جنائن دجلة

الأحد 2015/06/21
توغلت بخطى وجلة لكنني حالما شعرت بالاطمئنان

كانت الخمرة اللاهثة قد صعدت إلى رأسي مثل دبيب نمل بطيء الحركة إثر خروجي من الحانة في تلك الليلة. لم تكن لديّ أيّ رغبة في الذهاب إلى منزلي. والليل أصبح صديقا أليفا في تلك اللحظة. أثناء تجولي جذبني منظر رؤية نهر دجلة الذي لم يكن بعيدا عن مكان الحانة أو هكذا خيل إليّ.

حدقت من الكوة المحفورة في الجدار المعمل من الشارع، فظهر لي النهر كبحر هائج يحثني على السير نحوه. توغلت بخطى وجلة لكنني حالما شعرت بالاطمئنان عندما رأيت الأضوية الخافتة تنعكس على صفحة النهر وتحدث أشكالا هندسية ممتعة للنظر حيث بدأ سرب من النوارس يخفق بأجنحته ملامسا صفحة المياه الساكنة، محدثا كجسد واحد، أمواجا خافتة بطيئة.

في ظهر المباني المطلة على النهر، ثمة شرفات منخفضة تقطعها حديدة صدئة محدثة تجويفا بمحاذاة الشاطئ، تستندها أعمدة كونكريتية ضخمة من الأسفل، تكونت الشرفة على شكل غرفة مطلقة. من ذلك التجويف، خرج فجأة رجل كث اللحية، جاحظ العينين، منحني الظهر، واضعا ذراعيه خلف ظهره في محاولة لإسناد هامته المعوجة نوعا ما، وقف برهة يرسل نظره صوب النهر.

تقدمت نحوه بحذر، حابسا أنفاسي لا تطلع إلى تجاعيد وجهه الغامضة. آنذاك رفع رأسه ورمقني بنظرات عدائية، فتبينت من ملامح وجهه بأنه شيخ طاعن في السن، له ملامح مزيج من الهندي والآسيوي. لم ينبس بكلمة، فتراجعت إلى الوراء قليلا، تخيلته أصما لذا لوحت له بيدي معبرا عن التحية لكنه سرعان ما استدار نحو غرفته معبرا عن قرفه.

فكرت بمغادرة الفناء لكني انتظرت محدقا بالنهر الساكن والمصابيح الخافتة المتألقة مندفعا بحالة حب الفضول السيئة. ولكي أصحو من تعاويذ الخمرة اللعينة، نزلت إلى النهر، وضربت وجهي برشقات من الماء البارد.

كان الصمت يغطي الفناء فيما عدا صوت تبول بعض السكارى محدثا صوتا يشبه جريان المزاريب وقت هطول المطر.

غمرتني الفرحة فجأة حين رأيته يخرج من جحره مرة ثانية حاملا صحنا يريد أن يغسله في النهر كما يبدو. بعد أن قام بذلك انحنى يجمع بعض القناني الطافية. ألقيت نظرة على مخبأه غاصا بالقناني والأسمال والأدوات المهملة. كنت أعتقد بأني سببت له بعض الآلام من خلال مراقبتي له، تمنيت لو أكون قادرا على استئجار غرفة له.

تساءلت في نفسي:

- ماذا يحصل لو تقذف الأمواج المعتوهة غرفته وقت الفيضان؟

ازداد فضولي لمعرفته. قصدت مخبأه وقلت له دون تردد:

- يا حاج.. ألا تخاف أن يأتي الفيضان ويحتاج غرفتك؟

- رفع رأسه، ونظر إليّ باستغراب. بعدها أخفى رأسه وانهمك يغلي الشاي في إبريق صدئ.

وقال بنبرة ساخرة:

- الفيضان؟!

قلت له:

- أجل.. الفيضان. دجلة تفيض ثلاث مرات في العام.

لكني استدركت الأمر وقلت في نفسي:

- ربما يعرف الحاج مواعيد فيضان دجلة، ويهجر غرفته.

