"جنرالات" الجزائر.. تصفية حسابات أم تبرئة ذمة في أرذل العمر

السبت 2013/11/02
الرئيس الجزائري خلال حضور جنازة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد

رغم استحسان الفكرة من طرف الجزائريين باعتبارها تكشف عن بعض الخفايا والأسرار، التي لا زالت محل فضول لتفكيك ألغازها. إلا أن "موضة" كتابة المذكرات في الجزائر من طرف العديد من الشخصيات الفاعلة في مختلف مراحل الاستقلال الوطني، لم تعد محل ثقة لأنها في النهاية هي نوع من الكتابة للبعيد عن التاريخ القريب من الأنا. وبالتالي فإن الحقيقة المطلوبة تبقى نسبية.

من خالد نزار إلى الشاذلي بن جديد، ومرورا بطاهر زبيري وطالب الإبراهيمي وعلي هارون. لم يحدث أن تكلم أحد، في مذكّراته، بصيغة "أنا أخطأت في هذه المسألة أو في ذلك الموضوع، أو على الأقل دفعت لارتكاب الخطإ". بل ظهر كتّاب المذكرات في صورة الأبطال الذين ترجلوا عن صهوة جيادهم، والآخرون هم المذنبون في حق الشعب والوطن. لكن المؤكد أن قراءة متأنية في تلك المذكرات، تكشف بوضوح صراع العصب النافذة على السلطة، وتجاذب التيارات الفكرية والإيديولوجية الذي يعود إلى سنوات ثورة التحرير، ولا سيما بين ذلك المرتبط بجسور المشرق حضارة وروحا، وبين المتشبع بروح الغرب. فقد عاشت الجزائر بسبب ذلك إخفاقات وانتكاسات، لأن المتصارعين يعتقدون بأن الحل يكمن في تخلص هذا الطرف من ذاك، بدل اعتبار الجزائر سقفا يأوي الجميع ولا مناص من تعايش الجميع.

علي هارون: الجيش أنقذ الجزائر


لعل أبرز مرحلة في تاريخ الجزائر الحديث، تلك التي أعقبت توقيف المسار الانتخابي في العام 1991 والتي اكتسحتها آنذاك جبهة الإنقاذ الإسلامية. ولا زالت وجهات النظر متضاربة بين من يعتبرون سلوك المؤسسة العسكرية انقلابا على الشرعية الشعبية، وبين من يعتبرون أن تدخل الجيش كان من أجل إنقاذ البلاد من مشروع ظلامي.

في هذا الصدد يقول علي هارون، أحد أعضاء مجلس الدولة، وهي السلطة التي خلفت الرئيس الشاذلي بن جديد، بعد توقيف المسار الانتخابي. في كتابه الصادر مؤخرا بعنوان "الجدار"، عن دار القصبة للنشر، إن قرار المؤسسة العسكرية جاء "لإنقاذ البلاد من مشروع ظلامي استبدادي". ويؤكد أن "التهويل لفّ سنوات الأزمة ويجزم بأن عدد الضحايا لم يتجاوز 80 ألف ضحية، بدل 200 ألف ضحية التي يروّج لها في مختلف الدوائر الرسمية وغير الرسمية".

علي هارون، الشخصية التاريخية الثورية، والوزير وعضو مجلس الدولة، هو أحد الرموز المعروفة بخصومتها للإسلام السياسي في الجزائر، حيث جاهر بمواقفه المعادية لجبهة الإنقاذ في مطلع التسعينات، وكان من المتحمسين لتدخل العسكر من أجل وقف المسار الانتخابي آنذاك.

