جميل ملاعب فنان لبناني يحتفي بالقدس عبر انطباعيات مونوكرومية

الفنان اللبناني يحرص في لوحاته على أن يكون وفيّا لما يملي عليه العقل وما يرفده القلب من عواطف، فظهرت مدينة القدس لا تطغى عليها إلاّ عروبتها.
الأحد 2018/10/21
جميل ملاعب.. عبر في أعماله عن العنف والاضطهاد الذي تتعرض لهما مدينته القدس

أكثر من 40 سنة في العمل الفني لم تبهت من وهج تعاطي الفنان اللبناني جميل ملاعب مع العالم المحيط به عبر فنه المُتجّدد دوما، وإن بخطى بطيئة وثابتة. هذا هو الانطباع الأول الذي تتركه أعماله المعروضة بمواد مُختلفة في نفس زائري معرضه في صالة “جانين ربيز“ البيروتية تحت عنوان “القدس“، مدينة لم يرها في حياته، ولكن يعشّش وجودها في ثنايا روحه وخياله المبني على مشاهدته لصور وأفلام وثائقية ووثائق مكتوبة عديدة.

تندرج لوحات الفنان اللبناني جميل ملاعب المعروضة حاليا في صالة “جانين ربيز” البيروتية، كما يشير إليها عنوان المعرض الموسوم بـ”القدس”، تحت راية مناجاة مدينة عتيقة/ أصيلة وجديدة عابقة بالحياة. وكما احتشدت في القدس مشاهد لا تحصى ولا تُعدّ من التنوع الديني والتاريخي والاجتماعي، كذلك جاءت لوحات الفنان تصوّر بأسلوبه الفني الخاص ومضات مشرقة حافلة بالتراث العربي والسومري والتركي والفارسي والكنعاني والفينيقي عبر الهندسة المعمارية المتنوعة وتفاصيل الأجواء السائدة في الشوارع، ومن ضمنها انهماك الفلسطينيين بحياتهم اليومية على الرغم من العدوان الإسرائيلي المتواصل.

وفي المعرض ثلاث مجموعات فنية، الأولى، وقد تكون الأهم وهي التي تضم لوحات تغصّ بالتفاصيل النادرة والقليلة، والتي ينضح منها هدوء راق يحيل على قدسية المدينة وقدرتها المُتجددة على تخطي الصعاب.

أما المجموعة الثانية المُنفذة على ألواح خشبية فمشغولة بمسرودات مستوحاة من كتاب الإنجيل والقرآن الكريم وسورة مريم ومشهد للسيد المسيح، وهو يحمل سعف النخيل وتحليق طيور اليمام صعودا ونزولا في الفضاء المُتبقي من اللوحات.

وثمة مشاهد أخرى يجسّدها الفنان، وهي للعنف الذي يتعرض له أهل القدس وفلسطين بشكل عام من تعريض أبنائهم للضرب والقتل وإخراج الأهالي من منازلهم.

وتأتي المجموعة الثالثة، وكأنها على هامش المعرض لتبرز المَقدسيات بجمال سمرتهن وبياض فساتينهن التي تمثل بالنسبة للفنان، وعلى الأغلب لكل زائر للمعرض، السلام والسكينة والحب.

وبدت هذه اللوحات كأنها خارجة مُضاعفة الأحجام من “الأزقة المنمنمة” التي دأب جميل ملاعب على نحتها بريشته وسكينه وأقلام الفحم داخل آفاق اللوحات التي تجسّد المدينة الجليلة المُختزنة لرموز الديانات السماوية الثلاث.

Thumbnail

وحرص الفنان على أن يكون وفيّا لما يملي عليه العقل وما يرفده القلب من عواطف، فظهرت مدينة القدس لا تطغى عليها إلاّ عروبتها، بدا ذلك خاصة في عدة لوحات غلب عليها اللون البني “البّلحي”، إذا صح التعبير، التي (اللوحات) يكاد الناظر إليها يشتهي رائحة التمر والعنب الداكن والقمح الساخن، وهو قيد التحول إلى قوت يومي تبتسم له الشمس كل يوم تظهر فيها لتطل عليه وتتفقّد خابزيه وبائعيه وآكليه.

