جميل راتب فنان مصري لا يرفع "الراية البيضا"

الأحد 2016/09/25
جميل راتب عائدا من العالمية إلى المحلية

القاهرة - للممثل الشهير جميل راتب خصوصية حقيقية في مسار الفن المصري، تبدأ من تغيير المعادلة الشهيرة التي طالما استخدمها كثيرون لوصف الإنجاز الإبداعي للكاتب المصري العالمي نجيب محفوظ، وغيره ممن تخطوا الحاجز المحلي إلى الأفق العالمي، حيث يصبح الإغراق في المحلية طريقا للعالمية.

وسيتم تكريمه من قبل مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي في افتتاح دورته الـ23 والذي تستمر أيامه حتى 30 سبتمبر الجاري، ضمن مجموعة من 6 مكرمين من دول مختلفة.

كان راتب مغايرا في الطريق الفني الذي سلكه عن أقرانه، فلم يكن فتى سينما أول في مصر، بحثت عنه "هوليوود" فيما بعد، فمنحته شهرة عالمية، على غرار ما حدث مع النجم المصري العالمي الراحل عمر الشريف، ولم يكن مهيمنا على فضاء المشهد السينمائي لفترات طويلة تبدأ من مرحلة الشباب، كما حدث مع بعض أبناء جيله، مثل كمال الشناوي وشكري سرحان وحسن يوسف وغيرهم.

سحر الفن الأوروبي

كان بعيدا، يخطو أولى خطواته من هناك، من المركز الأوروبي في إنتاج الفن، حيث كان يعيش. فقد بدأ رحلته الفنية من فرنسا التي وقف فيها على أهم مسارحها، وعلى رأسها "الكوميدي فرانسيز"، واكتسب منها كثيرا من الخبرات التي جعلت منه نجما مختلفاً بعد عودته إلى القاهرة، ليبدأ فيها مرحلة جديدة من الشهرة المحلية التي بدأها أيضًا من المسرح مع المخرج الراحل كرم مطاوع.

ثلاثون عامًا قضاها، صاحب التسعين عامًا الآن، بفرنسا بعد أن أقنع عائلته أنه يقوم بدراسة التمثيل بجانب دراسته الأساسية في كلية الحقوق، لكن عشقه للفن لم يطوعه أسيرًا لرغبة والديه، ما جعله يمكث في كلية الحقوق يومًا واحدًا فقط ليحسم بعدها مصيره في تطوير موهبته وإثقالها بالدراسة والعمل في العديد من الفرق المسرحية الصغيرة.

التجربة الفرنسية العالمية لدى جميل راتب لم تكن مجرد حياة أخرى، هرول بها من قيود العائلة التي امتنعت عن إرسال المصروفات له، عقب علمها بتركه لدراسة الحقوق، ليدخل النجم في مدرسة الحياة التي جعلته يمتهن بعض الأعمال من أجل توفير نفقاته الشخصية، حيث عمل “شيالا” أي حاملا للبضائع، و”جرسونا” في مطعم، وغيرهما، ما دفع بتغيير مسار خارطة طريقه التي ابتعد فيها عن الحياة الأرستقراطية التي نشأ عليها، وانتقل إلى واقع أكثر اتساقًا بالمجتمع الذي تعلّم فيه كيف يتقمّص روح شخصياته التي يلعبها، وأصبح الفن لديه ليس مجرد صورة يراها بالصحف والمجلات.

المسار الذي اختاره السفير "مفيد أبو الغار"، وهذا هو اسم جميل راتب في أشهر أعماله الدرامية "الراية البيضا" بعد العودة إلى القاهرة أبعده كثيرا عن الطريق الذي بدأ به حياته بفرنسا، فالأعمال المسرحية المصرية في مشواره قليلة

عالمية الثقافة

حلم الفنان يظل طوال حياته مشغولًا بالوصول نحو العالمية مهما تحقّق له من شهرة ونجاحات على المستوى المحلي، لكن الأمر يختلف في مشوار النجم المصري الكبير جميل راتب، ولا تزال قضية “العالمية” مثارا للجدل والاتهامات. فأغلب النجوم الذين عملوا في الخارج صاحبتهم سهام التطبيع مع إسرائيل، من قريب أو بعيد، وهي كانت واحدة من المحرّمات المصرية والعربية الخطيرة لفترة طويلة، غير أن المسألة مختلفة لدى الفنان المخضرم الذي لم تطله مثل هذه الحملات، حيث جاءت شهرته من الخارج في البداية.

