جمهورية أبل… عدد السكان مليار نسمة

استراتيجية تعزز ولاء الزبائن تعيدها إلى عرش نادي التريليون دولار وتنهي "ورطة" خضوعها لتذبذب مبيعات آيفون.
الأحد 2019/10/27
مبيعات آيفون لم تعد محور استراتيجية أبل

 أكملت شركة أبل تحولا استراتيجيا غير مسبوق في قواعده وأركانه المتينة، لينقل الشركة إلى مرحلة تصبح فيها بمثابة “دولة” كبرى من نوع جديد، يصل عدد سكانها إلى مليار نسمة، في نموذج متكامل تنفرد به عن جميع الشركات العالمية.

حين دخلت أبل في أزمة وجودية قبل عام بسبب تراجع مبيعات هواتف آيفون، لم يكن أحد يتوقع أن تنتفض بهذه السرعة وتبني قواعد إمبراطورية جديدة على أسس مستدامة تنهي “ورطة” خضوعها لتذبذب مبيعات آيفون.

ويبدو أن أبل أدركت في لحظة مظلمة، ضرورة أن تتوقف عن مطاردة مبيعات الهواتف والتحول إلى فلسفة جديدة محورها العناية الفائقة بجميع “رعاياها” من مستخدمي هواتفها القديمة والجديدة والأجهزة اللوحية والكمبيوترات والساعات الذكية.

ثروة أبل الحقيقية

استيقظت أبل لتجد أن ثروتها تكمن في ولاء مليار شخص لأجهزتها، وانطلقت في مضاعفة ما تقدمه لهم ليتسع من الفئة العليا للأجهزة الإلكترونية إلى الخدمات والبرمجيات ومنصات التلفزيون والموسيقى والألعاب وصولا إلى الخدمات المالية الجديدة من خلال بطاقتها الائتمانية.

وتوجت ذلك بلمسة في غاية الأهمية في بناء قواعد إمبراطوريتها، هي هوية أبل لجميع أولئك المستخدمين، أي مفتاح الدخول إلى المواقع الأخرى باستخدام هوية أبل، التي نقلت حماية الخصوصية والبيانات إلى مستويات جديدة.

حين انحدرت مبيعات آيفون نهاية العام الماضي، فقدت الشركة خلال شهرين أكثر من 400 مليار دولار من قيمتها السوقية، مبتعدة عن ذروتها البالغة 1.1 مليار دولار في 3 أكتوبر 2018.

اعتقد معظم المحللين حينها أن أبل استنفدت قواها وأنها ستدخل في أزمة طويلة، بسبب اعتمادها الشديد على إيرادات مبيعات آيفون، التي انخفضت بشكل حاد. المفارقة أنها كانت ضحية جودة هواتفها التي لا تدفع المستخدمين لشراء الأجيال الجديدة.

في نهاية العام الماضي، أدى اعتماد أبل المفرط على مبيعات آيفون، إلى سقوطها في ورطة كبرى هددت مستقبلها وبقاءها، حين عمدت إلى إبطاء هواتف آيفون القديمة لدفع زبائنها لشراء هواتف جديدة.

لكنها سرعان ما حولت تلك الورطة إلى بداية جديدة، حين انفجرت الفضيحة وأجبرتها على الاعتذار، لتنتبه إلى ثروتها الحقيقية. وانتقلت إلى تعزيز ولاء “رعاياها” لفتح مناجم الإيرادات من خلال توفير خدمات جديدة لهم.

نظام تشغيل ثوري

نجوم الفن ينجذبون إلى جمهور إمبراطورية أبل
نجوم الفن ينجذبون إلى جمهور إمبراطورية أبل

المفتاح الأكبر والحاسم في ذلك التحول، جاء في تحديث ثوري لنظام تشغيل للهواتف الذكية آي.أو.أس 13، الذي عزز أداء جميع هواتف آيفون الجديدة والقديمة بدرجة هائلة، لتخرج أبل من أسر مبيعات آيفون وتلتفت إلى مصادر الإيرادات الأخرى.

انقلبت علاقة جميع مستخدمي هواتف آيفون القديمة فجأة من الريبة والتذمر إلى تعزيز الثقة بالشركة، حين فوجئوا بمضاعفة سرعة هواتفهم وتراجع استهلاك طاقة البطارية وتقلص مساحة البرامج والتطبيقات على هواتفهم.

تخلت أبل عن لعبة مطاردة مبيعات آيفون بأي ثمن، ودخلت سباقا آخر لتعزيز ولاء “رعاياها” وكانت المفاجأة الأولى في مكافأتها بارتفاع مبيعات أجهزة آيفون 11 وآيفون 11 برو وآيفون 11 برو ماكس.

ولم تقف أبل عند ذلك الحد، بل طرحت برامج تشغيل مشابهة في كفاءتها العالية للأجهزة اللوحية “آيباد أو.أس” وأجهزة الكمبيوتر “ماك أو.أس” والساعات الذكية “ووتش أو.أس”.

ولأول مرة في مؤتمر أبل السنوي في سبتمبر الماضي، لم تكن الأجهزة الجديدة أكبر مفاجآت الشركة، بل كان تحديث أنظمة التشغيل، التي منحت جميع “رعايا” أبل مزايا كثيرة فاقت جميع التوقعات.

لم تقف أنظمة التشغيل الجديدة عند تسريع عمل الأجهزة القديمة والجديدة وإطالة عمر البطارية وترشيد مساحة تخزين البرامج والتطبيقات، بل امتدّت إلى مزايا جديدة كثيرة تعتمد الذكاء الاصطناعي والإيماءات وأدوات ثورية لتحرير الصور وتعزيز الخصوصية ومنع المتصلين المجهولين.

