جمهور السينما وجمهور المهرجانات

ما الذي حدث بحيث حدث هذا التدفق الجماهيري والصُّحفي الكبير على هذا المهرجان وغيره من مهرجانات السينما العالمية التي تتمتع بسمعة جيدة مثل كان وبرلين وروتردام ولندن ولوكارنو؟
الأربعاء 2018/09/05
وجود نجوم السينما يلعب دورا كبيرا في جذب الجمهور إلى المهرجانات

عندما حضرت للمرة الأولى مهرجان فينيسيا السينمائي عام 1986 لم يكن عدد الصحافيين والنقاد وقتها يتجاوز 450 فردا، وكان الجميع يعرفون بعضهم البعض، وعلى مر السنين كنت ألاحظ عاما بعد عام، تزايد أعداد الصحافيين والإعلاميين من ممثلي الإذاعة والتلفزيون ثم ممثلي مواقع الإنترنت والمدونات الرقمية، بحيث تجاوز عددهم حاليا أربعة آلاف شخص.

الملاحظ أيضا أن جمهور المهرجان في تزايد، بل إن معظم الحاضرين ليسوا من سكان فينيسيا الذين تقلص عددهم بدرجة مذهلة خلال السنوات الأخيرة بعد أن هجرها الكثيرون مفضلين الابتعاد عن ضجيج السياح، بل إن معظم من يأتون خصيصا إلى فينيسيا وقت المهرجان يقيمون في جزر مختلفة وينتقلون يوميا إلى جزيرة “ليدو” حيث يقام المهرجان، ويأتون من مدن أخرى في إيطاليا.

ما الذي حدث بحيث حدث هذا التدفق الجماهيري والصُّحفي الكبير على هذا المهرجان وغيره من مهرجانات السينما العالمية التي تتمتع بسمعة جيدة مثل كان وبرلين وروتردام ولندن ولوكارنو؟

لا شك أن للفيلم جاذبيته الكبيرة لدى الشباب من عشاق الفن، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: أليس هذا الجمهور نفسه هو السبب في حالة الفراغ المرعب التي تشهدها دور العرض السينمائي في العالم، أو هذا التراجع المخيف في نسبة تردد المشاهدين عليها؟ أي أليس هو من يحجم عن الذهاب إلى دور السينما لمشاهدة الأفلام على الشاشة الكبيرة مفضلا الجلوس وراء أجهزة الكمبيوتر لمشاهدة الأفلام ولو بالقرصنة؟

من واقع خبرتي لاحظت أنه حتى الجمهور في معظم المهرجانات العربية، سواء التي كانت تقام في دبي وأبوظبي، أو ما زالت تقام في تونس -قرطاج مثلا- هو جمهور كبير يأتي من بلدات ومدن مختلفة، بينما تعاني المهرجانات المصرية -لأسباب كثيرة- من قلة اهتمام الجمهور.

أما دور العرض السينمائي فتشهد تراجعا في أعداد الجمهور الذي يتردد عليها ممّا أدى كما هو معروف إلى تقلص عددها، بل وانقراضها من مدن كثيرة في مصر وتونس والمغرب والجزائر، وتكاد تكون قد اختفت من الوجود في العراق وسوريا.

صحيح أن وجود نجوم السينما يلعب دورا كبيرا في جذب الجمهور إلى المهرجانات، وصحيح أيضا أن للعرض الأول للأفلام جاذبيته الكبيرة خاصة لدى الكثير من الصحافيين والنقاد، ولكن يظل السؤال هو: هل يعكس كل هذا الاهتمام الصُّحفي والإعلامي اهتماما حقيقيا بثقافة الفيلم، أم أنه لهاث أصلا وراء صيحات الموضة والأزياء والجري وراء المقابلات السريعة مع النجوم؟ وكم عدد المقابلات التي تعرض على شاشات التلفزيون مع مخرجي الأفلام، مقارنة بعدد ما يجرى مع الممثلات والممثلين؟

يرى البعض أن من الضروري تقييد إقبال الصحافيين على المهرجانات والانفتاح أكثر على ما يسمونه “النقاد” الحقيقيين، وفرز الصحافي من الناقد، وهي في رأيي فكرة طوباوية لأسباب كثيرة، أولها أنك لا يمكنك أن تجري اختبارا مسبقا لمعرفة من هو “الناقد” ومن هو “الصحافي السينمائي”.

ثانيا، أن المهرجانات من دون الصحافة لا وجود لها، وبالتالي فالصحافي السينمائي أو الفني الذي يكتب الأخبار وينشر الصور يوميا، أهم كثيرا عند هذه المهرجانات من الناقد الذي يكتب مقالا أسبوعيا مثلا، وهذا مفهوم تماما، ولكل منهما دوره من دون التقليل من شأن طرف لحساب طرف آخر، فالمهم أن تكون وظيفة كل منهما معروفة ومحددة وألاّ يجري الخلط فيما بينهما، وهذا واضح تماما في مهرجانات العالم المتقدم.

يمكن القول أيضا إن للصحافة دورها الكبير في نشر النقد السينمائي، ومن دون الصحافة لا يوجد النقد السينمائي، فالنقد الأكاديمي يظل محصورا بين الطلاب والأساتذة داخل المعاهد الفنية، وليس له تأثير خارج قاعات الدراسة، بينما التأثير هو الغرض الأساسي من العملية النقدية كلها، ومن دون تأثير حقيقي يظل النقد منغلقا على نفسه متعاليا بمصطلحاته الجافة، عن التعامل مع الفيلم مفضلا اللجوء إلى التنظير.

16