جمهورية القائد الأوحد.. حافظ الأسد غدر بحلفائه ليعتلي كرسيّ الطائفية

الاثنين 2013/12/02
الازدواجية بين القول والفعل السمة البارزة لنظام أجرم في حق شعبه

عمل الأسد الأب منذ عشرات العقود على إحكام قوته في بناء جمهورية ذات صبغة عسكرية، بعد انقلابه العسكري وتصفية خصومه في الوقت الذي كانت فيه شعارات البعث القومية والمقاومة والصمود تملأ الفضاء السياسي والخطابي للنظام على خلاف ما كان يقوم بتنفيذه على أرض الواقع في سوريا.

أدرك حافظ الأسد منذ وقت مبكر أهمية الدور الذي يلعبه العسكر في الحياة السياسية السورية، فقد عايش انقلاب 1954 في مصر وقبلها وبعدها سلسلة الانقلابات التي قام بها العسكر في سوريا بدءا من انقلاب حسني الزعيم عام 1949.

ولطالما ارتبط تاريخ الانقلابات العسكرية في سوريا بصراع الأمم على الاستحواذ على سوريا نظرا إلى أهمية موقعها الإستراتيجي إقليميا وعربيا خاصة بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948. وفي إطار هذا الصراع كانت المجموعات الانقلابية العسكرية تعمد إلى التنسيق مع القوى الدولية من خلال سفاراتها لاسيما في بيروت وفي مقدمتها أميركا وبريطانيا لنيل الاعتراف الدولي بسلطة الانقلاب الجديدة، ولذلك كان الأسد الأب يدرك جيدا بعد انقلابه في عام 1970 أن استقرار نظامه في سوريا يتطلب السيطرة على لبنان للحؤول دون تعرضه للتآمر على نظام حكمه في المستقبل.

وقد حاول الأسد بكل الطرق تأجيج الصراع في لبنان لتهيئة الظروف المناسبة لدخوله إلى هناك بحجة وقف الحرب التي أججها طوال أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن حتى استنزف جميع قواها الحزبية وتركها منهكة تعاني من الانقسامات والتشتت والضعف بغية الاستمرار في إحكام سيطرته عليها وتأبيد وجوده هناك من خلال التفاهمات غير المباشرة التي كان يقوم بها مع الإسرائيليين عبر الأطراف الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية.


المؤسسة العسكرية


أهمية الدور الحاسم للمؤسسة العسكرية في تقرير مصير سوريا السياسي دفعه باستمرار، خاصة بعد وصول البعث إلى السلطة من خلال انقلاب 1963 إلى العمل على المستويين العسكري والحزبي، ففي حين تسلم قيادة الطيران والدفاع الجوي استطاع أن ينتزع مكانته كعضو في القيادة القومية للحزب معتمدا على مساندة مجموعة من القيادين والعسكريين السنة الذين سيلعبون دورا كبيرا في انقلاب عام 1970 ووصوله إلى سدة الحكم في سوريا.

كان النظام يدخر ضباط الطائفة لكي يزج بهم في أية مواجهة مفترضة مع السوريين،

طموحات الأسد التي بدأت تصطدم بزعامة صلاح جديد، دفعت بكل منهما نحو تعزيز موقعه عسكريا وحزبيا. صلاح جديد، الذي بدا مأخوذا بفتنة زعامة البعث، اتجه إلى تدعيم موقعه معتمدا على قوات الصاعقة التي ألحقها بالقيادة القومية للحزب وعلى جهوده الحثيثة لتحسين مستواها التدريبي والقتالي والتسليحي، إلى جانب كتائب البعث المسلحة التي أنشأها من أجل المساهمة في حرب التحرير الشعبية حتى أضحت قوة لا يستهان بها، لذلك كانت الخطوة الأولى التي قام بها الأسد عند قيامه بانقلابه على شركائه عام 1970 هي تطويق معسكرات الصاعقة ومصادرة أسلحتها.

ولما كان رصيد الأسد في تلك المرحلة على مستوى ضباط الطائفة العلوية في الجيش السوري ضعيفا مقارنة بصلاح جديد الضابط العامل والأرفع رتبة منه، فقد لجأ إلى الاعتماد على الضباط السنة في الوقت الذي بدأ فيه بإنشاء نواة سرايا الدفاع بقيادة شقيقه رفعت الأسد.

