جمود الخطاب الديني ساهم في نشوء حركات التشدد واستقطابها للشباب

الجمعة 2015/04/24
تجفيف منابع التشدد أيسر من الدخول في حرب مع حاضنيه

تونس - لئن أجمع بعض الباحثين على أن التطورات الإقليمية الحاصلة في المنطقة العربية هي السبب الرئيس في تغلغل ظاهرة التطرف والإرهاب، فإن عددا آخر من المتابعين للوضع يؤصل الإشكاليات القائمة، عائدا بها إلى جذورها التاريخية الأصلية، ومنها انحسار منسوب إصلاح الخطاب الديني والتوجه الغربي نحو رفض الآخر.

تقول الباحثة التونسية آمال الجبلاوي إن تصاعد التيارات التكفيرية والسلفية الجهادية يأتي ردا على غياب الحسم النهائي في مسألة الهوية ونتيجة لعدم استثمار العولمة في الارتقاء بالمستويين التربوي والثقافي للناس وعدم تقديم حلول اقتصادية واجتماعية لشباب انسدت أمامه آفاق العمل أو السفر.

وتضيف أن عدم الحسم في مسألة هوية الدولة الوطنية المستقلة إضافة إلى تراجع الأطروحات الماركسية والقومية والاشتراكية، عمّق ظاهرة التطرف.

وتشير الجبلاوي إلى أن العولمة والخيارات الليبرالية الجديدة لم يقع استثمارها في التربية والثقافة بل أسهمت في بلورة شخصيات فاعلة بطريقة هشة لدى العديد من الشباب، شخصيات تستمد وجودها انطلاقا من ظاهرة المحاكاة، طالما أنها لا تجد مرتكزا من حيث المبادئ المدنية وثقافة المواطنة التي تؤمن بها، فبعد انكفاء فكرة القومية وفكرة الاشتراكية لم يبق لها من بدائل مقنعة ومحفزة وقوية تتشبث بها. أما فكرة الديمقراطية فهي تشق طريقها في كامل المنطقة لكنها تعاني من أزمات التنمية والاقتصاد العالمي وتحتاج إلى توطيد الإرادة الرشيدة.

وفي غياب هوية واضحة يرتكز عليها شباب المنطقة ككل، بوصفها هوية من شأنها أن تعبر عن احتياجاتهم وأن تجيب عن آمالهم المتعطشة لمعرفة الوجهة التي يجب اتخاذها. وفي غياب العديد من المحددات الأخرى، تقول الجبلاوي، تتنامى أشكال التدين الشعبي بما هي أحد ردود الفعل الطبيعية على الخواء والفراغ السائدين وتراجع دور الحكومات في تأطير الشباب وفي الاستثمار بالتنمية عبر الاستثمار في برامج تربوية جيدة.

وتؤكد الباحثة أن فكرة العودة إلى أشكال التدين المادي جاءت كنتيجة لوجود وعي جديد بضرورة التمسك بأيّ معطى ثقافي ذي معنى، وذلك في غياب أفكار جديدة وبدائل مقنعة وحاملة لقوة جذب شعبية.

الجبلاوي تؤكد أن غياب الإصلاح الديني ساهم بدرجة رئيسية في نشر ثقافة التطرف والغلو وتقول إن الخطاب النقدي والعقلاني يعرف انحسارا كبيرا، مؤكدة على ضرورة ضخ دماء جديدة في الحوار الفكري والعلمي وخاصة في المسائل المسكوت عنها في الخطاب الديني بسبب انكماش البعض وممارسة البعض الآخر لعبة الصمت والتقية واتهام المخالفين لرأيهم بخروجهم عن طريق الصواب، ممّا ينسف كل إمكانيات التحاور والاحترام والتعايش.

انحسار الخطاب النقدي والعقلاني وغياب الإصلاح الديني ساهما بدرجة رئيسية في نشر ثقافة التطرف والغلو

وتشير إلى أنه في ظل هذه الأجواء العقيمة وهذه الفراغات وفي ظل عجز الدولة عن مخاطبة الناس بلغة مفهومة تبلغ آذانهم وتحرك سواكنهم لا بد على الدولة أن تتحمل تكلفة توسع سوق سماسرة التطرف.

وتدعو الجبلاوي أبناء هذه الثقافة التخريبية إلى إعمال العقل قبل أن تتم محاسبتهم من داخل المؤسسة الدينية إذ أنهم خالفوا أوامر “إعمال العقل” كما ستتم محاسبتهم من خارج المرجعية الدينية عندما يخرجهم التاريخ من دورته.

وفي سياق آخر تؤكد الجبلاوي أن اهتزاز صورة الحداثة وابتعادها عن واقع الدول العربية والإسلامية عقب سقوط الاتحاد السوفيتي وبروز النظام العالمي الجديد خلّف مساحات واسعة اشتغلت التيارات المتطرفة عليها ووجدت فيها تربة خصبة لزرع أفكارها ونشر مشاريعها الجهادية المتطرفة.

وتضيف أن الاعتمادات والبرامج الثقافية والتنويرية الأوروبية والغربية الموجهة للعالم الإسلامي قد تقلصت بدعوى أن الاستثمار في الثقافة غير مربح ولم يفكر أقطاب النظام العالمي الجديد في أن السلم الثقافي هو أحد مقومات السلم الاجتماعي والازدهار الاقتصادي.

كما أن أحد أسباب الفجوة التي عمّقت سخط الشباب المسلم هو إغلاق الحدود بوجه الراغبين في العبور من الجنوب إلى الشمال ومن العالمين العربي والإسلامي إلى العالمين الأوروبي والأميركي خاصة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

وتؤكد الباحثة أن أحد أوجه القصور التي أسهمت بطريقة مباشرة في تغلغل التطرف الديني هو إخفاق السياسات الغربية في مجال التعامل مع ملف الهجرة وخاصة هجرة الجاليات المسلمة داعية العواصم الأوروبية إلى وضع استراتيجيات بعيدة المدى منها تعديل بعض البرامج التربوية بالتركيز على أن المواطنة الأوروبية والديمقراطية تستوعب هذه الجاليات على أن تعمل هذه الأخيرة على مراجعة تأويلها للنصوص الدينية والعمل على مواءمتها مع القيم الأوروبية.

إذ لا بد أوروبيا من القضاء على أسباب تصاعد هذا الفكر الإرهابي عبر رصد منابته وإعداد خطط لاستقطاب الشباب الذي ينجذب لأطروحاته مقابل عمل ليس بالهيّن ولا بالقليل ينتظر العرب لبحث أهداف مشتركة مع أوروبا وبناء سياسات فعالة لأنهم جميعا في الحقيقة بخندق واحد هو خندق الحرب ضد صناعة الإرهاب وعولمة الجريمة وانتشار التكفير وفكر التدمير الذي لم يقدم شيئا للمسلمين والأوروبيين على حد السواء إلا العنف والتطرف.

وتخلص الحجلاوي إلى أن غياب ثقافة تنويرية غربية حدا بعدد لا يستهان به من الشباب المسلم إلى الانكفاء على ذاته في محاولة للتشبث بأيّ قيمة لا تزال تتمتع بشيء من التماسك وهنا قارب النجاة هو القارب الأخروي الذي يزيّنه دعاة التطرف.

13