جمهورية التزوير في العراق

مذ حلّت أحزاب الطابور الخامس في السلطة كان التزوير توأم الآتين من أرصفة الفشل التاريخي. غالبية مستوطني المستعمرة الخضراء تعاطوا التزوير وتعاملوا معه، بل كان لبعضهم مصدر ارتزاق.
الجمعة 2019/06/07
المالكي وتابعوه.. أصبحوا عنوانا للأضاليل والمغالطات

لا يستمر الحديث عن قضية خراب في العراق طويلا، إذ سرعان ما يتم التحول إلى الحديث عن قضية خراب أخرى أكثر شناعة، وهكذا.

قبل أسبوعين انشغل العراقيون بتصريح غريب أطلقه النائب عبدالأمير الدبي، عن كتلة “الصادقون”، وهي الجناح السياسي لميليشيا “العصائب”، التي يتزعمها الشيخ قيس الخزعلي، خلال جلسة مجلس النواب ناقشت إعادة منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية المفصولين من وظائفهم بسبب تزوير شهاداتهم، فانبرى الدبي مدافعا عن المزورين، وقال “منذ عام 2003 وحالات تزوير الشهادات منتشرة في العراق. كثير من الوزراء والنواب السابقين ومسؤولين كبار في الدولة استفادوا من الشهادات المزورة”.

ثم طالب بالعفو العام عن أصحاب الشهادات المزورة، قائلا بالنص الصريح “أطالب مجلس النواب بعفو عام عن المنتسبين المفصولين بسبب الشهادات المزورة”. وكما يقول المثل العراقي “عذره أقبح من فعله”، اعتذر النائب بالقول “هو شاب يريد أن يعيش حياة كريمة، فلا يجب أن نجعل من الشهادة والتحصيل الدراسي حجر عثرة أمامه”.

قامت قيامة منصات التواصل الاجتماعي في العراق غضبا على تصريح الدبي وكأن العراق لا يعاني إلا من التزوير، وهذا التزوير هو وحده الذي سبّب وسيسبب الخراب للعراق، وكأن كل مناحي الحياة في العراق أصابها الخراب والفساد.

فمذ حلّت أحزاب الطابور الخامس في السلطة كان التزوير توأم الآتين من أرصفة الفشل التاريخي. غالبية مستوطني المستعمرة الخضراء تعاطوا التزوير وتعاملوا معه، بل كان لبعضهم مصدر ارتزاق لذلك ما عاد التزوير عيبا، بل عكسه هو العيب، الذي يشار إليه بأصابع الازدراء، فهم لا يعدّونه مثلبة إذ تعايشوا مع كل نقيصة حتى صارت النقائص مقياسا لاستعراض القوة، فمعظمهم تخرج في مدرسة التزوير الكبرى في طهران (كوجه مروي). زوروا أسماءهم وأصولهم، وحاولوا إسقاط كل ما يتعلق ببلدهم ولذلك تطوعوا في خندق الحرب الإيرانية وحملوا السلاح لقتل أبناء بلدهم، وقد فاضت قرائحهم بالولاء للولي الفقيه، وهكذا أصبح التزوير جزءا من عقيدتهم يشكل بناءهم النفسي، ومنذ 2003 والعراقيون يلمسون التزوير ويرونه في كل شيء، من الانتخابات إلى الوظائف الفضائية.

هم أنفسهم؛ سرقاتهم وخياناتهم وأكاذيبهم، من الرئيس مرورا بالعناوين كافة أصبحوا عنوانا للأضاليل والمغالطات، وهم من ارتكب ويرتكب جرائم التزوير، وهم أنفسهم من يُصدر قرارات العفو عن مرتكبي هذه الجريمة ولدينا نوري المالكي كبيرهم، الذي علمهم السحر.