العالمية في حياة جميل راتب لم تقتصر فقط على كونه فنانًا عمل في دولة أوروبية، لكن تواجده في فرنسا في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، في أعقاب الحرب العالمية الثانية أتاح له الفرصة لتكوين ثقافته على جميع المستويات، بعد التحولات السياسية والاجتماعية العاصفة التي صاحبت المجتمع حينها، فقد أصبحت الأعمال الكلاسيكية تقدم بطريقة جديدة، كما برز ما يعرف بـ”مسرح العبث”، وظهرت الكثير من الفرق المسرحية منها “جان مولار” التي عمل بها الفنان، ما أسهم في ظهور الكثير من المؤلفين والمخرجين الذين نالوا شهرة مدوية في تاريخ المسرح العالمي فيما بعد، مثل صمويل بكيت، ويونسكو.

في العام 1951، جاء جميل راتب إلى مصر مع الفرقة الفرنسية الكوميدية “فرانسيز”، التي كان عضوا فيها، حيث قدّم عروضا مسرحية مختلفة، كما شارك في عرض مسرحية “الوريث” مع تلك الفرقة الفرنسية عام 1952 .

كان أداؤه لافتًا للأنظار، حيث نشرت بعض الجرائد الفرنسية في ذلك الوقت تقريرًا أشادت فيه بأدائه، وقالت “عندما يؤدي (راتب) دوره على الخشبة في مسرحية الوريث فإنه يخطف أنظار الحضور بأدائه القوي، وعينيه الحادتين”. لكن المسار الذي اختاره السفير “مفيد أبو الغار”، وهذا هو اسمه في أشهر أعماله الدرامية “الراية البيضا” بعد العودة إلى القاهرة أبعده كثيرًا عن الطريق الذي بدأ به حياته بفرنسا، فالأعمال المسرحية المصرية في مشواره قليلة، كان أولها ما قدمه مع المخرج الراحل كرم مطاوع بعنوان “دنيا البيانولا”، و”زيارة السيدة العجوز”، و”عائلة ونيس”، وعدد آخر من الأعمال المحدودة، وهو ما تناقض مع الشهرة الواسعة التي حققها حينها في السينما والتلفزيون.

تكريمه في مهرجان المسرح التجريبي اليوم، يقول عنه جميل راتب إنه بمثابة الفخر والشرف له، حين يكرم مع عدد من الرموز المسرحية مثل سميحة أيوب ومحسنة توفيق وهدى وصفي ومحمد صبحي والتونسي علي بن عياد.

لورانس العرب

ربما لم يكن اسم جميل راتب معروفًا على الساحة الفنية، فيما لو كرر نجاح تجربته المسرحية في فرنسا بالقاهرة، خصوصًا أن المسرح المصري ما زال لا يلقى حظه الوافر من الدعم الحكومي، مثل التجربة الفرنسية، فضلا عن انهيار الحالة المسرحية المصرية بداية من منتصف الثمانينات في القرن العشرين وحتى وقت قريب، في ظل سيطرة المسارح الخاصة على المشهد بما تحمله من ضعف القيمة والمضمون، واقتصار نجوم المسرح على أصحاب الأسماء المشهورة، والقيام بمسرحيات “معلبة” وبيعها في بعض الأسواق العربية.

اتصالًا بالحديث نحو العالمية، فإن النجم العالمي أنتوني كوين قدم تجربة متميزة أضافت رصيدًا من الأهمية في حياة راتب الفنية، فالصداقة التي نشأت بينهما من خلال فيلم “لورانس العرب” دفعت كوين للاعتماد عليه في أحد أفلامه التي جعل راتب فيها مساعدًا للإخراج، وعينًا أمينة له تراقب مدى جودة المشاهد التي قام بتصويرها للدرجة التي كانت تجعل فريق العمل يحسب له حسابًا كبيرًا.