واضطلع بعدة مناصب في هرم السلطة في عز الأزمة. ولازال على مواقفه وقناعاته مدافعا وصامدا. وهي المواقف والقناعات التي استعرضها في مؤلفه الأخير الموسوم بـ"الجدار"، الذي يعود فيه، إلى فترة حاسمة من تاريخ الجزائر الحديث، وهي مرحلة إلغاء الانتخابات البرلمانية في يناير 1992، التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وهو المنعرج الذي لم يكن في حسابات الطبقة السياسية في ذلك الوقت، ولا حتى التحوّل التراجيدي للأحداث بعد ذلك، الأمر الذي كلّف الجزائر بعد عشرية من الدم ما يقارب 200 ألف قتيل. ويصرّ علي هارون، على أنّ هذا الرقم مبالغ فيه، على أساس أنه شغل أيضا في تلك الفترة، حقيبة وزارة حقوق الإنسان، ومن خلال التقارير التي كانت تصله عن الضحايا وأسمائهم، فإنّ عدد ضحايا العشرية السوداء لم يتجاوز 80 ألف قتيل في أسوإ الأحوال.

وعلى مدار 12 فصلا، يستعرض علي هارون، جملة من القضايا السياسية التي اتّسمت بها تلك الفترة، بداية من استقالة الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، وهنا يجيب هارون عن سؤال لطالما طُرح حول تلك الاستقالة، مفاده هل استقال الشاذلي أم أُقيل من قبل العسكر؟.. عندما يعتبر أنّ الشاذلي، استقال بمحض إرادته، ولم يتعرض لأية ضغوطات، ودليل هارون في تأكيد ذلك هو رسالة الاستقالة التي بعث بها الرئيس الشاذلي بن جديد، بتاريخ 11 يناير 1992، إلى رئيس المجلس الدستوري يومها السيد بن حبيلس، وممّا جاء فيها "نحن اليوم نعيش في الممارسة الديمقراطية التعددية، وتتميز بالعديد من التجاوزات..، ونظرا لهذه التطورات الخطيرة، لقد تمّ التفكير في الأزمة والحلول الممكنة، وأعتقد أن الحل الوحيد للأزمة الحالية يكمن في ضرورة الانسحاب من المشهد السياسي، أنا من هذا اليوم مستقيل من مهامي بصفتي رئيسا للجمهورية".

الشاذلي استقال ولم يقل


أكد هارون أنّ الشاذلي، لم يتطرق إلى هذه النقطة، كما يليق برجل دولة، وقال إنه ظل صامتا، رافضا الدخول في جدل حول أحداث رحيله، والتخلّص المزعوم منه بعد تسع سنوات، وقال إنه تحدث لأول مرة، مؤكدا أن لا أحد أجبره على التخلي عن منصبه، وأن انسحابه الطوعي كان يرى فيه إمكانية فتح حل للأزمة التي بدأت بوادرها يومئذ بين الخصوم السياسيين.

علي هارون:"الشاذلي بن جديد استقال برغبته ولم يقل واستقالته حفظت الحريات الجمهورية التي كانت مهددة من طرف دكتاتورية القوى الظلامية"

وأشار للدلالة على أنّ الشاذلي بن جديد استقال بإرادة حرة، إلى الحوار الذي أُجري مع الشاذلي سنة 2009، من طرف باحثين يابانيين هما ماساتوشي واتانابي شوكو، وأعادت بعض الصحف المحلية والدولية نشره، والذي أكّد فيه بن جديد، أنه تخلى عن منصبه كرئيس من دون ضغوط، وأنّ من يدّعون أنّه تمّت عملية انقلاب عليه، فهذا غير صحيح. ومن الأدلة التي يوردها علي هارون، أيضا أنّ الشاذلي استقال، وأنّ استقالته حفظت الحريات الجمهورية التي كانت مهددة من طرف دكتاتورية القوى الظلامية، قوله بأنه لو كان هناك انقلاب على الشاذلي مثلما يدّعي البعض، لتمّ تجريده من ممتلكاته أو نفيه أو سجنه إن لم تتم تصفيته، وهذه هي التصرفات التي يقوم بها الانقلابيون عادة، لكن الذي حدث أنّ الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، لم يتعرض لأيّ مكروه مما سبق ذكره، حيث احتفظ بممتلكاته وبقي محترما في إقامته، أكثر من ذلك يقول علي هارون، بأنّ الشاذلي لما مرض ذهب إلى بلجيكا لتلقي العلاج، ولم يستغل فرصة تواجده بالخارج للتنديد بالانقلاب، وعاد بسلام إلى بلاده بعد رحلة العلاج تلك. ويضيف علي هارون، إلى هذا كلّه مسألة أخرى وهي التذكير بتاريخ 19 يونيو- حزيران 1965، الذي يعتبره "انقلابا حقيقيا" سُمي بسخرية "تصحيحا ثوريا"، تمّ فيه سجن المنقلب عليه الرئيس الأسبق أحمد بن بلّة، في إقامة جبرية طيلة حياة من قام بالانقلاب، وهو الرئيس الأسبق هواري بومدين. وهنا يتساءل هارون أيضا، هل يمكن وصف إعلان 14 يناير بالانقلاب، وقد حدّد الإعلان المذكور فترة الهيئة الانتقالية بسنتين. وفي هذا الصدد يؤكد مؤلف كتاب "الجدار" أنّ الأمثلة قليلة في التاريخ التي يحدّد فيها الدكتاتوريون مسبقا فترة لحكمهم عندما يقومون بالانقلاب، وهذا ما يعزز ـ حسب المؤلف ـ فكرة أنّ ما حدث في الجزائر لم يكن انقلابا، وأنّ إعلان المجلس الأعلى للأمن، في الواقع جنّب الجزائر قيام دولة أصولية وصان مبادئ الجمهورية.

