جمهورية المخابرات.. ضحية "إخبارية"

الخميس 2013/09/26

أكثر الذين فرحوا بإبعاد الضربة الأميركية عن سوريا كانت أجهزة مخابرات بشار الأسد، ربما ليثبتوا صحة تقديراتهم لمعلمهم عشية إقدامه على توجيه ضربة الكيماوي للغوطة، تلك التقديرات المبنية على قاعدة أن أوباما رئيس ضعيف ومتردد، وأنه لا يستطيع إقناع الأميركيين، المنهكين والمأزومين من الحروب والتدخلات الخارجية، بشن حرب جديدة في الشرق الأوسط.

غير أنهم لم يقدّروا أن عجز الرئيس الأميركي باراك أوباما عن إقناع جمهوره بتوجيه ضربة ضد نظام بشار الأسد سيدفعه للبحث عن مخارج أخرى. ليس معنى ذلك أن أوباما يعمل على «شخصنة» القضية وتحويلها إلى مسألة حقد شخصي على بشار الأسد، بقدر ما هو محاولة لتحقيق رؤية رئيس وتكييف مرحلي له مقتضياته الحاكمة.

ثمة مجالات، وأجهزة، يستطيع الرئيس الأميركي التحرك ضمنها والتعاطي معها بأريحية أكثر، بعيداً عن أعين الأميركيين المتحفزين لضبطه مخالفاً تعهداته بعدم شن حروب جديدة، وبعيداً عن انتقادات الانعزاليين الجدد لأي تحرك خارجي. يتيح المجال الإستخباراتي مساحة واسعة وحراكا مريحاً للرئيس الأميركي، وقد ثبت أن أوباما لاعب محترف في هذا المجال، وأنه استطاع توظيف قضية الأمن القومي الأميركي بشكل مجدي ودون الخضوع للمساءلة، وأن أهم إنجازاته خلال فترة حكمه حققتها له أجهزة المخابرات، قضية برنامج التجسس الأميركي التي فجرها إدوارد سنودون تكشف الكثير في هذا المجال، إضافة إلى عملية اغتيال زعيم تنظيم القاعدة بن لادن.

ولسنا هنا في وارد افتراضات ذهنية، أو مجرد تخمينات، إذ ثمة وقائع في الحدث السوري تذهب باتجاه تدعيم هذه الحقيقة، فالإدارة الأميركية تعاطت منذ البداية مع الملف السوري من خلال وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي.آي.ايه)، وهي التي أشرفت بنفسها على تسليح وتدريب المعارضة وترتيب المسارح العسكرية في كثير من ميادين القتال.

يتصادف ذلك مع وجود رجل استخباراتي في سدة الكرملين يميل إلى تحقيق أهداف ومصالح بلاده عبر العقيدة المخابراتية ومن خلال أفنيتها، إذ يدرك أن لعبة الحرب والمواجهة العسكرية المباشرة أمر يفوق طاقة بلاده في المرحلة الراهنة نظراً للفوارق العسكرية والاقتصادية الهائلة وميل ميزان القوة لصالح خصمه.

لاشك أن ميل أوباما وبوتين للعمل المخابراتي كان وراء تيسير عقد هذا النمط من الصفقات، وهي صفقة، وبعيداً عن مدى لا انسجامها مع قواعد القانون الدولي والعيب الفاضح فيها لجهة تغييب البعد الجرمي فيها والاكتفاء بالحجز على أداة الجريمة وإعفاء المجرم، ولو إلى حين، فإنها صفقة لا يمكن إنجازها إلا بالواسطة المخابراتية، وكانت أميركا قد جربت هذا الذراع في اتفاق نزع أسلحة القذافي النووية حيث استندت بدرجة كبيرة على معلومات إستخبارية وشغل أجهزتها في هذا المجال لإتمام المهمة.

ليست المشكلة في طبيعة المقاربة التي توصل لها أوباما وبوتين لإدارة الملف السوري، هما في النهاية طرفان خارجيان حكمتهما ظروف وأسباب تقنية وإيديولوجية، المشكلة أن حرب الاستخبارات تشكل خطراً على سوريا، ذلك أن هذا النمط من الحروب يسمح لأطرافه المختلفة والمتصارعة بتطوير أهدافها حسب حركية مصالحها التي من المقدر أن تتوزع على طيف واسع من القضايا والساحات، والمشكلة أنها تتعامل مع كتلة صماء اسمها الهدف، ولا تراعي الاعتبارات السياسية والاجتماعية للأوطان التي يجري تنفيذ أجنداتها على أجسادها، كما أنها تعمد إلى فرض وقائعها في النهاية على إداراتها باعتبارها خيارات وحيدة وممكنة.

ولعل المفارقة الملفتة في هذا الأمر أن سوريا هي وطن صناعة المخابرات ومآسيها، لم يزدهر في سوريا طوال الأربعة عقود الماضية سوى عالم الاستخبارات، كل شيء في سوريا كان ينتعش على هامش هذا العالم، وإذا كان لشيء أن يتم فلابد له من عبور خرم إبرة المخابرات، من ترخيص محل صغير للحلاقة إلى إقامة حفل زواج وصولاً إلى المشاريع الاستثمارية والتجارية.

وحتى علاقات سوريا مع دول الجوار، ومع الأصدقاء والأعداء كانت تصوغها أجهزة المخابرات العديدة، لدرجة صارت معها دمشق عاصمة المخابرات في المنطقة، بعكس جارتها بغداد ذات التوجهات العسكرية الحربية، لم تخض سوريا حرباً عسكرية على مدار أربعة عقود، في حين كانت كل يوم توزع فائضها الإستخباراتي على بغداد بيروت وعمان.

بلاد المخابرات هذه تقتلها اليوم «خبرية» مفادها أن النظام الحاكم يمتلك أسلحة كيماوية قد تنتهي بأيدي جهات وأطراف غير مسؤولة، وهذه الخبرية ستفتح الخزائن المليئة بالإخباريات الصغيرة والكبيرة عن كل شاردة وواردة في سوريا والمنطقة برمتها، وكأن الحكمة من وراء ذلك أن أزمة هذه البلاد لا يمكن تفكيكها إلا بالأدوات التي بنتها.


كاتب سوري

8