جميعنا اليوم شخصيات في لوحات إدوارد هوبر

فنان العزلة والانعزال رسمنا قبل قرن من الآن.
الأحد 2021/02/07
العزلة هو ما خلقته لنا العوالم الجديدة

من منا اليوم لا يعاني العزلة، حتى أكثرنا اجتماعية صار لزاما عليه التباعد الاجتماعي والبقاء في المنزل والانعزال توقّيا من الفايروس الذي بات يهدد البشر. خطر الفايروس أكثر عمقا من خطر الحروب، فإن كان البشر يميلون إلى التجمع والتكاتف ضد الخوف في حالات الحرب أو الكوارث، فإن حالة الفايروس مختلفة تماما، حيث يحتمي كل فرد بذاته، ويدخل في عزلة، عزلة لم يفرضها الفايروس بمفرده بل مهّدت لها الطريق الأزمات الاقتصادية وتسارع وتيرة الحياة وتفكك الأسر ولجوء الناس إلى العالم الافتراضي على حساب الواقع، وغيره مما فرض عزلات ذاتية على الكثيرين. لكن لنفهم العزلة جيّدا لا محيد عن التمعن في لوحات إدوارد هوبر.

ظل الإنسان كائن المتناقضات والمفارقات، كائنا بقدر ما يميل إلى شيء ففي الوقت عينه قد ينفر منه، لكنه أكثر الكائنات الحية قدرة على التكيّف والعيش تحت جل الظروف التي تفرضها عليه الطبيعة، سواء البيئة المحيطة أو طبيعته البشرية.

ووفق ما ذكرناه فإنه ليس من المدهش والغريب أن يميل الإنسان إلى العزلة وينفر منها، إلا أنه “في العُزلة، لا ينمو سوى ما أتى به المرء معه”، كما يقول فيلسوف المطارق فريدريك نيتشه.

نحن نأتي إلى العزلة سواء الداخلية وإن كنا مكتظين بغيرنا، أو الخارجية ونحن بمعزل عن الكل، بما راكمناه من أفكار حول العالم، نأتي مدجّجين بيأسنا ووحدتنا ورؤانا، نحاول التخلص من ثقل ووزر ما، أو البحث عن خلاص ما في أعماق الذات.

شعورنا بالعزلة، إذن، لا يرتبط بوجود الأشخاص أو غيابهم حولنا، كما يقول ذات الفيلسوف، “شعوري بالعُزلة لا يعتمد على وجود أو غياب الأشخاص، على العكس من ذلِك، فأنا لا أُحب من يقتحم عُزلتي وينتزعها مِني، بدون أن يُقدم لي رُفقة حقيقية تُسعدني”.فالإنسان كائن ميّالٌ إلى العيش المشترك وتقاسم الحياة مع الآخرين، إنه صفة الوجود أو “ميتافيزيقا الحضور” بتعبير فيلسوف الفينومينولوجيا إدموند هورسل.

وهذا التضاد بين الانعزال وتقاسم العيش، هو ما سعى إلى إبرازه فنانون كثر، عبر لوحاتهم الصباغية التي تناولت الموضوع كل حسب رؤياه، وإدوارد هوبر واحد من أبرزهم وأشهرهم الذي جعل جل أعمالهم تناقش وتتناول هذه الموضوعة باعتبارها “شرّ لا مفر من”، و”ضرورة” حياتية تفرض نفسها علينا من الوقت إلى الآخر.

الخوف من العزلة

لا تهرب من العالم الخارجي إلا لتعود إلى الذات
لا تهرب من العالم الخارجي إلا لتعود إلى الذات

يقول إميل سيوران إن “كل ما يجري بين الناس خيرا أو شرا هو نتيجة الخوف من العزلة”. فهذا الخوف من العزلة الذي يقابله أيضا الاندفاع نحوها، حيث إنها “وطن للأرواح المتعبة”، كما يقول هيمنغواي، يجعل منها فعلا إنسانيا معقدا بقدر ما يحمل في طياته هروبا نحو الذات أو وحشا نلوذ منه نحو الآخرين باعتبارنا كائنات اجتماعية، فقد شغلت بال الكثير من الفلاسفة والأدباء والفنانين.