بعد انقلاب 1963 بدأ الصراع بين الجناح المدني ممثلا بما كان يعرف بجناح القيادة القومية في الحزب بقيادة ميشيل عفلق وصلاح البيطار وشبلي العيسمي وبين الجناح العسكري بزعامة صلاح جديد وحافظ الأسد اللذين استطاعا في انقلاب 1966 أن يتخلصا من تلك القيادة وينفردا بقيادة سوريا، الأمر الذي أعاد لسلطة العسكر دورها المهيمن حتى على حزب البعث الذي ألحق بها، بعد أن تولى صلاح جديد زعامة الحزب.

في خطوة تمهيدية للتخلص من القيادات العسكرية قبل تنفيذ انقلاب 1966 استطاعا أن يقنعا الضابط القوي سليم حاطوم قائد الوحدات الخاصة، التي كانت مكلفة بحماية الإذاعة ومنطقة دمشق، بأن يذهب في وفد رسمي لزيارة كوبا، وأثناء وجوده هناك لجآ إلى تنفيذ الانقلاب. وعندما أدرك حاطوم أنه تم الغدر به، عمد في أيلول 1968 إلى محاولة اعتقال القيادة في السويدأ أثناء حفلة غداء دعاهم لحضورها، لكن حافظ الأسد استطاع أن يفشل تلك المحاولة، فاضطر حاطوم وشريكه حمد عبيد إلى الهرب إلى الأردن وعندما عادا بعد هزيمة 1967 إلى دمشق تمت محاكمتهما وتنفيذ الإعدام فيهما خلال يوم واحد.


التخلص من المنافسين


بعد التخلص من سليم حاطوم كان لابد من التخلص من عبد الكريم الجندي المسؤول عن مكتب الأمن القومي، فتم شراء مدير مكتبه من قبل حافظ الأسد لكي يقوم بتنفيذ عملية قتله داخل مكتبه والادعاء بأنه انتحر وهذا الأسلوب هو ما سيستخدمه ابنه ماهر الأسد بعد عقود في تصفية وزير الداخلية اللواء غازي كنعان.

أما على صعيد القيادات العسكرية المهمة من الطائفة العلوية فقد كانت أول عملية اغتيال يكلف بها ضابط الأمن نزيه زرير هي اغتيال اللواء محمد عمران في مزرعته بطرابلس من قبل مجموعة فلسطينية من قوات الصاعقة ظلت محتجزة في إدارة المخابرات العامة التي كان يرأسها العميد زرير نفسه حتى عام 1985.

وبذلك قضى على جميع ضباط الطائفة البارزين لكي يستفرد بزعامة الطائفة، بعد أن كان قد انقض على صلاح جديد وتياره في المؤتمر القطري الخامس الاستثنائي الذي انعقد لحل الخلافات المتأزمة بعد أحداث أيلول 1970 ورفض الأسد تكليف سلاح الطيران السوري تأمين الحماية المطلوبة للقوات السورية التي دخلت الأردن للقتال إلى جانب المقاومة الفلسطينية ضد قوات الملك حسين مما عرضها للتدمير من قبل الطيران الإسرائيلي حتى قبل دخول الأراضي الأردنية.

لاشك أن هذا الموقف كان من جملة أوراق الاعتماد التي قدمها الأسد للأميركيين ومعهم إسرائيل خصوصا وللغرب عموما باعتباره ممثلا لتيار الاعتدال والعقلانية في سوريا.

لذلك لم تكن مستغربة تلك الحظوة التي نالها الأسد بعد وصوله إلى السلطة من خلال انقلابه في عام 1970 من قبل النظام في الأردن والمملكة العربية السعودية في حين اكتفى بإغراء الروس بالسماح للحزب الشيوعي السوري بالمشاركة في العمل السياسي من خلال الجبهة الوطنية بعد أن كانت قيادته وكوادره الحزبية قد تعرضت طوال حكم البعث للملاحقة والسجون.

و لجأ الاسد بعد أن استطاع أن يستفرد بالحكم، لاسيما بعد حسم معركته مع الجناح العسكري في تنظيم الأخوان المسلمين، إلى تجريد جميل من كل مناصبه العسكرية والأمنية بذريعة الفشل في مواجهة تنامي تنظيم الأخوان في سوريا وعلاقته غير المباشرة بالانقلاب العسكري المزعوم عام 1982 والذي التقيت ببعض ضباطه المتهمين في سجن المزة العسكري دون أن أستطيع الحصول على أية إجابة منهم حول حقيقة تلك المحاولة الانقلابية المزعومة، لاسيما أنهم الوحيدون الذين كانوا يتقاضون رواتبهم ويتمتعون بمعاملة خاصة داخل السجن.

