جمهورييت "اللعبة الأخيرة" في وسائل الإعلام التركية

الفريق الذي أدار الصحيفة حتى 7 سبتمبر احترم ماضيها، ولكن الفريق الحالي ربما يفضل أن يجعل تلك الفترة وكأنها لم تقع قط.
الخميس 2018/09/13
مرحلة جديدة في تاريخ "جمهورييت" الصحافي

كانت وسائل الإعلام التركية كلها تعلم أنه في سبتمبر 2018 سيكون تاريخًا لحدوث “قيامة صغرى” في صحيفة جمهورييت؛ إذ كانت منظمات المجتمع المدني والنقابات العمالية والجمعيات والدوائر المقربة على دراية بما يحدث.
وقد حدث ما كان متوقعًا؛ فقامت “القيامة الصغرى” في صحيفة جمهورييت.
إن ما حدث في صحيفة جمهورييت يُذَكِّرُ برواية “اللعبة الأخيرة” التي كتبها أحمد ألتان، والتي أثار نشر أحد نصوصها في الصحيفة خلال الأسابيع الماضية، وبشكل ساخر، العواصف داخل شبكات التواصل الاجتماعي، وفي الصحيفة نفسها.
ولمن لم يقرأ هذه الرواية يمكن القول إنها تبدو وكأنها إحدى روايات الجريمة، وبالتالي فإنها تقوم على المحلية التي يتم تعريفها من خلال حياة القصبة في الأساس، وبالتالي تقوم على الأسرار الكبرى للمجتمعات الصغيرة و”الصراع بين القوى” وكنز في إحدى الكنائس.
وحين يرى الإنسان المقالات المكتوبة مِن قِبلِ كُتَّاب مختلفين تتعلق بصحيفة جمهورييت، ويفكر في جهاز إدارة جمهورييت باعتبارها صحيفة مؤهلة للبقاء والاستمرار باعتبار هيكلها الخاص، والاستراتيجيات التي وضعتها المجموعات الغريبة عن بعضها البعض الموجودة داخل الصحيفة من أجل العيش، والبقاء في نطاق صغير يتعذّر عليه النظر إلى الأمر دون التفكير في القصبة.
وعند التفكير في صحيفة جمهورييت بالتوازي مع رياح “الاحترافية” التي هبت في الصحافة منذ الثمانينات وحتى اليوم يتبيّن أنها كانت مختلفة أكثر عن غيرها من ناحية نموذجها وهيكلها العملي الخاص بها. ومن خلال قراءة أسماء الكُتَّاب الذين حوّلوا مذكراتهم الخاصة بصحيفة جمهورييت إلى كتاب أو مقالة يتم الوقوف على ناظم حاقد ومحاسبات وانقسامات كبيرة لدرجة يستحيل معها مقارنتها بأي صحيفة ذات هدف تجاري. 
دائمًا ما كانت صحيفة جمهورييت أحد المواضيع الرئيسة بالنسبة للجمعيات والرابطات والنقابات العمالية؛ كانت حاضرة هناك، وكانت عريقة وقيّمة. لقد كانت جمهورييت ذلك الكنز العظيم الذي يرغب كل إنسان في الوصول إليه. ومهما بدا النقاش حول الهيمنة الثقافية والمادية التي دارت بداخلها وكأنها الحدث الأساس في العقد الماضي؛ إلا أنه يتضح بالنظر إلى العديد من مؤلفات السيرة الذاتية والمذكّرات أن الجميع يركض في إثر “الكنز″ كما هو الحال في رواية “اللعبة الأخيرة” تمامًا، وأن صراعًا كبيرًا للغاية يدور بين مختلف الطوائف على الساحة.
أخيرًا، واعتبارًا من 7 سبتمبر 2018 تحديدًا، دخلت صحيفة جمهورييت مرحلة جديدة في تاريخها الصحافي البالغ عشرات السنين، والذي زخر دائمًا بالعديد من الاضطرابات. والأكثر صواباً أن يقوم من في السجون بتحليل المسألة من الناحية القانونية أو السياسية.
وإنني شخصيًا على قناعة بأن افتراض نفاذ القانون وسرايته ظلم عظيم لعشرات الصحافيين المسجونين دون وجه حق ولأسرهم أيضًا.
إن التشابه الذي أقمته مع رواية “اللعبة الأخيرة” يتعلق في الأساس بأن تلك المناقشات الدائرة حول جمهورييت تقص في الواقع قصة أسوأ بكثير من الوضع الذي آلت وستؤول إليه هذه الصحيفة.
