جمهورية إعلامية فاضلة

الأربعاء 2014/08/20

يبدو من المناسب استعادة كلام سابق لأريك شميدت، ونحن نفترض أنه ثمة جمهورية إعلامية فاضلة، لا تكمن في توق أفلاطون، بل في وجود جيل الويكيبيديا وفق تعبير بيان الإنترنت.

ويبدو لي أن وجه الخير في القرن الحادي والعشرين متمثل في كيفية السيطرة على العالم بوسيلة جيدة.

فقد اعتبر الرئيس التنفيذي لمحرك البحث العملاق غوغل أن شبكة الإنترنت جعلت من العالم أكثر ديمقراطية عبر المزيد من الانفتاح والتواصل بين البشر.

ويرى شميدت أن الشبكة العالمية لديها ما يكفي حتى الآن لترقى إلى مستوى اسمها، عندما شبه الأمر بحس فلسفي مبسط وملاحظة لافتة للنظر عبر قوله “ببساطة، الشبكة ربطت العالم لإطلاق سراح العالم!”.

فإذا كان العقد الماضي قد علمنا شيئا، فهو أن ربط الناس مع المعلومات من شأنه أن يغير العالم، لأن شبكة الإنترنت، عموما، قوة لا تلين من أجل الخير في عالم الاتصال، و”ليس ثمة حواجز أمام خيالنا أو عواطفنا” وفق تعبير أريك شميدت.

وويكيبيديا تكاد تجسد هذه “الجمهورية الإعلامية الفاضلة” عبر التنوع الذي تقدمه الموسوعة بعد ثلاثة عشر عاما على انطلاقها. تقوم ويكيبيديا اليوم بنشر وصيانة أكثر من 32 مليون مقال بـ287 لغة مختلفة، وتتمّ معالجة هذه المادة الضخمة استنادا على سياسة تصويت ديمقراطي وتوافق آراء معقد ومنهك.

فهناك العديد من الحالات المستجدة التي تنظر لها ليلا تريتيكوف المديرة التنفيذية لمؤسسة ويكيبيديا “حيث يمكن للسير أن يساعدنا على تحديد أشياء مثيرة للاهتمام. ولا يجعل ذلك من أجهزة الكمبيوتر آلات إبداعية، ولكنها تساعدنا على تحسين الإبداع الخاص بنا”.

وإذا قبلت “جمهورية ويكيبيديا” نصائح المراقبين وقررت عرض إعلانات مستخدمي الموقع الذين يبلغ عددهم ما يقرب النصف مليار شهريا، يمكن للموقع أن يجني 3 مليار دولار تقريبا في السنة.

بالنسبة لتريتيكوف الهدف هو خفض الحواجز التي تحول دون الدخول إلى هذا المجتمع الرامي إلى بناء المعرفة. “مهمتنا هي التثقيف، لذلك كلما انفتحنا على أنواع مختلفة من التفكير كلما نجحنا في تحقيق مزيد من التنوع”.

لكن الإنترنت لن يخلو بأي حال من الأحوال من المتطرفين كمن يود استخدام سيارة من دون سائق ولا يفكر بالعواقب، وسنبقى نواجه مشكلة التمييز بدقة بين الحقيقة والتضليل، وهنا تكمن الصعوبة في التغلب على مثل هذه المشاكل، فالجمهورية الإعلامية الفاضلة ليست بما وضعه أفلاطون، بل تكمن في حرية التعبير على الإنترنت.

ولأنها أكبر مصدر وحيد للمعلومات الحرة في العالم، تجد ويكيبيديا نفسها مجبرة على مكافحة تضليل الشركات والحكومات، كي تجد نفسها قد تجاوزت “احتكار القلّة” وفق تعبير “بيان الإنترنت”، فالويب يبعثر نظام وسائل الإعلام الموجودة عبر تجاوز تخومها القديمة، النّشر وانتشار المضامين الإعلامية لم تعد مرتبطة قطعا بالاستثمارات الضّخمة.

الوعي بالذّات الصحفية -لحسن الحظ- هو الآن في طور الشّفاء من وظيفته كحارس بوابة، فكل ما يتبقّى هي الجودة الصحفية التي تتميز بها الصّحافة عن عمليّة نشر عادية.

كذلك افترض هذا البيان الذي أصدره نخبة من الصحفيين الألمان عام 2009 بعد نقاش حيوي حول مستقبل الصحافة المكتوبة على الإنترنت، بالنّسبة إلى غالبية النّاس في العالم، المنصّات المعرفية، الوسائط الإعلامية والشبكات الاجتماعية كلّها جزء من الحياة اليومية، بل إن استعمالها أضحى أكثر بديهية من الهاتف والتلفزيون.

واليوم تصدم ويكيبيديا بقرار القضاء الأوروبي المتعلق بـ”الحق في النسيان” عبر الإنترنت، بوصفها إياه بالقرار الذي يخلف “ثغرات في الذاكرة” ويدرج في إطار الرقابة.

والقرار الذي اتخذته محكمة العدل الأوروبية في لكسمبورغ مؤخرا اعتبرت فيه أن من حق الأفراد أن يحذفوا من نتائج يوفرها محرك البحث “غوغل” روابط إلى صفحات تضم معلومات شخصية قديمة أو غير صحيحة، الأمر الذي اعتبرته ليلا تريتيكوف المديرة التنفيذية لمؤسسة “ويكيبيديا” بالقرار الذي “يمنع العالم من الوصول بحرية إلى معلومات موثوقة بشأن بعض الأشخاص أو الأحداث”.

18