جميل محمود الحارس الأمين للتراث الفني السعودي

الموسيقار السعودي أسس مجلسا طربيا يرمم الذائقة، وأصبح مائدة للنقاشات الفنية، وورشة يتداول فيها الحضور الفن تحليلاً ونقداً، وموطناً لبذور ثمار أعمال فنية.
الخميس 2019/12/05
جميل محمود.. أصالة اللحن والكلمة والغناء

لم تقف ألحان هذا الموسيقار السعودي عند عتبة الفنانين السعوديين وحدهم، بل تعدتها إلى فنانين وفنانات عرب، منهم الفنانة اللبنانية هيام يونس، حيث بدأت معه بأغنية سمراء، ليستمر التعاون في ما بينهما، حيث قُدرت الأعمال الفنية التي جمعتهما بثلاثين عملاً فنياً. ونال الفنان وديع الصافي جانباً من ألحانه، وكذلك الفنانة شريفة فاضل، أما نصيب الفنان يحيى لبان فكان أول ألحان الموسيقار لفنان سعودي.

فرض اسمه كإحدى أيقونات الفن السعودي المعاصر، ومرجعاً ثرياً لكل باحث ومؤرخ يُعنى به وبالفن عامة، وغدا قِبلةً لمتذوقي وهواة الاستماع  لفن أصيل، منزوياً ومكتظاً بالغياب حتى افتقده محبوه فوجدوه ماثلاً بكامل أناقته في رحاب مجلسه الفني الأحادي في مكة المكرمة، فكان لهم بمثابة  تذكرة عودة مجانية لأصالة اللحن والكلمة والغناء. إنه جميل محمود.

تقاليد فنية

مسيرته الفنية التي تعود لستين عامًا مضت ما زالت نابضة، فهو مستمر بعطائه مستعيناً بالسوشيال ميديا التي يعتبرها ثورة لمصلحة الغناء
مسيرته الفنية التي تعود لستين عامًا مضت ما زالت نابضة، فهو مستمر بعطائه مستعيناً بالسوشيال ميديا التي يعتبرها ثورة لمصلحة الغناء

المجلس الفني الذي دأب محمود على إحيائه في بيته كل يوم أحد من كل أسبوع، أصبح مشاعاً عند قاطني مكة وخارجها، فجرت الألسن على تسميته “أحادية العم جميل” التي تحضرها أسماء محلية وعربية من فنانين وعازفين ومتذوقين للفن وللتراث من مختلف الأعمار، فلا تخرج فئات مرتاديه عن ثلاث بيَّنها وعدّدها صاحب الأحادية بقوله “إما عازف، أو مغن، أو مستمع، ومن لا يحمل هذه الصفات لا وجود له في المجلس”.

تخطت الأحادية من العمر حاجز التسعة والعشرين عاما، حيث أسسها محمود في العام 1992 لتكون مجلسا طربياً يرمم الذائقة، اكتسى مع الأيام  نعمة الإثراء والفضل، فأصبح مائدة  للنقاشات الفنية، وورشة  يتداول فيها الحضور الفن تحليلاً ونقداً، وموطناً لبذور ثمار أعمال فنية،  فقد سبق غير مرة أن ساهم في بزوغ  اتفاق على عمل فني  بين مغن وشاعر من حاضريه كان له حظ  الظهور.

فكم من أغنية ولِدت من رحم الأحادية، وكم من فنان انضم إلى قافلة الأسماء الفنية المعروفة، بفضل مجلسٍ يُعد منطقة منزوعة من كل شيء إلا من الفن والتراث؛ غناءً وحديثاً وإنتاجا، ليبدو للناظر وكأنه جمعية الثقافة والفنون، والتي تمنى جميل محمود أن تنعم بها مكة، ورجا أن تكون الأحادية تعويضاً لها عن ذلك.

وكون الأحادية مجلساً يُعنى بالطرب وبالفن وبإعادة تدوير التراث، لا يمنع أن تكون له أنظمته التي أرساها صاحبه فغدت سارية على مرتاديه، تقبلوها بكل ترحاب ورضا، وأضحت موضع قبول، فإن صادف دخول شخص أثناء تأدية لأغنية  فيستوجب عليه الجلوس أولاً، وحال انتهائها يبدأ بالسلام على الموجودين ومصافحتهم، ليس هذا وحسب، بل شملت الأنظمة المشاركات الغنائية فأقرت عدد المشاركات بمعدل أغنيتين لكل مغن حتى تتسنى للبقية المشاركة، علاوة على أن الصعود إلى منصة الغناء يرضخ لأولوية حضور المجلس.