اغتيال بوضياف.. "الحلم المغتال"


يستعرض علي هارون في كتابه مختلف المواقف التي ميزت ما أسماها "الفئات الثلاثة": الجبهة الإسلامية للإنقاذ (الفيس)، وجبهة التحرير الوطني (الأفلان)، وجبهة القوى الاشتراكية (الأفافاس)؛من استقالة الشاذلي، وتوقيف المسار الانتخابي، كما يُسهب في استعراض آليات عمل المجلس الأعلى للدولة، ويُخصّص المؤلف فصلا كاملا لـ"الطيّب الوطني"، المرحوم محمد بوضياف، استعرض فيه جوانب من حياته، وفصلا آخر تحت عنوان "الحلم المغتال" تناول فيه حادثة اغتيال بوضياف الشهيرة في مدينة عنابة، بدأه بالجملة التالية "لا بدّ من مؤامرة واسعة لاغتيال رجل كبير"، ثم يطرح في السياق ذاته، من له مصلحة في هذا الاغتيال؟ ومن خلال محاولة الإجابة عن هذا السؤال يواصل المؤلف القول بأن الغالبية من الجزائريين رأوا في الاغتيال مؤامرة خططت لها المافيا "السياسية والمالية".

في هذا الخصوص يؤكد علي هارون، تحت عنوان فرعي "مؤامرة أم فعل معزول؟" بأن مصداقية فرضية الفعل المعزول الذي قام به بومعرافي، الذي كان ضحية "غسيل مخ"، تبقى قليلة بالنظر إلى القناعة الراسخة لدى الرأي العام الوطني، بفرضية المؤامرة التي وجب الكشف عن كل من وقف وراءها، أما بخصوص الرحيل التراجيدي للمرحوم بوضياف، فوصفه مؤلف الكتاب بكونه "الجرح الذي لم يندمل"..، وأنّ من وقفوا وراءه ما زالوا لم يُكتشفوا إلى يومنا هذا، ويورد بعض الأمثلة المشابهة في التاريخ الحديث التي لم يُكتشف مقترفوها إلى حد الآن، كحوادث اغتيال مهدي بن بركة وأولف بالم وجون كينيدي ومارتن لوثر كينغ..

وتوقف عند الأوضاع الأمنية في تلك السنوات، وكيف استدعت خطوة الحوار الوطني، وكذلك ندوة الوفاق؛ وعلى مدار هذه الفصول يُسائل الكاتب بعض المواد القانونية وبعض الخطوات المتّخذة، ليختم في النهاية كتابه بفصل أخير تحت عنوان "المجلس الأعلى للدولة يغادر المشهد"، تناول فيه الأجواء التي ميّزت الساحة السياسية في ذلك الوقت، ومواقف مختلف القوى السياسية.