تمتم بكلمات مبهمة كمن يتحدث مع نفسه:

- دجلة لم يفض سوى مرة واحدة!

- مرة واحدة!

- أجل

- متى؟

هز رأسه ضاحكا.

ثم تمتم بكلمات مبهمة:

-تسألني متى؟

-………

- حين سبح فيه المغول!

ثم نظر إليّ بتحد قائلا:

- جدي مات في ذلك الفيضان!

شعرت بشيء من ركاكة في لغته العربية تدل على أنه تعلمها في عمر متأخر.

قلت له:

-ومن هو جدك؟

قهقه..

- الحاج القوقازي.. ألا تعرفه؟!

ثم انطلق كمن يهذي خالطا التواريخ والأرقام ومتنقلا من عصر إلى آخر..

كان ذلك في العشرينات. لا أدري من هذا القرن أو من القرن الماضي. حاج من القوقاز. أزرق العينين، أشعث الشعر، جاء إلى بغداد وعاش مع عائلته الثرية.

كان نوعا من الحارس الذي يتنكب بندقيته ويهتم بتنظيم حديقة البلاط الملكي التي تطل على ضفاف دجلة.

صمت قليلا.. ثم أضاف:

ذات ظهيرة، وقت القيلولة. تراخت أجفانه على ضفاف دجلة يتخيل جنائنها. وما بين الحلم واليقظة، لمح شخصا يركب سلة من القش. نظر إلى السماء لحظة.

شعر بأن ثمة خطرا يحدق به. قد يأتي ذلك الشخص ليقتله. لم يكن له سوى عدو واحد يتربص به وهو حاج هندي. وأصدقاؤه هم أبناؤه.. يأتون لزيارته مرة في العام.. يفترشون الأرض أياما وليالي الزيارة في الأماكن المقدسة.

تناول سيجارة، وواصل الحديث وأنا أصغي إليه بشغف:

-أتعلم أنه كان محصّنا من كل الأخطار. فقد قطع بأصابعه قطعة من الحجر الأسود من الكعبة لتدفع عنه كل أذى لكن صاحب سلة القش.. أي الحاج الهندي كان يتقدم. وحين شعر بالخطر، صوب بندقيته نحوه. عندما انطلقت الطلقة كانت فوهة بندقيته تلامس صفحة الماء. مد يده إلى صدره، شعر بدم يخرج منه بينما راح الماء الهادر يجذبه إلى القاع وهو يرسل نظراته إلى السماء الزرقاء.. والنوارس البيضاء.. هل أصابت الطلقة قلبه؟! لا أحد يدري!

- لمعت الدموع في عينيه.

- قلت في نفسي:

- أيأتون من القوقاز إلى بغداد ليصبحوا حجاجا..

ونبقى نحن سكان هذه المدينة جاحدون؟!

ثم صرخت حين صعدت الخمرة إلى رأسي:

- اللعنة عليك يا بغداد.. صانعة المغول!

وحين خرجت إلى الشارع مخلفا ورائي فيضانا كاملا من الكلمات، دخلت إحدى الحانات القريبة، فوجدت صديقا لي. لم أحتمل أن أكتم في صدري ما رواه لي الحاج القوقازي عن مقتل جده أو ربما انتحاره.. وحين انتهيت من سردي ضحك مني قائلا:

-أما زلت تؤمن بجنائن دجلة؟!

قلت له:

- أنا لا أؤمن بشيء.. إنه الحاج القوقازي.

سألني بدهشة:

أما يزال الحاج القوقازي يعيش تحت الشرفة لحد الآن؟

- أجل.. قابلته قبل قليل.

وفجأة مسكني من ذراعي، وقال لي بجدية باردة.

- أنصحك بأن تتخلى عن شرب الخمرة لأن الحاج القوقازي عاش في القرن الماضي عندما كانت لدجلة جنائن.. وبغداد قبلة الحجاج!

13