جمول التي باتت ذكرى و.. درسا

الأربعاء 2016/09/21

في السادس عشر من سبتمبر الجاري احتفى الشيوعيون اللبنانيون بالذكرى الرابعة والثلاثين لانطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول). هذه الانطلاقة التي دشنتها مجموعة من المقاومين حين شنت في السادس عشر من سبتمبر 1982 هجوما مباغتا على تجمع لجيش الاحتلال الصهيوني في قلب بيروت أوقع فيه خسائر فادحة، ثم توالت العمليات المسلحة ضد قوات الاحتلال ما دفعها إلى إعلان انسحابها من العاصمة اللبنانية بعد أسابيع، فكان جنود الاحتلال يطلقون النداءات في الشوارع: يا أهالي بيروت! لا تطلقوا النار.. نحن منسحبون!

“الشيوعيون” الذين يحتفون اليوم بالذكرى الرابعة والثلاثين لانطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، هم غير الشيوعيين الذين، مع حلفائهم في جمول، وبأبسط الوسائل القتالية فرضوا على الاحتلال الإسرائيلي الانسحاب من معظم الأراضي التي اجتاحها حتى عام 1982.

فجمول التي أعلن ولادتها كل من جورج حاوي ومحسن إبراهيم في سبتمبر 1982، والتي دشنت انطلاقتها على الأرض ثلة من الأبطال رفعت شعار “تحرير الأرض والإنسان” ومارسته باللحم الحي والأذرع المشرعة والجباه الحرة، لم ترهن نضالاتها لأيّ جهة داخلية أو خارجية بذريعة الحصول على الدعم السياسي أو العسكري أو المالي.

وأبطالها الذين خاضوا غمار المواجهات ضدّ أعتى قوى الاحتلال قدموا غالي التضحيات من أجل حرية وطنهم وشعبهم وباقي الشعوب، ومن أجل مستقبل واعد ينعم فيه مجتمعهم بالحرية والكرامة والتقدم والازدهار، وليس في سبيل إمارة أو ولاية أو ثروات، وكذلك ليس لقاء أجر مادي موعود أو معنوي موهوم. ولهذا فهم يستحقون اسم “مدرسة” في النضال والتضحية والإيثار.

أما “الشيوعيون” الذين يحتفون اليوم، (“اللي عم يحكوا اليوم، هاو غير اللي ماتوا”، عبارة من أغنية للفنان سامي حواط)، والذين يتشدقون بكونهم يمثلون استمرارا لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، والذين لا يكلون عن الحديث باسم المضطهدين والمسحوقين والمفقرين، والذين مسحوا ذاكرتهم ليبرّئوا من فرض على هذه الجبهة الانكفاء والتوقف التام بملاحقة عناصرها وباغتيال العشرات من كبار قادة الفكر ومن المثقفين والكوادر الحزبيين، من جرائمهم بحق المقاومة الوطنية وبحق اليساريين اللبنانيين عموما، والذين يغمضون العيون عن كل ما يجري للشعب السوري الشقيق من سحق وتشريد وتهجير، والذين لم يكلفوا أنفسهم يوما أن يقفوا وقفة تضامنية مع الدم السوري المستباح، والذين لم يتجرؤوا يوما أن يقفوا على أوضاع مئات الآلاف من البشر من السوريين اللاجئين في مخيمات العار على طول لبنان وعرضه والذين يتعرضون لصنوف التمييز والتضييق، هؤلاء لا يمكن اعتبارهم بشكل من الأشكال امتدادا لأولئك، بل إن ادّعاء ذلك هو إساءة بالغة في حق أبطال وشهداء جمول.

أما اعتبارهم حزب الله، الذي يحارب اليوم إلى جانب نظام الكيمياوي والبراميل المتفجرة ودفاعا عنه، ويمارس أقبح مما مارسه الاحتلال الصهيوني من جرائم في مشاركته الاحتلالية لمناطق سورية وفي حصاره التجويعي للفقراء السوريين في أكثر من منطقة بسوريا، حزبا مقاوما فهو بحدّ ذاته جريمة في حق شهداء المقاومة وتضحيات المقاومة وبطولات المقاومة على امتداد تاريخ المقاومة.