طالب الإبراهيمي: مسؤولية السلطة


أحمد طالب الإبراهيمي، نجل الشيخ البشير الإبراهيمي، هو كذلك شخصية تاريخية وثورية، ديبلوماسي ووزير إبان الاستقلال، ومتشبع بثوابت العروبة والإسلام، وكان أحد مرشحي الانتخابات الرئاسية في العام 1999، قبل أن ينسحب رفقة الخمسة الآخرين من السباق في آخر لحظة، بسبب انحياز الإدارة والجيش لبوتفليقة. وقيل عنه حينها إنه الرجل الذي سيعيد الزخم الشعبي لجبهة الإنقاذ إلى الشارع، بسبب التفاف فئات عريضة حوله أثناء ذلك الاستحقاق.

يمكن لمتابع هذه الشخصية في السنوات الأخيرة، أن يتلمس رغبة جامحة لدى الرجل في قول الكثير من الأشياء، ولا يضيع أي فرصة للبوح، ربما لمسائل لم يتمكن من الوصول إليها خلال مسيرته الرسمية، أو لأن أفكارا تخالجه ويريد تبليغها قبل أن يداهمه الموت الذي غيب في المدة الأخيرة الكثير من الرموز والشخصيات في الجزائر. ويظهر أن أحداث "الربيع العربي" تدفعه دفعا لنصح الشباب العربي للحفاظ على أوطانهم وشعوبهم، ويردد في كل مرة "إذا كان جيلنا قد حلم بالوحدة العربية، فالظاهر أن الأجيال الشابة بالكاد تحافظ على وحدة أقطارها"، لأن قوة التفكيك فوق مناعة الشعوب العربية، على رأي الإبراهيمي. الذي لا يتوانى في انتقاد نظام بوتفليقة، ودعوة الشباب إلى التجند من أجل تحقيق التغيير السلمي، بعيدا عن الفوضى والفتن، وعن الأيادي الأجنبية.

الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، الذي غادر دواليب السلطة والحزب الحاكم في أعقاب انتفاضة أكتوبر- تشرين الأول 1988، آلمته كثيرا الأحداث، وحزّت في نفسه المأساة التي عاشتها الجزائر منذ مطلع التسعينات، وكان أحد الموقّعين على وثيقة "سانت إيجيديو" في 1995، التي أطلقتها المعارضة آنذاك لحل الأزمة السياسية والأمنية، واجتمعت خلالها كل التيارات العلمانية والوطنية والإسلامية، جنبا إلى جنب لأول مرة. ورغم أن المبادرة رفضتها السلطة جملة وتفصيلا، وتنامت حدة العنف المسلح على إثرها، إلا أن الرجل التزم بالتحفظ رغم محاولته الترشح لرئاسيات 1999. لكنه بالمقابل ظلّ مجاهرا بموقفه الرافض لوقف المسار الانتخابي، وحمّل المؤسسة العسكرية النصيب الأكبر من المسؤولية عن مأساة الجزائر. وكشف مؤخرا قيامه بوساطة غير مباشرة بين قيادة جبهة الإنقاذ والرئيس الراحل الشاذلي بن جديد بعد صدور نتائج الدور الأول من انتخابات 1991.

ويذكر أنه استلم عرضا من عبد القادر حشاني، أحد قادة الإنقاذ حينها، يتضمن تنازل الإسلاميين عن رئاسة الحكومة لزعيم جبهة القوى الاشتراكية، حسين آيت أحمد.

ويضيف: "بما أنه لم يكن على اتصال بالرئيس الشاذلي فقد اتصلت بصهره في إقامة الدولة بنادي الصنوبر بالعاصمة وقدمت له العرض والرسالة، وفيما كنت أتحرك في ذلك الاتجاه، لم أتلق أي جواب إلى أن تفاجأت باستقالة الرئيس في 11 يناير 1992". ويعلل الإبراهيمي الموقف، بكون العرض لم يصل إلى الرئيس أو أن قادة الجيش اطلعوا على المسألة، واعتقدوا أن الرئيس يحضر للتحالف مع جبهة الإنقاذ، وعليه استبقوا الموقف بإقالة الشاذلي بن جديد.