في منشور اطلع عليه جميع العراقيين على منصات التواصل الاجتماعي، وبعد التحقيق الأولي، الذي نشرته الرابطة العراقية حول تزوير علي أكبر زندي، وزير التعليم العالي والمعروف بعلي الأديب، لشهادته الجامعية، أمكن الحصول على نسخة من الشهادة، التي استخرجتها له كلية ابن رشد بتاريخ 30 سبتمبر 2010، وهذه الكلية بات العراقيون يسمونها “كلية اللطامة”، لكثرة من “تخرّج” فيها من عناصر حزب الدعوة بفعل التزوير.

وتبدو الوثيقة، التي قدمها علي الأديب من أجل ترشيحه لمنصب وزير التعليم العالي، طبيعية تماما وخالية من أي تزوير، ولكن من يتمعّن في تاريخ التخرج والحصول على شهادة بكالوريوس في التربية بدرجة “جيد جدا”، وهو 30 يونيو 1965 وعاد إلى جميع المصادر التي تتفق على أن تاريخ ميلاد علي الأديب هو 1946، سيجد أن علي الأديب تخرج في الجامعة وعمره 19 سنة وهذا محال، فستبقى هناك سنتان أكلهما التزوير.

الطريف أن الشقيق الذي يكبر علي الأديب بسنوات، عادل الأديب، متخرج أيضا، في كلية ابن رشد وتاريخ تخرجه هو 13 يونيو 1969، فكيف يستقيم هذا؟

أحد الخبثاء طلب من لجنة النزاهة أن تستدعي الوزير علي أكبر زندي للتحقيق في صحة شهادته، أو منحه جائزة “أصغر خريج جامعي” في تاريخ العراق الحديث.

وانتشرت في العراق، بعد عام 2003، ظاهرة تزوير الشهادات الدراسية بنحو لم يحصل في تاريخ العراق، وخصوصا وسط الطبقة السياسية، وانكشفت العديد من الفضائح لنواب ووزراء وسياسيين في الدورات السابقة كانوا يعملون بشهادات دراسية مزورة، وقدّم العديد من أعضاء البرلمان العراقي، سواء في زمن الجمعية الوطنية، التي أعدت الدستور أم ما تلاها، وثائق دراسية مزورة ومن خرج من البرلمان فهو يتقاضى رواتب تقاعدية الآن، ومن بينهم قادة في الأحزاب المتنفذة، كما أشار إلى ذلك العضو في التحالف الوطني عن كتلة الأحرار جواد الحسناوي بقوله إن هناك ثلاثة آلاف موظف في الأمانة العامة لمجلس الوزراء تم توظيفهم بوثائق دراسية مزورة وأن نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق تستر على 4000 موظف فاسد.

والغريب أن سمير الشويلي الناطق السابق باسم هيئة النزاهة اتضح أنه كان قد زور شهادة جامعية لنفسه، وأنه خريج المدرسة الابتدائية، وهناك العديد من المستشارين في مفاصل الدولة ووزاراتها وحتى في رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء قد زوروا شهادات دراسية، فإذا كان الفساد قد دبّ إلى هيئة النزاهة فكيف تأمل أن تجد مفصلا من مفاصل الدولة ليس فيه فساد؟

لا بدّ أن نذكر أن الوثائق الدراسية الصادرة من إيران تشكل الجزء الأكبر من مشكلة الشهادات المزوّرة، لاسيما تلك المقدمة من أعضاء في أحزاب دينية شيعية كانت في إيران حيث شكلت هذه الأحزاب مؤسسة خاصة تدار من مكتب رئيس الحزب مهمتها توفير الوثائق الدراسية من إيران لأعضاء الحزب من الذين شملهم قانون دمج الميليشيات، وتباع هذه الوثيقة بمبلغ ألف دولار، أما الوظائف الأخرى فترتفع قيمتها حسب درجة الوظيفة، وأغلب هذه الوثائق صادرة من جامعات تابعة للحوزة العلمية في قم ومدن إيرانية أخرى وهي معترف بها في إيران وليس في العراق، وقد سألوا أحد هؤلاء المزورين عن الدكتوراه التي يحملها وفي أي اختصاص، فأجاب بأنه حصل على شهادته في حبّ الحسين، وهي حكاية مازال العراقيون يتندرون بها برغم أن سنين قد مرت عليها.

9