لقد فرض أبطال جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية على الإسرائيليين معادلة مختلفة؛ أن جعلوا استمرار احتلالهم للبنان أكثر تكلفة من الانسحاب، فانسحبوا من غالبية المناطق التي احتلوها دون أيّ شروط أو اتفاقيات أو معاهدات. لم تكن حرب صواريخ ولا طائرات، ولم تكن امتدادا لصراعات إقليمية أو دولية، بل كانت مقاومة وطنية لها حاضنتها الشعبية التي أمدتها بكل وسائل الاستمرار، وعملت دون كلل في المناطق المحتلة في حرب استنزاف يومية ضد الاحتلال.

اليوم، وفي سوريا، التي تشهد احتلالات أشدّ ضراوة وانحطاطا من الاحتلال الصهيوني للبنان، فإن الاستفادة من تجربة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية تصبح أكثر إلحاحا، والكفاح الثوري المسلح ضمن مناطق سيطرة النظام وحلفائه وسواهما من القوى المضادة للثورة على غرار مقاومة جمول يقع على عاتق القوى الأكثر ثورية مهما كانت البداية صعبة وكان المناضلون قلّة، فَكرة الثلج تبدأ من نواة متواضعة لتصبح مع المثابرة كيانا هائلا.

إن أهم ما قدمته جمول من عبر في مجال مقاومة الاحتلال؛ أنه بأبسط الوسائل، يمكن دحر أعتى قوة احتلال متى توفرت العزيمة والجرأة والتنظيم والالتزام والمثابرة. وأنه، متى تطابقت الأهداف مع تطلعات الشعوب وتأكد التمسك بقضايا المجتمع وخياراته وبحرية القرار، يصبح الشعب كله مقاومة وبمختلف الأشكال والأساليب. وأنه لا يمكن أن نتوقع من قوى الهيمنة الإقليمية والعالمية أن تتقاطع مصالحها مع تطلعات الشعوب. وأنه لا يمكن الركون أو التحالف مع أيّ من القوى الطائفية أو قوى الاستبداد مهما كان لونها حتى لو قاتلت العدو المشترك، لأن تلك القوى لا يمكن لها أن تستمر إلا برعاية ظاهرة أو خفية من أيّ من قوى الهيمنة الخارجية، ما يضعها حكما، عاجلا أو آجلا، في موقع العدو.

ترجمت جمول الدرسين الأولين فكان أن حققت إنجازاتها المشهودة في دحر الاحتلال، وتغافلت عن الدرس الأخير فكانت نهايتها المحتومة. لم يرِد الجموليون التصدي لعصابات حزب الله حين كانت تلاحقهم ولا لـ”مقاومة” حركة أمل “الإسلامية” حين كانت تتربص بهم، خشية على الجبهة الداخلية، ولكن بعد الإنجاز الأهم عام 1985 الذي ترجم بالانسحاب الإسرائيلي من غالبية المناطق المحتلة، وتكليف ميليشيا أنطوان لحد بحراسة الشريط الحدودي، بدأت حرب الاغتيالات والتصفيات في حق المقاومين والكوادر اليساريين في عموم الجنوب وصولا إلى بيروت. هذه التصفيات التي طاولت كبار المفكرين أيضا، ساهمت في تدجين الأحزاب اليسارية وفي شطب نموذج جمول من أعمال المقاومة.

اليوم، وبعد أن أسفر النظام العالمي عن قبحه وأشهر كل هذا الانحطاط الأخلاقي في تواطئه في قتل الشعب السوري بدءا بالتعذيب في المعتقلات، مرورا بالأسلحة الكيمياوية والنابلم والبراميل المتفجرة وبسكاكين داعش، وصولا إلى القتل بالتجويع تحت الحصار والتهجير القسري والإغراق في البحار… باتت “جمول” السورية أكثر إلحاحا، جمول التي هي مهمة باكورة من المناضلين الذين لا غاية لهم إلا فرض حق الشعب السوري في الحياة وفي الحرية.

كاتب لبناني

8