وإذا نظرنا إلى أصل جمهورييت اتضح أنها تجسد نوعًا من “الشوق والحنين” في الوسط الصحافي الذي يتردّى ويصبح عاديًا لكونها لا تزال قادرة على نشر نصوص طويلة وجيّدة نسبيًا، وقدرتها على تحقيق مبيعات لقطاع من القرّاء لا يستهان به إذا ما قورنت بغيرها من الصحف الأخرى ولغير ذلك من الأسباب؛ حتى وإن صغرت كثيرًا.
وربما أنه لهذا السبب تعتبر الأهمية الرمزية للصحيفة عالية للغاية بالنسبة لمن يتذكرون “تلك الأيام الماضية الجميلة”. وربما لهذا السبب كان الحزن الذي ساد قطاعًا من روّاد شبكات التواصل الاجتماعي وجوّ الفرحة والنشوة الذي غمر قطاعًا آخر يحمل كثيرًا من المعاني.
ومن خلال النظر إلى الإحصائيات الخاصة بحجم المبيعات وعدد الزيارات في شبكة الإنترنت نصبح في مواجهة مباشرة مع نتيجة سيئة بالنسبة للمبتهجين والمحزونين على حد سواء:
فمما لا شك فيه أن أزمة العملة الصعبة أنهت جميع الصحف بما في ذلك صحيفة جمهورييت نفسها. وليس من الصعب مشاهدة ولا توقّع أن تُنزِلَ التعيينات الأخيرة الرسمية في هيئة الإعلام والصحافة صفعة كبيرة على الصحف “المستقلة”. والقرّاء لا يشترون الصحف. ربما أنهم غاضبون على الصحافيين، وربما أنهم يعتقدون أن الفواتير التي يدفعونها للإنترنت تذهب إلى الصحف التي يقرؤونها مجانًا؛ إنني لست متأكدًا. وبعبارة أخرى كانت هناك أزمة عامة اضطرت جمهورييت للتعامل معها والانشغال بها بخلاف أزمتها الداخلية، وسوف تستمر تلك الأزمة.
هناك عشرات الصحف في تركيا تعاني من أزمة مالية خانقة؛ ولكن الصحف التي يمكننا وصفها بالمستقلة، وشبه المستقلة، “المستقلة المشروطة” تستطيع أن تتكلم في هذا الموضوع بشكل جدير بالذكر. أما المعترضون على سياسات الخصخصة التي تمثل المسؤول الأول عن هذه الأزمة وبالطبع الاقتصاد الذي يُدار بطريقة سيئة فهم قليلون جدًا.
إن ممثلي الصحف “المعارضة” الذين يطلبون الأمان من السلطة السياسية التي يسعدها ألا يتجاوز عدد الصحف المطبوعة عدد أصابع اليد الواحدة فقد طوّقوا الساحة وانتشروا بها.
حسنٌ؛ فماذا سيحدث عقب هذا التغيير الذي تشهده صحيفة جمهورييت؟
ليس صعبًا القطع بأن صحيفة جمهورييت تمثل قوة اقتصادية كبيرة نسبيًا باعتبارها لا تزال في المتناول وليست صحيفة حزبية “بشكل مباشر”، وكونها الصحيفة الوحيدة التي تمتلك بنية خاصة بها.
إن الوضع الأخير الذي أصبحت فيه صحيفة جمهورييت يحكي قصة الأحداث التي تقع في العالم أثناء الصراع الذي تديره من أجل ذلك الكنز -سيطرة الصحافة، وسيطرة الوقف والقوة المادية والسياسية التي يمكن للوقف تحقيقها من خلال المؤسسات المتعامل معها- عناصر قليلة العدد في النظام الإعلامي الذي تحوّل إلى قصبة صغيرة.
هذه المعركة ليست المعركة الأخيرة في القصبة. إن “الفريق الجديد”، المدعوم قانونيًا من السلطة ومن الجمعيات إلى النقابات العمالية، سيحاول تجربة حظه بالعمل سويًا مع الشركاء الذين سيجدهم قريبين منه.
القضية تتعلق بالفريق الذي يجازف بكل شيء من أجل الانتصار في حرب مجموعات في مجتمع وسائل الإعلام التركية الذي يشبه واحدًا من أكثر المتواليات تدميرًا في فيلم بائس يقصّ أحداث ما بعد هجوم بيولوجي.