بموازاة احتكار القرار العسكري من خلال السلطة التي منحها الأسد لنفسه بصفته القائد العام للقوات المسلحة ومع تحول سرايا الدفاع إلى قوة تمتلك أحدث الأسلحة وتحتل دمشق العاصمة، عمل على بناء شبكة واسعة من الأجهزة الأمنية غطت سوريا كلها بما فيها حتى القرى التي لا يتجاوز عدد أفرادها بضعة آلاف وأطلق يدها تنكيلا واعتقالا حتى تحولت إلى الحاكم الفعلي داخليا، بينما تفرغ الأسد للسياسة الخارجية.


سياسة فاشلة


في عام 1982 وأثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان رفض رفعت الأسد قائد وحدات سرايا الدفاع إرسال قواته لمساندة القوات السورية في لبنان بعد تعرضها لهجوم عسكري كاسح من قبل القوات الإسرائيلية بعد أن قرر شارون إخراج السوريين من لبنان مقابل الحصول على اتفاق 17 أيار من زعامة حزب الكتائب وتطبيع العلاقات بين لبنان وإسرائيل.

لقد كان بمقدور حافظ الأسد بوصفه القائد العام للجيش أن يأمر تلك القوات بالتحرك باتجاه لبنان لمساندة القوات السورية هناك لكنه بدلا من ذلك أمر القوات النظامية بالتحرك لكي تلاقي مصيرا مأساويا من قبل الطيران الإسرائيلي الذي كان يسيطر كليا على سماء لبنان، في حين بقيت سرايا الدفاع في مواقعها تحرس نظام الأسد وتحميه كما هو مخطط لها.

لم يبن الأسد دولة بالمعنى المعروف للدولة، إذ تحولت تلك الأجهزة الأمنية والعسكرية مع تغولها إلى سلطة ابتلعت المجتمع والدولة والحزب معا

الأخطر من كل هذا أن النظام الذي فاجأه موقف شارون بالتعرض للقوات السورية على خلاف ما كان متفقا عليه معهم عند طريق جورج شولتز وزير الخارجية الأمريكي وضعه في موقف حرج في عز فترة تبجحه بالحديث عن التوازن الإستراتيجي مع العدو الإسرائيلي، فلجأ إلى تعميم أمر عسكري على طياري طائرات الغازيل التي استخدمها بكثافة للتصدي للمدرعات الإسرائيلية في منطقة البقاع اللبنانية منع بموجبه الطيارين من أبناء الطائفة العلوية من القيام بطلعات قتالية خوفا من تعرضهم للموت وخسارته بالتالي رصيده من هؤلاء الطيارين في مطار عسكري هام مثل مطار المزة العسكري.


تكريس الطائفية


لقد كانت تلك الممارسات من قبل سلطة الأسد غير مفهومة آنذاك في بلد يدعي الممانعة والتصدي للمشاريع الإسرائيلية حتى اندلعت الانتفاضة الشعبية في سوريا التي عمل النظام جاهدا على دفعها نحو العسكرة لكي يزج بقواته العسكرية ممثلة بقوات الحرس الجمهوري قبل أن يتولى باسل الأسد تلك المهمة ومن بعده ماهر الأسد بعد خلافة بشار لوالده.

لقد كان النظام يدخر ضباط الطائفة الذين تضخم عددهم وسلطتهم وامتيازاتهم داخل المؤسسة العسكرية والأمنية لكي يزج بهم في أية مواجهة مفترضة مع السوريين، إذ كان يدرك أنها سلاحه الناجع في إجهاض أية انتفاضة بعد أن اختبر نجاعتها في مواجهته مع تنظيم الأخوان المسلمين في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينات من القرن الماضي عندما كلف سرايا الدفاع والفرقة الثالثة بقيادة شفيق فياض العلوي بالتصدي لهذا التنظيم إلى جانب قوات الوحدات الخاصة بزعامة علي حيدر العلوي أيضا.

لم يتوقف النظام عند حدود الحفاظ على هيمنة ضباط الطائفة على وحدات الجيش السوري بل عمد إلى جعل أغلبية عناصر قوات النخبة التي تتولى حماية مواقع النظام وتحاصر دمشق من جهاتها الأربع من أبناء تلك الطائفة الذين منحهم الامتيازات، إلى جانب عمليات الشحن والتعبئة الطائفية بحيث بات مصيرها مرتبطا بمصير نظام الأسد، وهو ما ظهر جليا في استبسالها في القتال وممارسة جميع أشكال الإجرام دفاعا عنه في سبيل إجهاض الانتفاضة الشعبية المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة حتى وصلت أعداد قتلاها إلى عشرات الألوف وبات من الصعب التراجع عن هذا الدور بعد أن أوغلت في القتل والتدمير والاغتصاب والمجازر التي لم يعرف لها مثيل في تاريخ العالم.

7