشباب، وحولت مداخيل التمور إلى مشاريع: سوق مغطاة للتمور، وسيارة إسعاف لمستوصف القرية، وقاعات درس في المدارس، وملاعب وغيرها من منجزات يطول سردها.

في تلك الأثناء كانت الحكومات المتعاقبة على حكم البلاد، والتي تعرف حتما ما يجري في جمنة، تدير ظهرها عما يحدث في جمنة وفي غيرها مثلما أدارت ظهرها عن الانشغالات وكل الأسئلة المشروعة، عدّ ذلك عند البعض إعجابا بالتجربة، وعند البعض الآخر ضعفا عن التدخل خاصة وأن الدولة في تلك الأيام الثورية كانت مصابة بارتخاء المفاصل، وعجزت عن بسط يدها على البلاد.

اليوم عادت القضية إلى صدارة الأحداث في زمن حكومة الوحدة الوطنية، التي طرحت على نفسها استرداد “هيبة الدولة”، فبادرت رأسا إلى فتح ملف جمنة وضيعتها وجمعيتها، التي قدرت السلطة أنها تمردت على القوانين وأعلنت السطو على الملك العمومي.

في جمنة تجربة ناجعة، بالمعنى النتائجي المباشر. أرست “ميكرو تنمية” في منطقة محرومة لطالما حلمت بمنجز واحد من السجل الذي حققته الجمعية، لكن التجربة على نجاعتها “تحاكم” اليوم بقوانين البعض منها يعود إلى عهد البايات، وتُعاقَبُ بمنطق دولة عجزت دائما عن الفعل التنموي، لكنها لا ترى ضيرا في اعتبار المبادرة “جموحا” تقف وراءه أياد سياسوية، (وفق تقدير القراءات القريبة من السلطة)، لكن أحدا لم يطرح قضية الفساد الذي استشرى وتحول إلى ممارسة مألوفة اعتادت الدوس على القوانين، كما على هيبة الدولة.

قضية جمنة التونسية قضية سياسية بامتياز، والحل يفترض أن يكون من جنس المشكلة، أي أنه لا يجب أن يتخذ مسارات قانونية، لأن ذلك قد يفرض العودة إلى أصل الحكاية، والحكاية بكل فصولها خروج عن القانون.

التنسيب أيضا يفترض التفكير في حل يأخذ بالاعتبار فرادة التجربة ونجاعتها، واستعادة الدولة لدورها وسلطتها، بأن تحال المسألة إلى برلمان الشعب لتحيين القوانين وجعلها مواكبة لتغيرات سادت البلاد، دون الإيغال في يسراوية حالمة، أو في سلفية قانونية متصلبة. قضية جمنة بدأت حين أغمضت الدولة عينيها عن واجباتها تجاه البلاد والعباد.

كاتب وصحافي تونسي

9