جمهور نوعي

بتنا اليوم أمام تعابير عديدة سكّها الإعلام الثقافي لتشخيص أزمة التواصل وتملق المتلقين في الآن ذاته، من قبيل: "جمهور منتقى" و"أقلية كاسحة" و"لقاء حميمي" و"جمهور نوعي".
الأربعاء 2018/04/11
غالبا ما يلتجئ الكتاب إلى استنفار المعارف

حين يكون الكاتب بصدد الحديث عن أعماله، إلى جمهور من المستمعين، يتوق في الغالب إلى أن يهيئ له الحظ احتلال مكانه بين غرباء وأباعد، وأن لا يتعرف على أحد من الجالسين، يمنحه هذا الوضع الموحش إحساسا بالأمان وبالجدوى، ولا شك أن أكثر الأفكار إرهابا للمدعوين لحفلات التوقيع وتقديمات الكتب والندوات الأدبية، من الروائيين والنقاد والشعراء في عالمنا العربي، أن لا يحضر أحد لذلك الموعد، أو أن تحضر قلة يسيرة تحصى على رؤوس الأصابع.

لذلك، ودرءا لكل الاحتمالات غير السارة، غالبا ما يلتجئ الكتاب إلى استنفار المعارف والأهل والأصدقاء والزملاء، ليس لأنهم الأولى بالحضور، وإنما للتخفيف من وقع الندرة، وإيجاد مستمعين يبررون التئام اللقاء، وطبع الملصقات وتأجير معدات القاعة. لا مجال هنا للحديث عن ربح وخسارة، وإنما توفير ذرائع كافية للاستمرار في الاستجابة للدعوات التي يلزمها جمهور.

لهذا بتنا اليوم أمام تعابير عديدة سكّها الإعلام الثقافي لتشخيص أزمة التواصل تلك، وتملق المتلقين في الآن ذاته، من قبيل: “جمهور منتقى” و”أقلية كاسحة” و”لقاء حميمي” و”جمهور نوعي”، والحال أنه لا تجود أقلية تكتسح شيئا، ولا جمهور ينتقيه الداعون إلا إذا كان لحفلات مغلفة، ولا “للقاء حميمي” تستعمل فيه مكبرات الصوت وتوجه فيه الدعوة للعموم.

أما “الجمهور النوعي” فبدا لي -على الدوم- تعبيرا متعاطفا ولطيفا، للتخفيف من صدمة الكراسي الفارغة، حيث لا يمكن تحديد المقصود بـ”نوعي” هنا، هل ينتمي لنوع واحد؟ رجال مثلا دون النساء؟ نخب دون البسطاء؟ أقارب دون الأباعد؟

في هذه الحالات جميعها يمكن أن يكون الجمهور افتراضا مجازيا لا يحيل على حقيقة، فجوهر الجمهور هو الكثرة المتداخلة غير النوعية؛ يمكن مثلا أن نتحدث على نحو أكثر دقة عن جمهور “شكلي”، لان المقصود هو استيفاء المقومات الشكلية للقاء، حيث يفترض وجود متحدث ومستمعين، أو جمهور “صوري” أو حتى “نمطي”، لأنه يتكرر دوما بالوجوه نفسها، لتأثيث المكان، علما أن بعض الحاضرين قد يحفظ عن ظهر قلب ما قد يقوله المتحدث، وصفات “الشكلية و”النوعية” و”النمطية” و”الصورية” هذه تجتمع كلها في المعجم العربي للدلالة على ضمور بصفات ثابتة، والثابت هنا هو الفراغ البارد، ما دام الجالسون بهدف الاستماع مجرد حلف جاهز دوما للتلفيق الحضور وارتجاله في كل وقت وحين.

الجمهور إذا نقيض النمطية والتكرار، مثلما هو مرادف للاكتشاف والاغتراب، لا جمهور دونما دهشة لقاء وتعارف، وليس جمهورا ذاك الذي ندعوه ونترضّاه ونبتغي إليه الوسيلة، ذلك الذي نخاصمه أو نقاطعه أو نتصل لنستفسر عن غيابه، هو بالأحرى كتيبة نستنفرها عند الأزمات حتى لا نغرق في الخواء.

15