جموح ثوري ضل طريقه نحو الإرهاب

عنف ثوري لتوصيل رسالة لا يدري المقاتل نفسه محتواها، وبعض الجهاديين كانوا بالأمس محسوبين على منظمات يسارية.
الأربعاء 2018/03/14
المسألة الفلسطينية مطية ركبها الجهاديون

لماذا يركّز الكثير من المراقبين على ظاهرة حجم نسبة الشبان التونسيين الملتحقين بالجماعات المقاتلة في بؤر الصراع والتوتر، ويتناسون نفس الوتيرة الملفتة التي كان ينضم فيها الشبان التونسيون إلى الفصائل اليسارية المقاتلة وسط المقاومة الفلسطينية واللبنانية في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي؟ ألم تكن توصف معظم تلك الفصائل الماركسية بالإرهابية؟

الأحكام تغيّرت وشعارات وأسباب التجنيد والدعوة إلى القتال قد تغيّرت بطبيعة الحال، ونحو نقيضها في نظر الفكر اليساري على وجه التحديد، لكن حماسة الالتحاق استمرت وإن كانت بسوية أقل، وذلك لاعتبارات كثيرة تخصّ المرحلة وطبيعة الصراع وتوجه الوعي.

لكن هذا "التلهف" للتطوع والقتال ظل حالة تكاد تكون "تونسية المنشأ بامتياز" وبصرف النظر عن الحامل الأيديولوجي كما يقول بعض المحللين المغلّبين للعنصر الثقافي الجمعي والتاريخي على بقية العناصر الدعائية والظرفية المتعلقة بطبيعة المرحلة.

انضمام شبان متطوّعين في بلاد وأقاليم عربية معيّنة إلى جماعات مسلحة وفصائل مقاتلة في بؤر توتر وصراع، ومهما كانت البواعث، ليس أمرا جديدا ولا طارئا بل يمتد بجذوره إلى حقب قديمة، مما يستدعي أبحاثا ودراسات سوسيو تاريخية ونفسية وثقافية معقّدة ومتشعبة.

 إن التدقيق في العقود الزمنية الثلاث الماضية، تمكّن من التثبت ومن ثمّ التأكد بأن الالتحاق بمنظمات “فدائية” مقاتلة، ليس مجرّد موسم مستجد، صنعته موجات دينية شبه موضوعية، رافقت بدورها أحداثا وتطوّرات إقليمية ودولية، وستزول بمجرد زوال مسبباتها بل يتعلّق بحالة من التوثب نحو القتال ـأي قتال ـ وبصرف النظر عن الأسباب والأهداف الظاهرة أو الباطنة، حتى أنّ الشعارات تبدو في معظمها مجرّد ذريعة للقتال وتلبية لحالة تعطش غامضة ومعقدة نحو نوع من العنف الثوري في سبيل توصيل رسالة لا يدري المقاتل نفسه محتواها علما أنّ بعض الجهاديين كانوا بالأمس محسوبين على منظمات يسارية.

إن التحاق شبان تونسيين مثلا، بفصائل مقاتلة في المشرق العربي ليس أمرا اعتباطيا، ولا هو مجرّد استجابة آلية ظرفية لدعوات النفير وحركات التجنيد ودعوات التجييش التي أطلقتها وتطلقها المنابر الإعلامية التابعة للشبكات الإرهابية بل يبدو وكأنه استمرار لتلك الأُهبة الدائمة نحو القتال مهما كانت الرايات التي يقف تحتها هؤلاء الشبان.

وتوخيّا لوجهي الدقة والحذر فإن موضوع التأهب للقتال لدى الشباب المتطوّع لا يهدف إلى غنيمة مادية واضحة كما هو الحال في المجتمعات ذات الثقافة القتالية عبر التاريخ، ولا هو دفع للاحتلال المباشر عبر النضال المسلّح كما هو معرّف في القواميس الوطنية بل بحث عن نوع من الخلاص كان مصدره قلقا يأخذ طابعا وجوديّا.

