جميل ملاعب لبناني يحفر في الكون بحثا عن الجمال

الأحد 2015/09/06
جميل ملاعب مشغولا برسم ضيوف حديقته

أخيرا تمكن جميل ملاعب من إنجاز حلمه، وهو حلم كل فنان. لقد افتتح متحفه الشخصي في مسقط رأسه بيصور (عالية) بعد خمس سنوات من العمل الدؤوب، استطاع ملاعب خلالها أن يجهّز المكان بكل المستلزمات التي يتطلبها إنشاء متحف.

خمسة عقود من الخلق الفني ضاق بنتاجها المكان المؤلف من ثلاث طبقات، فكان من اللافت أن يضم المتحف أعمالا رسمت قبل خمسين سنة إلى جانب أعمال لم يرها أحد من قبل، ذلك لأنها رسمت قبل وقت قصير. إقامة متحف لفنان ينتمي إلى الجيل الثالث هو حدث مهم من جهة ندرته لا في لبنان وحده بل في العالم العربي كله.

فمَن هو جميل ملاعب، الفنان التي توزعت اهتماماته بين الحفر على الخشب والنحت بالحجر وصناعة لوحات الموزائيك غير أن الرسم بأصباغ الغواش والإكريلك والزيت كان عالمه الأكثر قربا من توقه إلى التقاط تفاصيل الحياة اليومية؟

لم ينس ضيوف حديقته

ولد ملاعب عام 1938 في بلدة بيصور. في تلك البيئة الجبلية نشأ الفنان على حبّ عناصر الطبيعة من تراب وماء وشجر، فكانت صلته بالنباتات التي كانت تحيط منزل أسرته بمثابة تمرين للحواس، وهي تلتقط كائنات الطبيعة التي لم تقتصر على ما تهبه الأرض بل اتسعت لتشمل كل ما يتحرك على تلك الأرض من دجاج وخراف وطيور.

وهو ما تسلل إلى خزانة ذاكرته تحت عنوان شاعري هو “ضيوف الحديقة”، غير أن الحزن هو الآخر كان ضيفا على حياته، وهو ما تسلل إليه من خلال أمّه التي تزوّجت في سن مبكّرة بعد أن فقدت أمها فكان الفقدان هو الشعور الذي ميز علاقة الابن بأمه، لتكسبه الحرب الأهلية التي اختطفت شقيقه وهو في مقتبل العمر قوة القدر الذي لا يمكن الإفلات منه. يقول ملاعب في وصف أمّه “كانت الأيام متشابهة منذ طفولتها وحتى السطر الأخير من حياتها”.

درس ملاعب الفن في معهد الفنون بالجامعة اللبنانية ليكمل دراسته في الجزائر ومن هناك ذهب إلى الولايات المتحدة لينال شهادة الماجستير من معهد برات في بروكلين- نيويورك ومن بعدها شهادة الدكتوراه من جامعة أوهايو. عام 1976 بدأ تدريس الفن في معاهد وكليات مختلفة بلبنان.

أمه الغائبة والحرب الأهلية اللبنانية التي اختطفت شقيقه وهو في مقتبل العمر، تكسبان ملاعب قوة القدر الذي لا يمكن الإفلات منه. يقول في وصف أمه كانت الأيام متشابهة منذ طفولتها وحتى السطر الأخير من حياتها

الفنان الذي التهم معلميه

في كتاب “جميل ملاعب صورة ذاتية” يعترف الفنان بأنه تعلم من الجميع وبالأخص معلميه الذين صاروا في ما بعد زملاء له. بعضهم صار صديقا له. يتذكرهم ويحيل إلى كل واحد منهم الشيء الذي تعلمه منه. يقول “تعلمت التأليف المتين من نظريات عارف الريس وتجاربه وحركة لوحته المملوءة بالتفاصيل والأبعاد الصعبة. وتعلمت من رفيق شرف الحس الوجودي العبثي، وهذا الحزن الذي يأتي من ضربات ريشته السوداء ومن طيوره المشردة الراحلة والمغلوبة على أمرها العابرة إلى المجهول. تعلمت من أمين الباشا عملية الإبقاء على الرسم الأولي في اللوحة وعلاقة الألوان وجماليات هذه العلاقة. ومن ناديا الصيقلي تعلمت العفوية في إهداء اللون للوحة دون استعادة حركته مرة أخرى وأن اللون يصبح تلامسا لا يمكن استرجاعه أبدا”.

تكشف تلك الاعترافات عن نهج أخلاقي، جوهره الوفاء غير أنها على المستوى الفني تقودنا إلى حقيقة أن ملاعب ما كان في إمكانه أن يتحدث عن تأثّره بالآخرين وإن كان أولئك الآخرون معلميه إلا بعد أن صار على يقين من أنه التهم تلك التأثيرات ولم تعد لوحته لتشير إلى أحد سواه. في وقت مبكر من حياته احتل ملاعب الحيز الذي يليق به فنانا متميزا.