الإبراهيمي في الجزء الثالث من مذكراته، التي صدرت حديثا تحت عنوان "مذكرات جزائري.. هدف غير منجز، 1979 – 1988"، تطرق بإسهاب إلى التراكمات التي أدت بالبلاد إلى انتفاضة 1988، بداية من ظروف انتخاب الشاذلي بن جديد رئيسا، وتأسيس مجلس المحاسبة الذي وجه آنذاك أصابع الاتهام إلى الرئيس الحالي بوتفليقة بالضلوع في قضايا فساد مالي. ومرورا بدور قادة الجيش في حسم الصراع بين بوتفليقة ومحمد الصالح يحياوي لخلافة بومدين. وكذا الإنجازات الديبلوماسية التي حققتها الجزائر في الثمانينات. على غرار تحرير الرهائن الأميركيين في إيران والوساطة بين العراق وإيران، وظروف سقوط طائرة وزير الخارجية الأسبق محمد الصالح بن يحيى. إلى جانب زيارة الشاذلي بن جديد إلى فرنسا والمفاوضات الجزائرية- المغربية حول مسألة الصحراء الغربية. وينتظر أن يكون الجزء الرابع من مذكرات وزير الخارجية الأسبق، مليئا بالمفاجآت لكونه يتطرق إلى مرحلة حساسة من تاريخ البلاد 1988 – 2008، التي انطوت على الكثير من الأسرار والخفايا المتعلقة بمرحلة الانفتاح السياسي، وفوز الإسلاميين بانتخابات 1991. ثم توقيف المسار الانتخابي وأزمة العنف المسلح، إلى غاية قدوم بوتفليقة للحكم في 1999.

الجيش يحسم النزاع


استعرض الإبراهيمي بالتفصيل خلفيات وأبعاد السجال الذي دار بين عبد العزيز بوتفليقة، ومحمد الصالح يحياوي، من أجل خلافة الرئيس بومدين بعد وفاته. وكشف عن تدخل قادة المؤسسة العسكرية لحسم الوضع واختيار رئيس جديد ممثلا في شخص الشاذلي بن جديد. ويشير-الكاتب- إلى أن وفاة الرئيس هواري بومدين الذي خصصت له جنازة مهيبة على المستويين الشعبي والرسمي، شكّلت صدمة للكثير من الجزائريين، ولكن سرعان ما فتح الباب لبروز منافسة حادة بين عبد العزيز بوتفليقة ومحمد الصالح يحياوي، بعد أن رأى كل منهما بأنه الأحق لخلافة بومدين. وبعد مرحلة انتقالية هادئة، يقول الإبراهيمي: "بدأت أهم الشخصيات المفتاحية التي كانت تشكّل مجلس الثورة وأجهزة حزب جبهة التحرير الوطني في التحضير للمؤتمر الرابع، ولكن شكّلت وفاة الرئيس بومدين نقطة تحوّل في التوازنات القائمة وفي بنية النظام السياسي القائم، إذ أن بومدين بشخصيته الكاريزماتية شكّل إجماعا داخل مختلف الأجهزة، ولكن وفاته أتاحت الفرصة لبروز قوى سياسية سعت إلى أن تكون بديلا عن القطب الرئاسي".

ويضيف: "من جهة، كان هناك الجيش والأمن العسكري، ومن جهة ثانية جهاز حزب جبهة التحرير الوطني التي يراد لها أن تمثّل السلطة المعنوية لشرعية السلطة والساسة. وكان لزاما لإنجاح المؤتمر الرابع، أن تحسم مسألة خلافة بومدين من قبل، حينها تبين وجود اصطفاف وتموقع استنادا إلى شهادة قاصدي مرباح. ومن جهة أخرى، دعم الشاذلي نفسه، وعبد الله بلهوشات، ترشيح محمد الصالح يحياوي، بينما فضل الطيبي العربي وأحمد دراية ترشيح بوتفليقة.