التحاق شبان تونسيين مثلا، بفصائل مقاتلة في المشرق يبدو وكأنه استمرار لتلك الأُهبة الدائمة نحو القتال مهما كانت الرايات التي يقف تحتها هؤلاء الشبان

وللتدليل على أن أسباب التحاق الشبان التونسيين بالعصابات المسلّحة لم تكن اقتصادية ولا عقائدية ولا أيديولوجية بحتة، فإن غيرهم من الشبان الأكثر فقرا وتديّنا وقمعا في المناطق المجاورة لم يلتحقوا بالجماعات المتطرّفة بنفس الكثافة والسوية والحماسة التي التحق بها أقرانهم من الشبان التونسيين.

السؤال الأكثر إثارة بدوره هو ما يتعلق بتلك "المفاضلة الجهادية" لدى الشبان التونسيين، والمتعلقة بأسبقية الرمزية المكانية على العقيدة الإقليمية أي أن التونسيين يفضّلون القتال في منطقة بلاد الشام والعراق على أقاليم شمال أفريقيا التي من المفترض أن تكون أقرب إليهم في الجغرافيا والعلاقات الأسرية والدموية.

يختلط في الوجدان التونسي أكثر من مقدّس لكنه يتمركز من حيث المكان في إقليم واحد، هو نقطة فلسطين وما حولها إلى درجة أن الكثير من التونسيين في أربعينات القرن الماضي قد التحقوا بالمنطقة أثناء الانتداب البريطاني، وانتقل بعض الشباب التونسي سنة 1947 للقتال ضد العصابات اليهودية المتطرّفة هناك وكان ذلك قبل ظهور إسرائيل، وقاتلوا في عهد الرئيس السوري شكري القوتلي، الذي كوّن آنذاك جيشاً من العرب الوافدين من كل الأقطار العربية.

ومع ظهور المقاومة في جنوب لبنان انضم عدد من الشباب التونسي إلى صفوف المقاومة كحركة فتح والجبهتين الشعبية والديمقراطية والتنظيم الشعبي الناصري بقيادة معروف سعد، وبقي بعضهم منتسباً إلى فصائل المقاومة اللبنانية والفلسطينية وفي سنة 2008 تم تسليم رفات 11 تونسياً عن طريق الصليب الأحمر الدولي.

استمر هذا المفهوم التونسي للجهاد، ذو الميل الأقرب إلى اليسار الوطني الفلسطيني حتى حادثة محمد الزواري، التونسي الذي اغتيل في عملية خاصة من قِبل الموساد بمحافظة صفاقس في 15 ديسمبر 2016 والذي عُرف بلقب "طيار المقاومة"، وجاء دخول منظمة حماس على الخط والمزايدة والزجّ باسمه ليكشف ويلخص هذا التداخل والالتباس في المفاهيم لدى الشبان التونسيين وعلاقتهم بالقتال، وربما يمكن من خلاله فك جزء من لغز ارتباط الشبان التونسيين بالتنظيمات الجهادية.

ويمكن استخلاص مسألة جوهرية في تتبع الخيط الناظم بين النشاط القتالي والطيف النضالي الفلسطيني الذي استمر به التهميش الدولي وأخذته الخلافات الداخلية ليكون مطيّة في متناول الجماعات الجهادية نحو الوقوع في مكيدة التطرّف والإرهاب.

إن الذي يعود بذاكرته إلى سنوات قليلة ماضية وقبل الحسم الدولي في الإصرار على متابعة وتجفيف جيوب ومنابع التطرّف، يتذكّر جيدا تلك المغازلات التي وصلت حدّ التحالف بين الفصائل الإسلامية والتنظيمات اليسارية.

الثورية اليسارية، سقطت لصالح "الثورية الدينية" التي اختطفتها. وبات هذا الاستعداد الفطري إلى الدفاع عن قضايا إنسانية، دون حاضنة آمنة في جيل الشباب الثوري بالعالم العربي على عكس شباب أميركا اللاتينية مثلا، والذي ناشد ملاحم خلق لها رموزا خالدة.

13