الهرم الحجازي

اعتادت الأحادية أن يبدأ محمود الذي يوصف بـ“الهرم الحجازي” وصلته الغنائية فيُسمع الحاضرين ما شاء له أن يختار، محتفظا بمعدل الأغاني التي أُقرّت واعتادها الحضور، يُميز محمود فيها بأن يُذيلها باسم الشاعر والملحن، وهنا نتوقف عند جزئية تستدعي ذكرها لاسيما وأنها تعطينا انطباعاً عن مدى ما يتمتع به محمود من تواضع وبعد عن المباهاة، وما كان يكتنفه من خجل في بداية طريقه الفني، حيث يتجاوز ذكر اسمه كملحن أو كاتب للأغنية، وغالباً ما تجشم في تلك الفترة عناء نسبة كلماته وألحانه إلى اسم مستعار هو “أبو حازم”.

محمود الذي يعتز بأن عمله الأول كان مطوّفا للحجاج في مكة، وخاصة القادمين من جنوب آسيا، يوصف بأنه واحد من الرعيل الثاني للأغنية السعودية وأحد أقطابها مع الفنان الراحل طلال مداح

كان يواظب على حضور تلك الجلسات، وبصفة دائمة، كبار الشعراء الغنائيين، من أمثال الشاعر السعودي الراحل إبراهيم خفاجي وغيره. وكان لها الفضل في أن عرّفت الحضور عن قرب بمدى الثقافة التي ينعم بها الهرم الحجازي وإلمامه ببحور الموسيقى ومقاماتها، الأمر الذي مكنه من التطرق إليها بإسهاب، وبث رؤيته الفنية ونهجه الذي ظل سائراً عليه، حيث كان مناه في حالة توقف الغناء ألا ينقطع المجلس عن الحديث، سواء حول الفن وحول كل ما يختص به أو حول استعراض عمل فني وتفكيكه ومعرفة مقاماته، لاسيما وأن هذا ما كان ينهجه محمود في بداية حياته الفنية وأثناءها، حيث كان يستمع للأغنية، ولا يهدأ له بال إن لم يحللها ويفككها ويعرف البحور الموسيقية التي احتوتها.

يضم المجلس مكتبة حوت الكتب المنوعة التي يدين لها العم جميل بالفضل في إثرائه موسيقياً، حيث عززت فيه ثقافة فنون وأشكال التلحين، علاوة على عدد لا يحصى من الآلات الموسيقية والإيقاعية، وتزين جدرانه بصور تحكي مراحل من حياته العملية والفنية والتي تجمعه بفنانين من داخل المملكة وخارجها.

ويلفت أنظار الحاضرين إلى استماعه المركز الذي يتغشاه أثناء تأدية أحد المشاركين لأغنية ما، فتراه مُسخراً سمعه لأداء الفنان وللعزف الموسيقي وللإيقاعات، فإن لمس اختلالا هب واقفا من مكانه لتعديله وإرجاعه إلى جادة الإتقان، فلا يرضيه ألا تكون المشاركة مكتملة الأداء، بداية من المغني ومروراً ببقية العازفين والإيقاعيين.

ظلال زمخشري

جميل محمود مع الفنان الراحل طلال مداح
جميل محمود مع الفنان الراحل طلال مداح

ولد محمود في مكة عام 1940 في حي “المسفلة” الذي يعد الآن إدارياً ضمن توسعة الحرم المكي الشريف من جهته الجنوبية. وقد عُرف بين أقرانه ومعلميه إبان المرحلة الابتدائية بجمال الصوت، فكان منشد إذاعة المدرسة، إلى أن عرفه الشاعر طاهر زمخشري فأخذه إلى الإذاعة ليلقي الأناشيد، وقد اعتاد في طفولته على الاستماع لأسطوانة غنائية لفناني تلك الفترة فكان يحفظ ما فيها في وقت وجيز.

 تلقى تعليمه في مدرسة تحضير البعثات في مكة المكرمة، والتي استبدل اسمها بالعزيزية، وأكمل فيها مراحل تعليمه، فابتعث إلى القاهرة، وتخرًج برتبة ملازم من كلية الشرطة. كانت بدايته الفنية مع أصعب آلة شرقية، وهي العود، حيث استطاع أن يذلل صعوبة تعلمه خلال أسبوع واحد فقط، وكانت أغنية “خي” للفنان والملحن محمد عبدالوهاب أولى الأغاني التي أجادها عزفاً.

لم يدر بخلد محمود أن يسلك طريق الفن ويغدو معروفا،  فكل ما في الأمر أنه  كان في البداية مجرد هواية استحوذت عليه، وحبا للفن تملك قلبه دون اعتبارات أخرى، فقد كان في بدايات حياته يعمل مطوّفاً  معنياً بحجاج جنوب آسيا في مكة. وكان يمكن لحياته أن تأخذ شكلاً آخر إلّا أن وجوده في المنطقة الشرقية لاحقاً، وتكليفه بإحياء حفلة احتفاء بالملك سعود فتحا له بداية طريق الفن، فكان من ضمن الرعيل الثاني للأغنية السعودية، وأحد أقطابها مع الفنان طلال مداح وعبدالله محمد.