تضاعفت فجأة سرعة تنزيل التطبيقات وتشغيلها مرتين، وتم خفض حجمها بنسبة 50 بالمئة، إضافة إلى أن سرعة فتح جهاز آيفون باستخدام ميزة التعرف على الوجه زادت بنسبة 30 بالمئة، إضافة إلى عشرات المزايا الأخرى، التي لا مجال لحصرها هنا.

التحديث الثوري لأنظمة تشغيل آيفون وأجهزة أبل الأخرى ضاعف سرعتها وكفاءتها ومزاياها وعزز ولاء جميع زبائن الشركة
التحديث الثوري لأنظمة تشغيل آيفون وأجهزة أبل الأخرى ضاعف سرعتها وكفاءتها ومزاياها وعزز ولاء جميع زبائن الشركة

ورحب خبراء بتطوير لوحة المفاتيح، التي أطلقت عليها أبل “كويك باث تايبنغ” الأسرع والأكثر دقة من لوحات المفاتيح الافتراضية، والتي تقدم اقتراحات إملائية ذكية تجعل الكتابة أكثر سهولة.

وبطرح نظام التشغيل الجديد، تكون أبل قد أكملت بناء مزيج الإيرادات المثالي في استراتيجيتها الجديدة التي تتكامل فيها مبيعات الأجهزة والبرمجيات والخدمات، لتجمع الآراء على فرص انتعاش أعمالها لفترة طويلة. تزامن طرح أنظمة التشغيل الثورية مع طرح خدمة تلفزيون أبل بسعر منافس يبلغ 4.99 دولار فقط، لتنافس عمالقة البث التدفقي مثل نتفليكس وديزني، بل ومنحت كل من يشتري جهازا جديدا اشتراكا مجانيا لمدة عام.

وطرحت أيضا منصة الموسيقى أبل ميوزك، التي يمكن أن تقوض جميع المنافسين بإتاحة كل ما يريد زبائنها الاستماع إليه في حزمة واحدة بسعر 9.99 دولار شهريا، إضافة إلى منصة الألعاب أبل أركيد بسعر 4.99 دولار.

ثورة الخدمات والإيرادات

مضاعفة اهتمام أبل بكافة “رعاياها” من مستخدمي هواتف آيفون، انعكس في تعزيز ولائهم وفتح لها منجم الإيرادات من الخدمات والبرمجيات والتطبيقات، التي تضاعفت مساحتها عدة مرات.

بعد خطوة المصالحة الكبرى بين أبل ومليار مستخدم لأجهزتها تتجه أبل لثورة كبيرة في تنويع الإيرادات من تلك الخدمات وهو ما اتضح في قفزة هائلة في قيمتها السوقية، لتعود إلى صدارة أكبر الشركات العالمية المدرجة في أسواق المال.

وسيكون لهوية أبل حين تصبح مفتاح “رعاياها” في جميع مغامرات دخول المواقع الأخرى والتسوق والصفقات، دور كبير في تعزيز ولائهم وارتباطهم بنادي أبل أو إمبراطورية أبل، بسبب المستويات القصوى لحماية البيانات.

وتنتظر الشركةَ آفاقٌ أكبر عند اتساع نطاق استخدام بطاقتها الائتمانية، التي طرحت في الولايات المتحدة فقط في أغسطس الماضي، والتي من المتوقع أن توجه ضربة شديدة لشركات بطاقات الائتمان مثل فيزا وماستركارد حين تستقطب معظم مستخدمي أبل بسبب مزاياها الفريدة. 

أبل في يد الجميع
أبل في يد الجميع

واتخذت أبل أعلى درجات الحذر في “أبل كارد” بوضع قيود، قد تكون موضع ترحيب الجهات التنظيمية ومعظم الزبائن، كما منع استخدامها في شراء العملات المشفرة، التي اتسع الهجوم عليها بسبب تهديدها للنظام المالي التقليدي.

ومن المرجح أن تحقق البطاقة إيرادات كبيرة للشركة بسبب القاعدة الواسعة لمستخدمي هواتفها وخاصة بين الطبقة المتوسطة ومرتفعي الدخل.

وتشير البيانات إلى أن الكثير من العمليات المالية أصبحت تنفذ من خلال الهواتف الذكية وأن إجراءات الأمان المرتفعة في هواتف آيفون مثل التعرف على الوجه ستجذب كثيرين لاستخدام “أبل كارد”.

وفرضت أبل قيودا أخرى مثل منع استخدام بطاقتها الائتمانية مع هواتف آيفون معدلة أو مكسورة الحماية (جيل بروكن) إضافة إلى حصر طلب الحصول على البطاقة والموافقة عليها من خلال تطبيق محفظة أبل (Wallet) ونظام تشغيل آي.أو.أس.

خلال أسابيع معدودة قفزت قيمة أبل السوقية بنحو 400 مليار دولار لتتفوق على مايكروسوفت، وهما الشركتان الوحيدتان في نادي التريليون دولار. وقد تجاوزت يوم الجمعة ذروة قيمتها السوقية السابقة البالغة 1.1 تريليون دولار.

هذا الأسبوع ظهرت آثار تعزيز أبل لإمبراطورتيها التجارية في دراسة سنوية لشركة إنتربراند المتخصصة في تحليل وتقييم العلامات التجارية، والتي أظهرت أن أبل عززت صدارتها لقائمة أغلى العلامات التجارية العالمية خلال العام الحالي.

وقدرت الدراسة أن قيمة علامة أبل التجارية قفزت هذا العام بنسبة 9 بالمئة بمقارنة سنوية لتصل إلى أكثر من 234 مليار دولار، وهو ما يزيد بنحو 66 مليار دولار على قيمة علامة غوغل، التي حلت في المرتبة الثانية.

17