ورغم الإغراق في المحلية عبر العشرات من الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية، التي شارك فيها جميل راتب، إلا أن “وهج العالمية” لم ينطفئ يوما، سواء عبر تقديمه أفلاما إنسانية الطابع تعالج مشكلات جوهرية في العالم مثل مشكلة الديمقراطية التي عبر عنها فيلمه الشهير”البداية”، الذي تعاون فيه مع الممثل الراحل أحمد زكي، وأخرجه الراحل صلاح أبو سيف في العام 1986، والذي شارك في مهرجانات عالمية مختلفة، وطرح فكرة الاستبداد في العالم الثالث على نحو فنتازي مؤلم وساخر في آن.

أو عبر الحضور العالمي لبعض الأفلام المصرية التي شارك فيها النجم جميل راتب، من قبيل ما حدث مع فيلميه “وداعا بونابرت”، و”عفاريت الأسفلت”، حيث عُرض الأول في مهرجان كان السينمائي الدولي في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وحظي مخرجه يوسف شاهين وأبطاله، ومن بينهم راتب، بإشادات مختلفة من صناع السينما في العالم.

كما نال الفيلم الثاني “عفاريت الأسفلت” الذي قام فيه راتب بدور سائق ميكروباص، ينتمي لطائفة من العشوائيين، البسطاء والسحرة والمجرمين في آن، بعض الجوائز وأهمها جائزة السيناريو في مهرجان الفيلم الأفريقي بجوهانسبرغ عام 1996 التي حصل عليها الكاتب مصطفى ذكري، كما فاز مخرج الفيلم أسامة فوزي بجائزة”جولدن برادو” في مهرجان لوكارنو السينمائي.

لم تتوقف التحديات في حياة جميل راتب عند حدود مغادرته العالمية إلى الأفق المحلي المصري والعربي، لكنها بدأت منذ زمن أبعد من ذلك بكثير، بدءا من وقوفه أمام عائلته ومواجهة رفضهم التحاقه بالفن، وتحقيق حلمه بالتمثيل، ومرورا بالملامح الحادة التي يملكها، بما تحمله من القوة التي يتسم بها وجهه، وهي كانت كفيلة بحصره في أدوار نمطية مكرورة، مثل أدوار الشر، فلم يستسلم جميل طيلة مشواره إلى تجسيد نمط أدوار الشر فقط مثل بعض النجوم الآخرين من جيله، كالفنان الكبير صلاح منصور، وربما كان ذلك بسبب الوعي الثقافي والخبرة التي اكتسبها خلال تواجده في فرنسا، وهو ما منحه روحًا انعكست على سياق أعمال.

العالمية لم تقتصر فقط على كون جميل راتب فنانا عمل في دولة أوروبية، لكن تواجده في فرنسا في أعقاب الحرب العالمية الثانية أتاح له فرصة لتكوين ثقافته على مستويات مختلفة

استكمالًا لهذه التحديات فإن وقوف جميل راتب بجوار عدد من النجوم المصريين في بعض الأعمال الفنية حمّله كثيرا من التحديات التي دفعته ليكون نجمه ساطعًا بجوار هؤلاء، على رأسهم النجمة الراحلة فاتن حمامة التي كان يعلن دائما أنه “يعمل حساب الوقوف أمامها جيدًا”، فرغم الجاذبية التي كانت تتمتع بها سيدة الشاشة لكن النجم الكبير وضع بصمته أمامها مناصفة في الأعمال التي جمعتهما معًا، سواء كان ظهوره صغيرًا بها كما في مسلسل “ضمير أبلة حكمت”، أو كبيرًا مثل فيلم “ولا عزاء للسيدات”.