إدوارد هوبر (1882 – 1967) الفنان الأميركي الواقعي المجدد، واحد من هؤلاء الفنانين المنشغلين بهاجس الانعزال والابتعاد الاجتماعي. إذ تحضر العزلة في أعماله بصفتها نوعا من التصوير الصباغي الذي يجسد مقولة شوبنهاور “من لا يستمتع بالعزلة لن يهوى الحرية”. فشخوص هوبر المنعزلة والمتباعدة تبدو في حرية وهي تهيم في عالم من التأمل والتفكير، بملامح جافة وباردة دائما.

في هذه المرحلة من التاريخ البشري المعاصر المتسمة بغزو فايروس كوفيد – 19، تجد لوحات هوبر رواجا مكثفا على شبكات التواصل الاجتماعي، لما تجسده من محاكاة للواقع الهنا والآن، واقع البشرية المنعزلة إلى خلف أبواب دورها، بعيدا عن الموت المحدق بها في الخارج؛ فنحن اليوم جميعا أشخاص من شخوص لوحات هوبر، الذي يوصف بأنه “سيد العزلة” وأكثر الفنانين الذين استطاعوا تجسيدها في أعمالهم، في مشاهد تحثّ على التفكير والتأمل.

لقد تخصص هذا الفنان في ترجمة أحاسيس العزلة والابتعاد الاجتماعي، واستطاع تصوير هذه الأجواء عبر طرق مختلفة، بما فيها الغياب المطلق لكل هيئة بشرية، كما هو الحال في إحدى أهم لوحاته “منزل بمحاذاة السكة الحديدية” (1925).

أما في عمله “مكتب في مدينة صغيرة” (1954)، يتجسد أمامنا رجل جالس إلى طاولته في مكتب تغمره أنوار الشمس، في طابق عالٍ؛ غير آبه بأن يُرى.

نرى الرجل الجالس

شخصيات تعيش الوحدة ببرود
شخصيات تعيش الوحدة ببرود

إلى طاولته من خلال الحاجز الزجاجي، بينه وبين المشاهد فاصل شفاف، كما بينه وبين العالم الخارجي الذي لا يعبأ به ستار زجاجي يقابله، ما يجعلنا نراقب المبنى من الداخل والخارج ونراقب الشخص وهو في عزلته غير مكترث بما نقوم به (مراقبته).

لعله قد اعتاد على عزلته الروتينية في مكتبه، روتينه البيروقراطي، بينما يمر الجميع بمحاذاة النافذة في قطار على جسر مرفوع.

ما الذي قد يخلقه كل هذا الانعزال والتباعد في نفوس وأجساد الناس؟ هذا ما تحاول أن تجيب عنه أعمال هوبر، أو على الأقل تحاول جعلنا نبحث من خلالها عن الإجابة عنه.

إدوارد هوبر (1882 – 1967) فنان أميركي واقعي مجدد انشغل في أغلب أعماله بهاجس الانعزال والابتعاد الاجتماعي ورسمه بذكاء

لقد عايش هذا الفنان الأزمة المالية العالمية الخانقة لسنة 1929، والتي انطلقت شرارتها الأولى من بورصة وول ستريت الأميركية، لتجتاح العالم كما يجتاحه فايروس كورونا اليوم.

وقد تركت هذه الانتكاسة العالمية أثرها على صباغات هوبر، حيث بدأ يصوّر حالات الانعزال الاضطرابي، والقلق وعدم الارتياح البادييْن على ملامح الشخوص، كأنهم أفراد تلك الأسر التي فقدت عملها ومالها في العالم كله، ومعه فقدت الأمل في المستقبل، وسرعان ما ستجد نفسها أمام “جائحة” الحرب العالمية الثانية.