وكتب ملاعب في ما يُشبه تمهيدا لمعرضه في كُتيب تم توزيعه في المعرض كلمات تشي بالأسلوب الذي كوّن فيه الفنان أساس بنيان لوحاته المُتماسكة في فراغ لا يُرى ولا تدعمه عواميد واضحة الأشكال.

واعتمد أسلوب الومض وتوارد الخواطر وتناثر الأفكار التي لم يربطها مع بعضها البعض إلاّ ما كان يشعر به الفنان لحظة الكتابة، وقال في التمهيد “دائرة أو نصف دائرة لانعكاس شمس الحضارة، معادلة هندسية لعقيدة، لسؤال، لبداية، لعلامة استفهام كونية، لجمالية شكلية، لخطوط مستقيمة، أو منحنية، أو متقاطعة تقاطع الأرض وتألق الشجر والثمر والتراب وفصول الطبيعة.. أنت.. الصوت الذي لا ينقطع عن همس اللحن في أقواس قناطرك ومآذنك وكنائسك وفي ترابط حجر بنيانك مع التاريخ، مع الصراع، مع حروب البقاء.. أنت مُلهمة الشعر واللون.. أنت قدسنا جميعا”.

ويبرز في المعرض أسلوب فني اعتمده جميل ملاعب في بعض لوحاته ومعارضه السابقة، وهو الإقلال من استخدام عدة ألوان في اللوحة الواحدة، حيث جاءت معظم أعماله المعروضة مشغولة بلونين لا أكثر، على الأقل قبيل أن تقترب العين منها لترى تفاصيل لونية “مقموعة” تحت طغيان نبرة لونية واحدة تغسل لوحاته غسلا أو تحلّ عليها سكينة وبردا وسلاما.

ولعل أجمل لوحة في المعرض، والأمر نسبي بالطبع، هي تلك المُشبّعة بلون وردي، لون وردي يُخرج القدس من آنية عذاباتها إلى أفق خلاصها الذي، ومن دون إفراط في الرومانسية، لا بد أن يتم.

ألوان سلام وسكينة
ألوان سلام وسكينة

يبدو ملاعب في لوحاته منسجما مع هذا الرجاء في الخلاص وتلك النظرة الساطعة والحنونة التي يلقيها على المدينة، وتتمظهر هذه النظرة في 4 أو 5 لوحات تطغى عليها ألوان “سكرية” ترطّب من خاطرها المجرّح بالوعود الكاذبة، أو بالوعود التي تهاب أن تُعلن عن ذاتها وعن أصحابها على الملأ.

أما الألوان السكرية فهي اللون الوردي، والأزرق الفاتح، والأبيض، والأصفر الفاتح، ألوان تتكسّر على وسع اللوحة تحت التعاريج الهندسية المُنضبطة لريشته المُشكِلة لهيئات القدس. أما هذا التكسر والتجليخ فهما لا يؤديان إلى انهيار معالم المدينة، بل يجعلانها مُتألقة تحت أدنى أشعة شمس (أو لمسة ريشة)، كما يتألق لوح صاف من جليد سميك ومتشظ مطبوع بلون السماء أو بصبغة أدنى لون حنون ينسكب عليه أثيريا أو ماديا.

وفي مجمل تلك اللوحات التي تبدو مُتشابهة للوهلة الأولى، يبرز المسجد الأقصى ذهبي الحضور والمعنى لـ”تتكاثر” تفاصيل المدينة منه أو من حوله.

والمونوكرومية عريقة في تاريخ الفن وقد استخدمها فنانو التيار الرمزي بكثافة لإضفاء أجواء موسيقية ودلالية غامضة وحميمة وأيضا أثيرية على أعمالهم، وقد استخدموا هذه النزعة التلوينية لتجريد الواقع من ماديته الآنية تماما كما فعل الفنان حين جعل اللون شبه الأحادي يُشكل مدينة ثنائية الأبعاد تختلف عن الواقع الآني الذي تعيشه المدينة.

ودفع بعض الفنانين هذه التقنية التلوينية إلى حد بعيد حينما عمدوا إلى نثر ألوانهم كمشحات تشبّعت بها لوحاتهم، فبدت تحت ستار ضبابي يخفي الحدود بين الأشياء، غير أن الفنان جميل ملاعب لم يعتمد هذه التقنية، بل آثر تصديع ريشته وسكينه بسحر مدينة تجريدية/ روحانية لا تموت.

15