جمهور مجهول في وسائط التواصل الاجتماعي

إننا أمام جيل من الفتية والمراهقين الذين لا يكاد جهاز الهاتف النقال يبتعد عن أيديهم، وهم متواجدون دائمون من خلال فيسبوك أو إنستغرام أو سناب شات أو غيرها، فإلى أين سوف نمضي؟
الثلاثاء 2019/02/12
عالم واسع

لا شك أننا أمام ظاهرة تشكّل وجه هذا العصر الذي نعيشه. كلام كثير يمكن أن يقال في تبسيط وسائط التواصل الاجتماعي، على أنها لزوم ما يلزم في حياتنا اليومية.

لكن في المقابل هنالك من هم مقاطعون ومن هم متشككون ولا يقتربون من هذه الوسائط، ويعدّوها وهما ويعدّون جمهورها المجهول وهما آخر.

وعلى النقيض، هنالك المدمنون على ذلك العالم الفسيح ولا يستطيعون تخيّل حياتهم من دون منصات التواصل الاجتماعي.

ما بين هذين الفريقين هنالك فريق ثالث يتعامل مع تلك الوسائط بنفعية خالصة، يطلّ من خلالها متى استوجب ذلك ومتى أحتاج إليها، ويختفي ويتركها عندما لا يجد منها نفعا.

لنمضي مع الظاهرة في امتدادها الاجتماعي والنفسي لنتأكد أن هنالك حالات إدمان حقيقية وهنالك علل وعاهات نفسية تخلقها لأولئك المدمنين، بل إننا أمام جيل من الفتية والمراهقين الذين لا يكاد جهاز الهاتف النقال يبتعد عن أيديهم، وهم متواجدون دائميون من خلال فيسبوك أو إنستغرام أو سناب شات أو غيرها، فإلى أين سوف نمضي؟

في المقابل تعلن هذه الوسائط مزهوة عن جمهورها ومستخدميها الذي يعدّ بالملايين، بل أن فيسبوك تعدّت المليار ونصف المليار مستخدم وما يزال جمهورها يتزايد.

وعلى هذا وجد المعلنون سوقا رائجة يمكنهم بسهولة تامة أن يصلوا إلى تلك الملايين أو أجزاء منها من خلال إعلانات مدفوعة الثمن.

وسيسعد هؤلاء المعلنون بتلك الجوقة من المعجبين أو الذين يضغطون على أيقونة (أعجبني) لكن من يثبت أننا أمام كائنات حقيقية يمكنك أن تتواصل معها؟

لقد فعلت الخوارزميات ما لا يمكن تخيله بصدد تلك العلاقة مع ذلك الجمهور الافتراضي، فضلا عن الكم الهائل الذي يعد بمئات الألوف من الحسابات الوهمية، إذ ما انفكت منصة فيسبوك تعلن عن إلغاء المزيد والمزيد من الحسابات الوهمية.

والحاصل أننا مادمنا قد تقبّلنا الظاهرة، إذا فلنتقبّل كل تبعاتها وخفاياها وأسرارها وخلفياتها وتداخلها مع الخصوصيات.

وفي إطار هذا القبول سيتم التسليم من طرف المستخدمين بأن الأشخاص الذين يتعاملون معهم هم أناس حقيقيون، وكذلك الذين يتفاعلون مع الإعلانات مدفوعة الثمن وعلى هذا تبني فيسبوك وغيرها أمجادها ونجاحاتها التي جنت من ورائها مئات الملايين من الدولارات في ثروة ما انفكت تتضخم وتتسع مع تزايد أعداد المستخدمين، وتكوّن المجتمع الرقمي الافتراضي الذي يجمع الثقافات واللغات والأعراق من كل مكان.

الجمهور المجهول والذي لا تستطيع أن تستدلّ عليه هو أحد أسرار هذه الصنعة، فاللوغاريتمات بإمكانها أن تشتق من بين البيانات والمعلومات، ما يغذي مضاعفة جمهور المستخدمين وخذ مثالا أولئك الذين من دون صورة شخصية تثبت هويتهم ولا معلومات حقيقية تدلّ عليهم، حتى صارت هذه الوسائط في بعض الحالات منصة لأشباح وكائنات مجهولة.

وإذا مضينا في تتبع الظاهرة فإن هنالك الكثير مما يمكن أن يقال عن جمهور فيسبوك غير النمطي الذي يمكن أن يتجمع في شكل أشخاص ذوي اهتمامات مشتركة، ثم ما يلبثون أن يتضاعفوا أضعافا كثيرة، حتى يغدو من الصعب التعرف على أعدادهم وأشخاصهم إذ سرعان ما سيتداخل ما هو وهمي بما هو حقيقي.

وهنالك في المقابل من يتقمّصون أسماء وصفات شخصيات غير حقيقية أو ينتحلون صفات أشخاص معروفين، وهنالك من يتسللون إلى تجمّعات نسائية وهم رجال ولكنهم طفيليون ولهم مآرب أخرى، وهذا ليس إلا توصيفا محدودا لظاهرة متعاظمة لها ميزاتها وملامحها الخاصة بها والتي تكون قد أنتجت مجتمعا أو تجمّعا بشريا هجينا عجيبا لا يكمن الوثوق به تماما، كما لا يمكن الشك به تماما وبالمطلق وما بين الحالين يتعاظم جمهور مجهول ومجتمع أشباح، وعلى المستخدمين قبوله كما هو ببشره وأشباحه.

18