"جنائن الشرق الملتهبة" سفر الذات عبر مدائن الآخر

تعد كتب الرحلات من أهم المنابع التاريخية والجغرافية والاجتماعية، وهي تنضوي تحت نوع من الأدب الذي ينقل فيه الكاتب ما صادفه من مغامرات شيّقة أثناء رحلته إلى بلد ما، وهو في ذلك يعتمد على التصوير المباشر، مما يجعل قراءة مثل هذه الكتب ممتعة ومسلية وغنية وذات فائدة كبرى، هذا بالإضافة إلى ما يتضمنه أدب الرحلة من معلومات وحقائق نابعة من ممارسات ملموسة ومشاهدات عينية.
الأربعاء 2016/05/25
سفر في الذاكرة والمكان

تنضافُ رحلة “جنائن الشرق الملتهبة- رحلة في بلاد الصقالبة”، للكاتب والصحافي الجزائري سعيد خطيبي التي خصصها لأرض الصقالبة (بلغة ابن فضلان) أو البلدان السلافية وأوكرانيا، إلى المنجز الرحلي العربي الذي حقق تراكما نوعيا في السنوات الأخيرة، ساهمت فيه ثلة من الكتاب من حقول أدبية ومعرفية مختلفة.

وأكد على راهنية النص الرحلي وانفتاحه المستمر وقدرته على مواكبة التحولات والمستجدات التي يعرفها العالم على المستوى التقني والمعرفي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي وما تطرحه من أسئلة حول الهوية والتاريخ والجغرافيا والأحوال والمصائر. الأمر الذي يمنح النص الرحلي دينامية متواصلة منفتحة على تجدّد أشكال السفر وظروفه وشروطه، وكذلك الرؤى الفنية والمعرفية للمرتحلين.

سياق حساس

ينطلق سعيد خطيبي في كتابه، الصادر ضمن مشروع ارتياد الآفاق بين المؤسسة العربية للدراسات والنشر والمركز العربي للأدب الجغرافي عن دار السويدي في أبوظبي من تصور يعبّر عنه في بداية محكي رحلته وفي نهايته، ويكشف لنا عن وعيه بخصوصية النص الرحلي باعتباره مرآة ينظر فيها المرتحل إلى ذاته عبر النظر إلى الآخر. وقد تمثّل في النظر إلى السفر لكونه عودة إلى الذات، فعلى الرغم من أننا نسافر إلى الخارج إلا أننا في الواقع نسافر إلى دواخلنا، ليس من أجل تغيير الأماكن وإنما من أجل تغيير الأفكار على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي إيبوليت تاين “تغيير أفكارنا حول عالمنا الخاص وعالم الآخر أيضا وتجاوز الكثير من الأوهام والتصورات الخاطئة والأحكام الجاهزة”.

لقد تمّت هذه الرحلة في سياق عربي ودولي مشوب بتحولات كبرى متمثلة في الربيع العربي وتداعياته الإيجابية والسلبية وما يعد به من تحولات وآمال كبرى في التغيير بالنسبة إلى المنطقة العربية، بعد أن ركنت لعقود من الزمن إلى الجمود والاستبداد.

ومن المصادفة أن هذه الرحلة كانت بدورها في بلدان عرفت وتعرف تحولات سياسية واقتصادية إيجابية أبعدتها عن ماضيها وقرّبتها من العالم الرأسمالي، أعقبت ما شهدتْه من حروب وتوترات وخسائر بشرية واقتصادية وعمرانية، دون أن يغفل الكاتب عن تسليط الضوء على تداعياتها السلبية، ووضع اليد على بعض إيجابياتها مقارنة مع واقع الأنا الجمعية للرحالة سعيد خطيبي بجميع نواحيه.
الرحلة تمت في سياق عربي ودولي مشوب بتحولات كبرى متمثلة في الربيع العربي وتداعياته الإيجابية والسلبية
وقد حاول الكاتب بحسّه الصحافي في الكثير من محطات رحلته، تلمّس آثار تلك التحولات على الصعيدين العمراني والاقتصادي للمدن التي كانت محطات لرحلته والكشف عن انعكاسات ذلك على المستويين النفسي والاجتماعي لسكانها، ساعيا إلى الاقتراب من الناس بُغية الكشف عن تطلعاتهم وآمالهم وأيضا مدى تأثير ما يعيشونه من أحداث مُفجعة على نفسياتهم وبشكل خاص في البوسنة.

ويتسلل سعيد خطيبي، انسجاما مع الحس الاستطلاعي للكاتب الصحافي، إلى ما وراء ما يظهر في المدن للوهلة الأولى، ليكشف عن جوانبها الخفية التي عادة لا ينتبه إليها السياح الذين تشدّهم الواجهات، وذلك بكشف الحُجب المزيفة للمدن والتوغل في واقعها وواقع حياة سكانها البسطاء. كما يحرص سعيد خطيبي في مشاهداته للمدن على الاطلاع على أهم معالمها المشكلة لهويتها كالمتاحف والمكتبات ودور العبادة والجسور والقلاع، مبرزا ما شهدتْه من تحولات وكيف اتخذت أدوارا جديدة على إثر ما طال المنطقة من تحولات، مثل تحوّل بعض دُور العبادة إلى نقاط جذب سياحي لا ديني.