وتر وسمر

فلسفته الفنية قلما تمتع بها أحد من معاصريه، فهو إضافة إلى ذلك يحمل قناعات جعلت من الفن لديه بمثابة الكرامة للنفس، حتى أضحى الفن عنده وردًا يوميًّا، كما يقول
فلسفته الفنية قلما تمتع بها أحد من معاصريه، فهو إضافة إلى ذلك يحمل قناعات جعلت من الفن لديه بمثابة الكرامة للنفس، حتى أضحى الفن عنده وردًا يوميًّا، كما يقول

ارتبط بالموسيقى ارتباط الروح بالروح فحفظ المجسات والمقامات، التي يدين بالفضل فيها إلى محمد جسار، وكما أناخت القاهرة له زمام العود فقبض عليه، فإن بيروت كذلك أناخت له رسن الغناء في الإذاعة السعودية عبر البرنامج الثاني الذي كانت تبثه مدينة جدة حين جمعته الأقدار بمدير الإذاعة آنذاك الراحل فائق غزاوي الذي طلب أن يمد الإذاعة بمنتوجه الغنائي الذي ساهم في بزوغ برنامجه الشهير لصيق ذاكرة المجتمع السعودي “وتر وسمر”، وهو نتاج اقتراح عرض عليه فأبدى موافقته، وتحمل  مسؤوليته كاملة، وكانت بدايته في مطلع عام 1982 وأذيع بشكل أسبوعي استمر لمدة ست سنوات إلى أن توقف دون أن تتوقف لقاءاته بفريقه الذي كان معه في البرنامج وزيارات الفريق المستمرة له.

 وقد حرص محمود على أن يكون البرنامج ذا سمة شرقية، فكان فيه عودان وستة إلى سبعة إيقاعات وخمس كمنجات مع ناي وقيثار وأورغ، هادفاً من ذلك إلى الجمع بين القديم والجديد ليكون في مستوى أذواق الأغلبية إن لم يكن الجميع، مُقرا مهرا لاستضافة أي فنان يرغب في المشاركة فيه أن يغني أغنية من التراث.

 يملك محمود فلسفة فنية قلّما تمتع بها غيره من معاصريه، إضافة إلى قناعات جعلت من الفن لديه بمثابة الكرامة للنفس، حتى أضحى الفن عنده ورداً يومياً مع نفسه وعائلته وأصدقائه، فالغناء يلبسه لباس الفرح العظيم، كما يقول، لاسيما أنه أوجد معايير ثابتة لنفسه في اختيار الأغنية فغدت مقولته “الأغنية التي أستحي أن أُسمعها ابنتي لا أُسمعها لأحد” مقياسا يسير عليه. وكان يحرص على اختيار النص الغنائي السلس ذي الكلمات البسيطة.

المجلس الفني الذي يعقده جميل محمود في بيته يوم الأحد من كل أسبوع، أصبح مشاعًا عند قاطني مكة وخارجها، فجرت الألسن على تسميته "أحادية العم جميل" التي تحضرها أسماء محلية وعربية من فنانين وعازفين ومتذوقين للفن وللتراث من كل الأجيال

ورغم تاريخه الطويل في الفن إلا أنه لم يسهُ، ولم يتجاهل في حال أي حديث رسمي أو عابر حول الأغنية السعودية، عن الإشادة بالذين ساهموا في نشر الأغنية السعودية من الرعيل الأول ومن أربابها، فكان دائم الحديث عنهم معددا أفضالهم على الغناء السعودي ونشره خارج المملكة العربية السعودية.

لم يثنه شيء ولم يثبط عزائمه عائق تجاه الفن والتراث منه خاصة حباً وولاءً وواجباً، فها هو الآن يعكف على تدوين الفن المكي والطائفي وتوثيقه، موجها في ذات اللحظة دعوته إلى المؤرخين الفنيين في مناطق المملكة العربية السعودية كافة لتدوين تراث مناطقهم وإبراز الكنز التراثي الذي تنعم به المملكة، آملا من وزارة الإعلام تخصيص برامج فضائية وإذاعية تعنى بالتراث.

جميل محمود مسيرة فنية معطاءة ثرية، امتدت لستين عاماً، وما زالت نابضة بالحياة. فهو ما زال يمارس مهامه الغنائية، باعثاً الجديد منها، مستعيناً بالسوشيال ميديا والنشر من خلالها، ولطالما شجع على استغلال هذه الثورة التقنية في مصلحة الغناء وحفظ التراث. يلازمه على الدوام الشوق لأحاديته، وفتح فضاء مجلسها الفني، مجسدة  لنا مدى ارتباطه بها مقولته العفوية “نحن نأتي هنا ونجتمع ونسمع الغناء عشان (لأجل أن) نعيش”.

تكليف محمود بإحياء حفلة احتفاء بالملك سعود فتحت له بداية طريق الفن
تكليف محمود بإحياء حفلة احتفاء بالملك سعود فتحت له بداية طريق الفن

 

12