هذا بالإضافة إلى التجارب الأخرى التي جمعته مع نجوم آخرين مثل محمد صبحي الذي قدّم معه واحدا من أهم مشروعاته على مدار مشواره الفني، حيث شاركا معا في مسلسل “عائلة ونيس”، الذي استمر للعديد من السنوات، وقدم مردودا تربويا وإنسانيا جيدا، أو الفنان عادل إمام عندما قدم معه فيلم “طيور الظلام” وقيامه بتجسيد شخصية الوزير التي تخطت أهميتها دور الزعيم إمام ذاته مع مرور منتصف الأحداث.

وربما انعكس هذا التماس المبكر لجميل راتب مع العالمية في اختياره “حي الزمالك” ذي الطابع الأوروبي للعيش فيه، ففي الوقت الذي يهرب فيه الكثير من النجوم للعيش في “الكومبوندات” الفاخرة، اختار النجم الكبير العيش في منطقة الزمالك بالقاهرة، بجوار النيل الذي يعتبره شرطا جوهريا لحياته هو شخصيًا.

الثورة والحريات

إرهاقه الصحّي وكبر سنّه لم يمنعاه من الاندماج مع المصريين والشعور بأوجاعهم، فشارك في أحداث الثورة، وله مقولة شهيرة في هذا السياق “سنظل نثور ونثور لو لم نصل للديمقراطية”، كما أنه يشعر بأن الشباب يعيش حالة من الاستسلام واليأس بسبب ضياع أحلامه وعدم تحقيق شيء منها على أرض الواقع.

التجربة الفرنسية العالمية لدى جميل راتب لم تكن مجرد حياة أخرى هرول بها من قيود العائلة التي امتنعت عن إرسال المصروفات له عقب علمها بتركه لدراسة الحقوق، فاضطر للعمل "شيالا" للبضائع ونادلا في مطعم. رغم أن الصحافة الفرنسية كانت تنشر أخباره

وربما كان للتكوين الحر الذي حظي به جميل راتب، ونشأته الليبرالية في مجتمع مفتوح كفرنسا مؤمن بالحريات ومدرك لجوهرها الثري، أثره في قناعته المطلقة بأن الفنان لا بد أن تكون لديه علاقة بالسياسة والمجتمع، ويؤكد أن هذا الأمر ربما وجد طريقه عند بعض المخرجين الذين عمل معهم مثل صلاح أبو سيف، ويوسف شاهين، ويسري نصرالله الذي قدم معه فيلم “جنينة الأسماك”، حيث لا بد للفنان أن يكون مثقفًا في المقام الأول، لأنه يستطيع أن يخلق لذاته تفاصيل تساعده في تقديم شخصياته.

يعتبر راتب أن أهم النجوم الذين يقتربون من مصاف النجوم العالميين هما النجمان الراحلان محمود المليجي ونور الشريف، والممثلتان الكبيرتان سناء جميل ومحسنة توفيق، كما يعتقد أن منة شلبي من الجيل الحالي من أهم فنانات جيلها لكونها مختلفة وتعمل باجتهاد حقيقي وتبحث عن التميز دائمًا.

ربما يبدو الخروج من المحلي إلى العالمي أمرًا طبيعيًا، يحدث على نحو تكراري، والسينما المصرية قدمت أكثر من اسم لامع للعالمية، على نحو ما نرى لدى عمر الشريف، ومن الجيل الحالي سنجد عمرو واكد وخالد النبوي وخالد أبو النجا، والفنانة بسمة.

لكن المدهش هو البدء من العالمية ثم العودة إلى المحلية، وهي عودة تظل محفوفة بمخاطر عدم الشهرة في الداخل، وعدم التحقق، غير أن الإرادة الحقيقية للنجم المصري العالمي المحلي جميل راتب جعلته يعبر المسافات ويقفز فوق حواجز زمنية مختلفة، ليصبح واحدا من أهم فناني مصر، بتاريخه السينمائي والدرامي وأدائه الفريد المتنوع تنوعا خلاقا يليق بممثل كبير لا يزال يحلم بأن الفن قادر على تحرير العالم.

9