عوامل مشتركة

لم يفوّت الكاتب إبراز ما يميّز البلدان السلافية من توترات وتصادمات في ما بينها، تظهر في مواقف بعضها من بعض، كمحاولة سلوفينيا بعد انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي قطع صلاتها بيوغوسلافيا، وكيف ينعكس ذلك على الرحّالة سعيد خطيبي وانفعالاته، إذ يقع في مواقف محرجة خصوصا عندما ينتقل من بلد إلى آخر.

وبما أن سعيد خطيبي قادم من منطقة ساخنة بربيعها العربي المفاجئ إلى منطقة أخرى، كانت ولا تزال مُلتهبة بتداعيات تحولاتها في نهاية القرن الماضي بالنسبة إلى بلدان يوغوسلافيا السابقة (سلوفينيا وكرواتيا والبوسنة وصربيا)، بالإضافة إلى التحولات الجارية في أوكرانيا وسعيِها إلى التخلص من القبضة الروسية والالتحاق بالاتحاد الأوروبي، فقد وجد الكاتب نفسه يرصد العديد من التقاطعات والاختلافات بين هذه البلدان وبين العالم العربي عموما وبلده الجزائر خاصة، منطلقا من وجود اختلافات وميزات مشتركة بينها يتوقّف عندها في مشاهد وأحداث ومواقف كثيرة في الرحلة.

رحالة قادم من منطقة ساخنة بربيعها العربي الدامي

ونلاحظ بالملموس أن الرحالة سعيد خطيبي رغم انتقاله إلى بيئة غير عربية، فإن العالم العربي ظل حاضرا وينتقل معه بعيوبه ومشاكله وهمومه وخصوصا بلده الجزائر في كل محطات الرحلة، انسجاما مع تصور الكاتب للرحلة على أنها خروج من الذات للقاء الآخر وعودة للذات، فهي رحلة إلى الذات عبر مرآة الآخر.

ويتجلى ذلك في مواقف مقارنة بين الأنا والآخر في ما التقطه الكاتب من مشاهد ومواقف وأحداث وما ولّدته فيه من انفعالات سلبية في أغلبها. ويبدو أن المُقارنة اضطّلعت بثلاثة أدوار في رحلة خطيبي وهي: أولا تقريب المكان من ذهن القارئ، ثانيا إبراز الاختلاف والتصادم بين الأنا والآخر (وهو يعبّر عن موقفه من الأنا وإدانة لما يوجد فيها من أمور سلبية مقابل تثمين ما يتوفّر عليه الآخر من جوانب إيجابية عايشها وشاهدها على مستوى المواقف والسلوكات والمنجزات اللافتة لانتباه الرحالة خطيبي، والتي يُعدم وجود نظيرها لدى الأنا، بل يصل إلى اعتبار وجودها في العالم العربي في عداد الأمور بعيدة التحقق).

وثالثا رصد المشترك بين الأنا والغير: ويبرز ذلك في نقطتين، الأولى مرتبطة بالتاريخ ويتعلق ذلك بخضوع هذه البلدان للحكم العثماني شأنها شأن جل الدول العربية وانعكاسات ذلك على اللغة والهوية والعادات والثقافة بشكل عام، والثانية، متعلّقة برصد المشترك السلبي في حاضرها الذي يوحّد بين ما يوجد في هذه البلدان وما يوجد في العالم العربي من نقط التقاء سلبية تخص أساسا طريقة التعامل وكذلك تهيئة المدن وفي الطباع والعادات وغيرها.

كما لفت انتباه سعيد خطيبي اختلاف قصر تيتو عن قصور الزعماء العرب، والذي كسّر كل ما كان يحمِله الكاتب من تصورات مسبقة، واهتمام الزعيم تيتو بالقراءة مقارنة مع الزعماء العرب وهو ما كان صادما بالنسبة إلى الكاتب، كما استرعت انتباهه نظافة أسواقهم مقابل فوضى أسواقنا العربية، بالإضافة إلى اهتمام السلوفينيين بمعالمهم الأثرية مقارنة مع لامبالاة وإهمال الأنا لها.

وقد أمكن لسعيد خطيبي ذلك بفضل اطلاعه الواسع ومعرفته بتاريخ المنطقة وبأهم كتابها المترجمين إلى الفرنسية خاصة بعد اطلاعه على بعض ما كتبه فرنسيون وعرب عنها، إذ جاءت الرحلة طافحة بفيض من المعلومات الكثيرة التي قدمها عنها اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، مؤكدا أن المرئي والمرصود أثناء فعل الرحلة والانتقال لا يكتملان ولا يتم استيعابهما والنظر إليهما إلا بما توفّر للكاتب من قراءاته السابقة وكذلك أسفاره، أي عُدته المعرفية، فهو يجمع بين السفر والقراءة بل

ويتعلق الأمر بسفرين: سفر في ذاكرته القرائية والرحلية وما تستدعيه من معلومات ومشاهد وصور متباعدة في ذاكرته، وسفر في المكان.

14