أحمد طالب الإبراهيمي:"قادة الجيش اعتقدوا أن الرئيس يحضر للتحالف مع جبهة الانقاذ، فاستبقوا الموقف بإقالة الشاذلي بن جديد"

وبقي كل من محمد بن أحمد عبد الغني وأحمد بن شريف، خارج دائرة الاختيار بين الشخصيتين، حيث اعترض عليهما الأول، بينما كان الثاني يسعى إلى التموقع في السباق".

"حينما عجز مجلس الثورة عن الفصل بين بوتفليقة ويحياوي، وفي ظل استمرار السجال بين الرجلين، برز على الواجهة طرف ثالث بعيد عن الواجهة السياسية، وهي المؤسسة العسكرية التي تحركت بمعية ثلاثة ضباط سامين، هم قاصدي مرباح ومصطفى بلوصيف ورشيد بن يلس، معتبرين أن الوضعية القائمة تهدد وحدة البلاد والجيش وتساهم في زرع بذور الانشقاقات الجهوية وصراع الزمر. وكان أول قرار يتخذ، هو استبعاد المتنافسين بوتفليقة ويحياوي من السباق كحل جذري، وبمساعدة ودعم عدد من المدراء المركزيين لوزارة الدفاع وأغلب رؤساء النواحي العسكرية، تم اختيار خليفة الرئيس بومدين من رحم المؤسسة العسكرية، ويتعلق الأمر بالشاذلي بن جديد، قائد الناحية العسكرية الثانية وعضو مجلس الثورة وأقدم الضباط السامين".

و"كان اختيار الجيش للشاذلي بن جديد نابعا من اعتبارات عديدة، منها رغبة الجيش في عدم الخضوع لشخص يحكم سيطرته الكاملة عليها، إلى حدّ توظيفه في خدمة مطامحه، فشخصية الرئيس الشاذلي كانت الأمثل من حيث غياب الطموحات الشخصية وإحساسه بضرورة تطوير وتنظيم وعصرنة الجيش والاحتفاظ برمزية المؤسسة العسكرية. وبعد اختيار الجيش، تلاشت كافة الاعتراضات على مستوى مجلس الثورة، ثم على مستوى المؤتمر الرابع الذي كرّس اختيار الشاذلي بن جديد كمرشح وحيد لرئاسة البلاد".

أحداث أكتوبر


لأنها كانت منعرجا حاسما في مسار الجزائر الحديث، فقد أسهب الإبراهيمي كثيرا في الحديث عن انتفاضة 1988، وخلص إلى وجود مناورين هيّئوا لها. وأرجع أسباب الأحداث، إلى أن الرئيس بن جديد كان يتقاذفه تياران متناقضان، وهو ما أوصله إلى الانفجار في الخطاب الشهير الذي ألقاه يوم 19 سبتمبر- أيلول، بغية التخلص مما سماهم بـ"جماعات الضغط". وعاد -المتحدث- إلى الخطاب الذي ألقاه الرئيس بن جديد عشية المؤتمر السادس لحزب جبهة التحرير الوطني، يوم 19 سبتمبر- أيلول 1988 بالصنوبر البحري، أمام أعضاء مجالس الولايات. واعتبر أن خطاب الرئيس بن جديد، جاء وفق نبرة مغايرة، حيث قدم صورة قاتمة عن الأوضاع التي آلت إليها البلاد، وبالأخص بعد أن عرف صيف ذلك العام سلسلة من الإضرابات التي دعت إليها "جبهة القوى الاشتراكية" المعارضة، وبعض المنظمات اليسارية، إضافة إلى انتشار حالة من الندرة في المواد الغذائية، كالحليب والزيت والدقيق.

وبحسب الدكتور طالب، فإن الرئيس بن جديد كان حبيس تيارين متصارعين داخل السلطة. فمن جهة، كان هناك تيار يرغب في إحداث إصلاحات في النظام من الداخل مع انفتاح سياسي، دون المساس بتفوّق جبهة التحرير الوطني، والتي تؤدي إلى تعددية حزبية؛ وأنصار هذا التيار كانوا يعتقدون أن رحيل مساعدية بإمكانه أن يسهّل الانتقال للديمقراطية.

