جمهور القراءة

الخميس 2017/11/16

في أكثر من مرة أشرنا إلى جمهور القراءة ونوعياته واعترضنا على بعض المفاهيم التي تمنح القارئ حجماً ليس بقياسات وعيه في بعض الأحيان، مستندين على بعض جماليات القراءة بشكلها العام. وحدّدنا بعض الأطر الطبيعية التي تكوّن القارئ وذائقته في اقتفاء الآثار الأدبية.

ويبدو أن نظرية “الجمهور عايز أو عاوز كده” لا تزال سارية تضخّمها مواقع التواصل الاجتماعي وتشيعها بطريقة مقصودة لتستقطب الكثير من ذوي الأفق المحدود بوصفهم “جمهوراً” يعمل على إشاعة هذا العمل الأدبي أو ذاك، وهذه طريقة خطرة في التضليل والإيهام لا سيما بين الشباب الجامعيين.

هذا ما تم رصده مؤخراً في أحد المعارض العربية لكاتب غير معروف أصدر كتاباً هو مجموع مقالات رومانسية إذاعية، استقبله الجمهور العربي استقبالاً شبّهه البعض بأنه استقبال إمبراطوري، لا يمتلكه أي كاتب معروف، حيث امتلأ المعرض بمئات المعجبين والمعجبات الذين يلهثون وراءه وزاحموه كثيراً حتى استعان بـ”حماية” بينما كانت دار النشر التي طبعت كتابه قد امتلأت بجمهور عريض وصار من الصعب على الجميع التحرك في مفاصل معينة من المعرض بسبب شدّة الزحام، وكان حفل توقيع كتاب الخواطر في قاعة كبيرة وُصفت بأن أعداد المشترين لهذا الكتاب بالعشرات بل بالمئات، وكان سعر النسخة الواحدة في حدود الـ22 دولاراً.

ناشر مستاء كتب تغريدة قال فيها إنه اشترى في وقت سابق آخر روايات أمبرتو إيكو ولم يستطع تصريف 100 نسخة منها إلا بعد سنة كاملة مع جمهور نوعي فقط.

مفارقات ظريفة تحدث في المعارض، لكنها ستبدو مؤلمة للكتّاب الجادّين والجيدين الذين لا يستطيعون تصريف نسخ من رواياتهم لا تتعدى أصابع اليدين في معارض كهذه، ولا يستطيعون “تجميع” مثل هذه الأعداد الهائلة لجمهور أغلبه من الشباب الباحثين عن الخواطر الرومانسية والكتابات السهلة، وما تثيره مواقع التواصل الاجتماعي من “ترغيب” يثير أحاسيس الشباب والشابات؛ تلك الأحاسيس التي تقع في منطقة “غير عقلية.. ولنقل إنها غير واعية للقراءة” وبالتالي هي غير مهيأة لأن تفرز سلوك هذا الكتاب أو ذاك وما فيه من تضمينات فنية وأدبية وإنسانية وجمالية.

سيكون من المؤكد أننا لسنا ضد ذلك الشاب الإذاعي الذي وجد متنفسه في هذا “النوع” من الجمهور الغفير الذي يلاحقه، لكننا “ضد” جمهور أخذته الشائعة أكثر مما يجب وأخذه الإعلان الفيسبوكي والتويتري إلى مدى أبعد مما يجب أن يكون، لا سيما إذا عرفنا أن النوع العربي الخالص والمشار إليه في ذلك المعرض هو جمهور جامعي في أغلبه الأعم ومن الشباب الذين يُفترض بهم أن “يبوّبوا” قراءاتهم وفق وسائل جمالية وعلمية وثقافية، فهذه الأعمار الطيّعة هي الأعمار التي يمكن توجيهها بشكل منهجي صحيح عبر منافذ أكثر اتساعاً وجمالاً من بوّابات الثقافة الرصينة؛ تتعاضد معها الصحف والمجلات ووزارات الثقافة العربية والمنتديات الثقافية بنشاطاتها الأدبية والعلمية والثقافية العامة والبرامج المتعددة في الفضائيات التي تملأ الشرق والغرب والتلفزة المحلية ومواقع الفكر المتفتح وصفحات التواصل الاجتماعي بمختلف مسمياتها؛ أي هناك إمكانيات فذة للتوجيه وتدريب الشباب على حسن الاختيار وزرع القيمة الجمالية فيهم.

الجمهور الغفير الذي لاحق ذلك الكاتب بخواطره السهلة لا يمكن أن يُعوّل عليه في استقراءات سياسات الثقافة العربية الرصينة، وبالتالي فهو جمهور بسيط لا يمكن التعامل معه بندّيّة وسيتفهم الأمر لاحقاً بعد أن يقرأ “ما يجري” في الكتابة السهلة وما يجري في الكتابة الحقيقية.

إنه أمرٌ متكرر يحدث وسيحدث في الغالب مادام الترويج الثقافي بيد الذين لا علاقة لهم بالثقافة الإنسانية والإبداعية ولا يمتلكون الرصيد الجمالي الكافي لبلورة مفاهيم القراءة الصحيحة.

كاتب عراقي

14