رسوم دفاتره تصنع عالما

جميل ملاعب رسام دفاتر. في مختلف مراحل حياته لم يرافقه دفتره الكبير الذي هو عبارة عن الصفحة التي يقيم فيها عالمه الذي غالبا ما يستعين على قهر العالم بقوة جماله الريفي.

في نيويورك كان يحلم ليرسم الحديقة بضيوفها. أما دفاتر الحرب الأهلية فقد كانت اختبارا لتقنية الحفر التي سكنت خياله، فكانت يده تنتقل بين الأسود والأبيض لتتماهى مع روح المأساة التي كانت تتجول بين الأزقة وهي لا تكتفي باستهلاك ما يظهر من مادتها. كان يرسم كمن ينقّب بحثا عن المجهول، وهو ما يفعله الحفار في أسمى حالاته.

لم تكن رسوم ملاعب في دفاتره مصغرات تمهد لأعمال كبيرة. كانت تلك الرسوم أعمالا نهائية، لم يخف الفنان عنها أيّ انفعال من انفعالاته. كانت صورته في اللحظة التي رسمها فيها، لذلك يمكن النظر إليها من جهة كونها عالما حيا متكاملا وليست مجرد تمارين على الإلهام البصري. ومع ذلك فإن ملاعب لا يخفي رغبته في اللعب. يلعب بمرح بمفرداته كما يلعب بتقنياته. إنه يزاوج بين عوالم مختلفة كما لو أنه يرسم صورا متعددة في صورة واحدة.

رسوم ملاعب تبدو أعمالا نهائية في دفاتره

ملاعب رسام يوميات. يقبل على الرسم لأنه يتيح له نوعا من الكتابة البصرية. إنه يكتب بصريا ما يفكر فيه. لا يفضل أن يكون كاتبا. لغته تسمح له في أن يقترب من الموسيقى أكثر.

شفافية النظر

بالرغم من تنوع انشغالاته الفنية فهو رسام ونحات في الوقت نفسه، غير أنه لا يكون مثلما يحب إلا حين يكون حفارا. تقنية الغرافيك تسحره. هناك يجد نفسه كائنا معذّبا يقف أمام نتائج جمالية مجهولة.

يريحه أن يكون كذلك. يقول “أنا أحب الشغل بتقنيات الحفر. تتعبني كثيرا. هذا صحيح. الصحيح أنني أستمتع بالشغل عليها لأنها أعمال تشبه بناء الكائن. شيء يتجسد بين يديك. أحفر وأضغط ما حفرته باليد. لن تصرع عملية عملية ثانية، ذلك أن العمل بالحفر يشبه التنفس، بصيرورة تشبه تعاضد الأعضاء والحواس في مهمة لا تقود إلى تصوير التشكيل بالمزايا، بل تقود إلى تصويره بالحب”.

سيكون عليه دائما أن يتحدث عن لذته في العمل، فهو رسام لذائذي. لذلك يفضل الغرافيك بالرغم من انغماسه بالرسم بالأصباغ المائية. الحفر يمنحه وقتا للمتعة هو أكثر سعة. يخطط خياليا. يحفر واقعيا وبطريقة معكوسة مثلما تفعل المرآة ثم ينتظر النتائج. يصبر ملاعب مثل أيّ حفار آخر على متعته.

رسومه ستبهره مثلما تبهر مشاهدا لم يكن معنيا بما يجري. صلته بالخشب الذي يحفر عليه رسومه تعيده إلى حديقة طفولته. لا يزال هنالك شيء نابت منه في اللحظة التي صارت تنأى بعيدا. سيعيده الرسم إليها. إنه يحفر بحثا عن لقيته.

أقام جميل ملاعب أحد معارضه تحت عنوان “عاريات” وكان ذلك في صالة جانين أربيز ببيروت. لم يكن ذلك العنوان إلا مجازا. نساء ملاعب لم يكنّ في حاجة إلى العري ليكنّ عاريات. كل امرأة رسمها كانت عارية وإن ارتدت كامل ملابسها.

هناك شفافية في النظر تلهم العري وإن لم يكن متاحا بصريا. يرسم ملاعب نساءه بقوة وحيه. يستحضرهن من الأسطورة التي تحيط بهن. الريفيات اللواتي ينافس جمالهن جمال الموناليزا هن مادة حلمه. ستشرق رسومه بعريهن الكامن. من خلالهن يتذكر درسه الأول في الرسم.

حياته التي تعلّم من خلالها الرسم. لم يكن العري ضالته، غير أنه انتهى إليه باعتباره ضالة حياة مؤجلة. كانت متعة الرسم قد وهبته القدرة على اكتشاف عري الأشياء وفي المقدمة كان عري المرأة سببا للرسم. في كل مرة يرسم فيها جميل ملاعب يفصح عن ذريعة للرسم لم تكن موجودة سابقا.
10