بينما كان التيار الثاني يرغب في وقوع انفجار للنظام يؤدي إلى خيار الاقتصاد الليبرالي. وقال: "بالنسبة إلى هؤلاء (يقصد الليبراليين)، فإن ذهاب أحمد طالب ضروري، لأنه أنشأ مجلس المحاسبة، ولم يكف عن الحديث عن مسألة العدالة الاجتماعية". ويضيف: "هذه الجماعة كانت ترغب في رحيل أحمد طالب ومساعدية، بحكم اعتقادهم أنهما يمارسان تأثيرا على الرئيس بن جديد".

موضحا أن الرئيس وهو يقبل برحيل مستشاريه المقربين، كان بصدد الإمضاء على رحيله. كما أورد الدكتور طالب أن الرئيس تحدث عن الأطراف التي كانت تعيق إصلاحاته الاقتصادية والسياسية، كما استنكر مظاهر "الغنى غير الشرعي"، والبيروقراطية، وغيرها من المظاهر السلبية.

على المستوى الشخصي، أوضح الدكتور طالب أنه أبدى ارتياحه للخطاب، من منطلق أنه حذّر خلال عدة مناسبات من صعود ما أسماه بالظاهرة الليبرالية التي أوجدت فئة ثرية في ظرف زمني قصير. وكشف أن الشاذلي بن جديد أخبره عقب الخطاب قائلا: "لقد قلت كل ما كان جاثما على صدري". ثم تساءل: "هل كان الرئيس بن جديد يدرك أنه بهذا الخطاب سوف يؤجج الأوضاع". ولما اندلعت أحداث أكتوبر- تشرين الأول 1988، كان الدكتور طالب متواجدا في نيويورك، واتصل عبر الهاتف برئاسة الجمهورية عند حدود الساعة الرابعة صباحا، وتحدث مع كل من محمد الشريف مساعدية والعربي بلخير والهادي خضيري، الذين طمأنوه وأخبروه أن "الوضعية متحكم فيها"، بيد أن الدكتور تحدث عن ارتياب كان يساوره، بسبب اجتماع هذا الثلاثي مع الرئيس بن جديد في مثل تلك الساعة المتأخرة.

وذكر الإبراهيمي، أن اللواء رشيد بن يلس، اقترح على الشاذلي عدم الترشح لعهدة رئاسية جديدة، بغية إحداث "صدمة بسيكولوجية"، قد تمكنه من التحكم في الأوضاع، وربما العودة إلى الرئاسة. كما اقترح فكرة التعددية الحزبية، إلا أن مساعدية رفضها بشدة، لكن الفكرة وافق عليها غالبية أعضاء المكتب السياسي، لكن "بعض الوجوه بقيت في حالة من التشنج". ويعتقد الدكتور طالب أن جبهة التحرير الوطني التي حكمت البلاد منذ الاستقلال كانت مع السلطة، وليس في السلطة. أما عن تصرفات الرئيس بن جديد عقب تشكيل حكومة جديدة يوم 7 نوفمبر- تشرين الثاني برئاسة قاصدي مرباح، فقد كتب الدكتور طالب بشأنها ما يلي: "أعطى الرئيس بن جديد انطباعا بأنه سجين فريق جديد" كان قد فرض منطقه التعسفي في التعاطي مع الأحداث، مما أدى إلى مقتل وجرح المئات من الشبان الجزائريين، وممارسة أبشع أساليب التنكيل والتعذيب من قبل قوات الأمن وبإيعاز من قادة مؤسستي الأمن والجيش والاستعلامات على غرار اللواءين المتقاعدين، خالد نزار ومحمد بتشين.

مجلس المحاسبة


أكد الإبراهيمي في الجزء الثالث من مذكراته، أنه منذ اعتلاء الشاذلي بن جديد سدّة الحكم، ظل يحثه على الاهتمام عن قرب بمسألة الرقابة، حيث ظل مشكل التسيير مطروحا، خاصة مع التطور السريع للبنية الصناعية للبلاد، لضمان تكريس مبادئ مثل النمو والإنتاجية والمردودية والاستخدام العقلاني للوسائل المادية والبشرية. ولاحظ الإبراهيمي أن الميثاق الوطني كان يركز على أهمية الرقابة للوقاية أو تحجيم بعض الانحرافات، على غرار تحويل أملاك الأمة والتعسف في استخدام السلطة والمحاباة والرشوة والتغاضي عن مشاكل المواطنين.