رياح “الاحترافية” تهب على الصحف
رياح “الاحترافية” تهب على الصحف

إنه لمن العمى قراءة المعركة مع القصبة التي تتجاهل هذه الأسماء الموجودة في هيئة التحرير، وماضيها، والمجتمعات التي تعيش فيها، والأشياء التي يمثلونها بالمعنى السياسي والمالي على أنها سياسة داخلية لصحيفة مبيعاتها ليست جديرة بالاهتمام على الإطلاق أو اختزال القضية في مجرد عملية تابعة لحزب العدالة والتنمية. أي إنه لن يكون عبثًا أن تصبح جمهورييت صحيفة موالية كما تم رسمه كاريكاتيريًا في شبكات التواصل الاجتماعي.
إنني أعتقد أن القضية الأساسية المتعلقة بهذا التغير هي أن الإدارة الجديدة للصحيفة لن تصعب عليها مسايرة مفهوم “المعارضة المحلية والقومية” في تركيا، بما في ذلك القضية الكردية. بل إن انكسارًا عظيمًا سوف يخلقه التغير الذي أصبح قابلًا للرصد والملاحظة خلال يوم واحد في لغة الخبر وسياسة إدارته وانتقال هذا إلى المجتمع المدني والحياة السياسية.
ليس صعبًا القول إن صحيفة جمهورييت شكّلت متوسط أصوات المعارضة الاجتماعية خلال السنوات الأربع الأخيرة بصفة خاصة، وحققت مفهوم الصحافة التقليدية الناقدة المتعددة الأصوات بقدر ما من خلال الحفاظ على أوجه التباين بينها بطريقة أو بأخرى. حتى إن جمهورييت في سياستها التحريرية هي أكثر صحيفة تقتبس منها المواقع الإخبارية الإلكترونية الأكثر رواجًا وانتشارًا. إنها تمثل السفينة الرائدة في مجال الصحافة الإخبارية المستقلة التي دون وكالة أنباء. أي إن هذا التغيير الذي يمكن تفسيره بأنه نتاج للصراع على الهيمنة الداخلية في مؤسسة تقليدية محمل بنتائج سياسية ضاربة في أعماق التاريخ.
ستكون صحيفة جمهورييت “أقل ألوانًا” لاحقًا، وعند التفكير في وضعها بالمعنى السياسي، يمكن التنبؤ بأن المشكلات السياسية التي حلتها المعارضة الاجتماعية في تركيا، والقضايا التي ناقشتها منذ وقت بعيد سوف تطرح للنقاش مرة أخرى.
إن الفريق الذي أدار الصحيفة حتى 7 سبتمبر احترم ماضيها؛ ولكن الفريق الحالي ربما يفضل أن يجعل تلك الفترة “وكأنها لم تقع قط”. والحقيقة أن النص المثير للاهتمام الذي نشر منذ اليوم الأول والذي يشبه إنذارًا لم يقدم شيئًا كثيرًا بشأن المستقبل، على الرغم من أنه استفاد من الناحية السياسية من الأسماء القديمة في كثير من الأحيان. ومما لا شك فيه أن الاتجاهات الصحفية للأشخاص المذكورة أسماؤهم والأيديولوجية الكمالية هي خط يمكن لأيّ صحيفة أن تعرف نفسها سياسيًا من خلاله.
ولكن جمهورييت ليست مجرد صحيفة، كما أن القوة السياسية والمالية التي تمثّلها هذه الصحيفة لا يمكن تعريفها ولا وصفها بالخطابات الحماسية المنتشرة في مواضع مختلفة داخل حدود هذا البيان فحسب.
ومثلما أن الشؤون الداخلية لحزب الشعب الجمهوري تؤثر علينا -حتى وإن لم نصوّت لصالحه- بصورة مباشرة للأسف، تدفع ومعارضته الناقصة أو السيئة كل شيء ليتحوّل إلى مأزق يستحيل الخروج منه، فإن تحول صحيفة جمهورييت إلى صحيفة عاطلة “منطوية على نفسها”، ومخاطبتها للمعارضة الاجتماعية “لقد أرضيناكم بما فيه الكفاية، دعونا نرضي قليلًا قراءنا التقليدين وحلفاءنا السياسيين في ما تبقى من أعمارهم”. أمر سيء للغاية بالنسبة لحرية الرأي ومجال وسائل الإعلام.
والواقع أن محاولة عناصر من كل أطياف المعارضة الاجتماعية الاعتراض بكل ما أوتوا من قوة على ما حدث في صحيفة جمهورييت أمر يتعلق بهذا. لأنه عندما تكون صحيفة جمهورييت عبارة عن “طيف واحد” فحسب فقد حُكِم عليها بالعزلة وعدم التأثير كنظام سياسي.

18