جمهور فيسبوك يتحكم في توجيه الأعمال الدرامية نحو اليمين أو اليسار

يكفي أن يبكي الممثل أو يصرخ لينطلق التمجيد.
الثلاثاء 2021/05/04
"حرقة" دراما نجحت في خلق رسالة ثقافية

الجمهور له تأثير كبير على الأعمال الدرامية، مقارنة بغيرها من الفنون، وربما لأنها تتوجه أساسا إلى كل الفئات على اختلافها، لذا يتنوع جمهورها الواسع وتتعدد أطيافه، وهذا ما يخلق انطباعات ذوقية مختلفة، وفي غياب النقد المختص تصبح هذه الانطباعات الحاكم الموجه الأساسي للدراما، وهو ما له وجه سلبي. 

الجمهور له تأثير كبير على الأعمال الدرامية، مقارنة بغيرها من الفنون، وربما لأنها تتوجه أساسا إلى كل الفئات على اختلافها، لذا يتنوع جمهورها الواسع وتتعدد أطيافه، وهذا ما يخلق انطباعات ذوقية مختلفة، وفي غياب النقد المختص تصبح هذه الانطباعات الحاكم الموجه الأساسي للدراما، وهو ما له وجه سلبي. 

مع انطلاق بث الأعمال الدرامية التونسية في شهر رمضان، ومنذ الحلقات الأولى تشتعل وسائل التواصل الاجتماعي بتقييمات متعددة لهذه الأعمال، فتعلي من شأن عمل وتحط من شأن آخر، وانطباعات المشاهدين هي الحكم في ذلك.

بات تقييم الأعمال الدرامية مثل تقييم الشعر، لا معيار له، غير ما تفرضه الذائقة الفردية، التي تحكمها ميولات متقلبة عادة، بعيدا عن المقاربة الموضوعية، وهو ما أثر سلبا وإيجابا في دراما هذا العام.

تأثير الجمهور

باتت وسائل التواصل الاجتماعي سلطة على الإبداع، فرغم أنها حررته من وسائل التداول التقليدية وفتحت أمامه المجال واسعا ضد الرؤى المتكلسة وأجهزة الرقابة وكل نوع من أنواع القيود التي يتمسك بها أناس بيروقراطيون، فإنها فرضت عليه أيضا نوعا من المسارات التي يمكننا أن نسميها بالشعبوية.

النقد في هذه الوسائل سهل وانفعالي إلى أبعد حد ممكن، يكفي أن يصرخ أو يبكي ممثل ما في حلقة ما في مسلسل ما، حتى يندفع المغردون والمدونون وأهل المواقع الافتراضية في تمجيد خصال الممثل، في ما قد يصل إلى مبالغات مضحكة.

المزاج هو السيد والحاكم في شعب مواقع التواصل، بنقرات بسيطة يمكن وصم عمل درامي بطم طميمه، بأنه “تافه” أو “سطحي” أو حتى بمنطق “كارثة”، وغيره من النعوت التي لا ترتقي إلى مستوى نظرة متوازنة، أو حتى انطباع.

هناك أعمال تنال إعجاب رواد وسائل التواصل لكنها لا تنجُو من الانطباعات التي تغالي في المدح أو الذم

بالعودة إلى الشعر وتقييمه، فغالبا ما يطالب الناس الشاعر بما ليس في قصيدته، دائما هناك تلك الحلقة المفقودة، أو الشيء الغامض الذي يطالب به الناس الشاعر، دون أن يعرفوا ما هو، أو حتى يحدسوا به. وهذا تقريبا بات يصبغ كل الأعمال الإبداعية، ولا تشذ الدراما عن ذلك.

نعم كل الأعمال تحتاج إلى النقد المختص، ولكنها تحتاج أيضا إلى النقد الانطباعي. فلا توجد معايير نهائية محرّمة الانتهاك لتقييم عمل درامي، كالحبكة والحوار والسيناريو والتقمص والمونتاج والصوت والإضاءة وغيرها، ولكن من ناحية أخرى هناك ما يمكن أن نسميه بالإيقاع الذي تمتاز به جل الأعمال الإبداعية، وهو وإن كان تقنية، ففيه جانب شعوري تخلقه السلاسة.

انطباعات كثيرة واجهت الأعمال الدرامية في السنوات الأخيرة، وفيها الكثير مما لا يرقى إلى مشارف النقد، وساهم في تكريس رغبات الجمهور وميولاته عبر أعمال متذبذبة، وهو ما نراه خاصة في الأعمال الكوميدية، التي تعيد لوك نكات الفيسبوك وتعيد إنتاج خطاب مهتز لا يرقى إلى عمل فني.