ويتجسد ذلك في عمله “محطة البنزين” (1940)، حيث يقف العامل (أو صاحب المحطة) أمام المضخة في “انتظار الزبون الذي لا يأتي”. فهوبر أبدع في خلق شخوص غاصين في التأمل وفي حالة انتظار كأنهم ينتظرون قدوم أشياء وشخوص من خارج اللوحة؛ هل هم نحن على ما يبدو؟

في لوحته “شمس الصباح” (1952)، نتأمل امرأة شابة وهي تجلس تُفكر وسط أشعة الشمس الصباحية التي تغمر سريرها؛ حيث تجلس مستيقظة في غرفتها الواقعة في عمارة وسط مدينة متواضعة، ويتضح لنا ذلك من البناية ذات الطوب الأحمر البارز، التي تظهر من النافذة المفتوحة (وكم يُجسد إدوارد هوبر النوافذ في أعماله بكثرة!).

ورغم كل هذا الجو البارد، فقد خلق الفنان جوا من الهدوء واللطف حول الفتاة، التي تبدو هادئة وهي تتأمل المشهد الخارجي، ضائعة وسط أفكارها. في صمت مرعب للجدران التي تدفئ وحدتها وعزلتها إلى جانب أشعة الشمس التي تستحوذ على المكان.

مثل هذه الفتاة حالات العديدين منا، إن لم يكن جلنا، حيث يكون الصباح هو ملاذنا الوحيد للجلوس والحديث مع أنفسنا؛ وكم هو شائع هذا الفعل. لكنه ورغم ذلك، فهو الجوهر الأكثر وحشية وغربة، من بين كل الأفعال التي يقوم بها البشر في حياتهم.

إن الجلوس إلى العزلة هو الفعل الذي خلقته لنا العوالم الجديدة، رغم ضجيجها المطبق على أسماعنا، ورغم الزحام الذي يخترقنا حتى داخل أنفسنا، نلوذ منعزلين إلى داخلنا لعلنا نجد من يسمعنا، فكم نكون غير مسموعين وإن صرخنا في هذا العالم السريع.

البحث عن الخلاص

هوبر خلق شخوصا غارقة في التأمل وفي حالة انتظار، كأنها تنتظر قدوم أشياء وشخوص من خارج اللوحة

لقد ألهمت مشاهد هوبر النقاد كما ألهمت السينما، إذ استوحى هيتشكوك لوحة “منزل بمحاذاة السكة الحديدية” في فيلمه 1960 “Psycho”، وفي فيلم Shirley” 2013” لغوستاف دوتش تم اختيار، في سفر إلى عوالم هوبر الانعزالية، 13 لوحة لتجسيد السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي لفترة منتصف القرن الماضي.

اليوم يشهد العالم حالات إنسانية اضطرارية جعلت جل البشر يعودون إلى حالة الانعزال بسبب تفشي الوباء التاجي الخفي، كأننا بالفعل نجسد لوحات هوبر ونصير، خوفا من الموت الذي يترصدنا، شخوصه المنعزلة وباردة الملامح التي تترقب شيئا لا يكاد يتحقق.

فقد حاول هوبر أن يشخّص لنا دواخلنا الهشة، حالاتنا البشرية التي تنكسر بسرعة، حالات حساسة ومُرهفة، لا تهرب من العالم الخارجي إلا لتعود إلى الذات الفردية التي تنغلق على نفسها وهي تراقب العالم يتحرك ببطء أمامها، دونما أن تقدر على التدخل فيه.

هكذا حدث لنا ونحن نراقب العالم يهرب إلى داخل الدور ليغلق الأبواب، ويهرب الكل إلى ذواتهم في لحظة فرار من الموت الذي يشكل “قلقا وجوديا” بتعبير مارتن هايدغر. فالهروب من الموت إذن هو عودة إلى الذات من أجل البحث عن الخلاص. هذا الفعل، أي البحث عن الخلاص الذاتي، هو ما يحاول أن يُصوّره لنا إدوارد هوبر عبر مشاهده الصباغية المشبعة بالحساسية الهشة والمفرطة.

14