من ناحية أخرى ساهمت انطباعات أخرى في تعديل توجه الكثير من الأعمال الدرامية، من ذلك تقلص مستوى العنف، وعدم الإغراق في عوالم الديستوبيا، والصراعات الكلاسيكية بين الفقر والمال، والجريمة والشرف، وغيرها من الثنائيات المكرسة والتي أغرقت الساحة الدرامية بأعمال تشبه الضجيج.

نعم كما ساهمت مواقع التواصل في الخلل الذي شاب الكثير من المسلسلات، فإنها ساهمت أيضا في تحسين مستوى هذه المسلسلات وحتى البرامج، بينما لا يكفي ذلك.

عملان دراميان

رغم كل النقد الذي يكال إلى الأعمال الدرامية من منطلقات أيديولوجية أو انطباعات فيها الغث والسمين وفيها المتعصب والمتوازن، فإنها شهدت في رمضان هذا العام تحسنا ملحوظا، خاصة في تجنبها لعوالم القاع والسقوط الحر في عالم الجريمة بلا أدوات لنقده أو تفكيكه وبلا غايات، حتى أنها اتهمت بالترويج للجريمة.

نجد من مسلسلات هذا العام مسلسل “حرقة” الذي تناول ظاهرة الهجرة غير الشرعية، وقد تميز عن بقية الأعمال بحبكته الدرامية التي كشفت بذكاء ظاهرة الهجرة السرية وما يعانيه المهاجرون في البر والبحر، من أرض العبور إلى مياه البحر التي تبتلع أغلبهم، إلى إيطاليا وما يعانونه في معسكرات المهاجرين، حيث يباع البشر ويهانون وهم محتجزون في أرض كانوا يظنّونها الجنة فيما هي الجحيم بذاته.

فكرة العمل مدروسة ومؤثرة، ولا أظن أن التونسيين سينظرون إلى الهجرة السرية بنفس الطريقة التي كانوا ينظرون إليها قبل هذا العمل، وهذه هي الوظيفة الحقيقية للعمل الفني، ما قبله ليس كما بعده.

ربما ساهم تأطير الشخصيات والوضعيات من خلال الكتابة المدروسة التي قام بها السيناريست التونسي عمادالدين الحكيم، في خلق إيقاع سلس مبني على مفارقات قوية، مثل علاقات الحب غير النمطية، واللعب بالشخصيات بين الشر والخير، والإقحام الذكي لقضايا أخرى مثل مسرح الدمى، والأفارقة والميز العنصري وغيرها، عوالم نجحت في خلق عمل مميز رغم بعض النقائص في مستوى الحبكات الثانوية التي ربما كانت ستقوي العمل أكثر لو وقع التركيز عليها علاوة على الاستعمال المفرط للدرون في لقطات فوقية أغلبها مجاني.

العمل نال إعجاب الكثير من رواد وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه لم ينجُ بدوره من الانطباعات التي لا تعرف الوسطية، فتغالي في المدح أو الذم.

من المسلسلات التونسية الأخرى التي عرفت متابعة هامة مسلسل “الفوندو” وقصته تدور حول شخصية يحيى الذي يغادر السجن بعد أن قضى عشرين عاما بتهمة قتل صديقته، لكنه يصر على أنه بريء وتبدأ معه رحلة للبحث عن القاتل الحقيقي، رحلة فيها من الحب والعنف والتعقيدات ما يجعل القضية مثيرة.

رحلة البطل والقضية المحورية للعمل لم تدعمها الحبكات الثانوية، علاوة على تمطيط المشاهد وضعف الحوار، والموسيقى التصويرية الحزينة التي أثخنت أغلب مشاهد المسلسل تقريبا، فيما الكاميرا وكل الأحداث تدور حول البطل وترافقه في ما يخدم الحبكة وما لا يخدمها.

قد يتشابه العملان الدراميان في التركيز على قضية واحدة، وإغفال طرح زوايا تدعمها، لكن ما يختلفان فيه هو أن “حرقة” تمكن من خلق رسالة ثقافية يمكن البناء عليها، فيما سقط “الفوندو” في كليشيهات تروج لثقافة مهتزة بين العنف والذكورية التي كرسها بدل أن ينقدها.

نجح جمهور مواقع التواصل الاجتماعي في فرض رؤاه على منتجي الدراما التونسية، نجح سلبيا وإيجابيا. من حق الجميع أن يبدي رأيه، لكن أليس من المفروض أن تكون الكلمة الفصل للنقاد، والنقاد أنفسهم أليس من المفروض أن يطوروا ملكاتهم وأدواتهم.

في شتى المجالات من الأدب إلى المسرح والتشكيل والسينما والدراما، كل الفنون تحتاج إلى النقد المتخصص كما تحتاج أيضا إلى الانطباعات العامة والخاصة، ويبقى التوازن سمة أي مبدع يريد العبور إلى مراحل أعلى.

14