ولدرء النقائص المسجلة، كان لزاما إعادة النظر في وظائف الرقابة بالخصوص. وعليه، وفي أعقاب المؤتمر الرابع لحزب جبهة التحرير الوطني، أضحت مسألة الرقابة على كافة المستويات والقطاعات من الأولويات لمواجهة الانحرافات والفساد والحد من النقائص وتحسين الخدمات وتسيير الوحدات الإنتاجية، وتجلى ذلك في أول خطاب ألقاه الرئيس الشاذلي بن جديد بتاريخ 13 مارس- آذار 1979 حينما أكد على أنه "لن يكون هناك أي تسامح ولا عذر حيال أولئك الذين يلحقون الأذى بالإرث الوطني ومكاسب الشعب والوحدة الوطنية والمبادئ الثورية".

وبعد ثلاثة أيام، أصدرت رئاسة الجمهورية بيانا عينت من خلاله أحمد طالب الإبراهيمي كعضو في المكتب السياسي مكلفا بالتحضير للنصوص القانونية المتصلة بالرقابة. حينها، ركز الإبراهيمي على بعدين أو مستويين، الرقابة السياسية المرتبطة بدور المجلس الشعبي الوطني وإعادة الاعتبار لدورهم الرقابي، واعتماد مقاييس الكفاءة والنزاهة والالتزام على الإطارات المسيرة، مقابل تسليط العقوبات على من يخلّ بواجباته وترقية الإطارات وفقا للكفاءة. أما البعد الثاني، فهو متصل بالرقابة الإدارية المتمثل في عمل الحكومة، حيث يضبط عمل الإطارات والمسؤولين وفقا للسلم الهرمي. كما تعتمد رقابة خارجية من خلال هيئات، منها وزارات المالية والعدل والداخلية، التي تقدم تقارير دورية ويتم عرضها على مستوى مجلس الوزراء.

ويكشف الإبراهيمي أن إنشاء مجلس المحاسبة جاء كحتمية، حيث يلعب دور آخر حلقة في مجال الرقابة، كما سيكون حلقة الوصل بين مختلف آليات الرقابة الأخرى. واعترف بأن تأسيس المجلس كان يمثل خطوة هامة، ولكنه أعاد التأكيد على أن فعاليته تبقى رهن كافة التحسينات التي يتم القيام بها في كافة القطاعات وعلى محيط الرقابة عموما.

وبعد تعيين الإبراهيمي رئيسا على المجلس في مايو – آيار 1979، اشترط تخليه عنه بعد أن تصبح الهيئة عملية، واختار حينها مجموعة ممن اعتبرهم أفضل الخبراء في ميدان المالية لتحضير نصوص قانونية متعلقة بالرقابة وآليات تسيير مجلس المحاسبة، فضلا عن تسيير المفتشية العامة للمالية.

وتضمنت النصوص المؤسسة للمجلس كافة الصلاحيات التي تتمتع بها، والتي تسمح لها بالوقاية وتصحيح الأخطاء ومعاقبة خرق القواعد المعتمدة في مجال التسيير الاقتصادي. وبعد تجاوز عدد من العقبات القانونية والتحفظات، عهد لمجلس المحاسبة مهام المراقبة المالية، والمتابعة لملفات التسيير إلى حين تجميد مهامها لاحقا. وخلص الإبراهيمي إلى انتقاد مساعي البعض الذين حاولوا توظيف مجلس المحاسبة لتصفية حسابات سياسية. كما تساءل عن تجميد عملها، حيث يعود آخر تقرير لها إلى فبراير- شباط 1999، في وقت استفحل فيه الفساد على نطاق واسع بفعل غياب العقاب والشفافية في تسيير المال العام، وهي إشارة واضحة من الرجل لحل الهيئة بمجرد قدوم بوتفليقة للسلطة، وإلى شيوع فساد مالي وسياسي كبير في مرحلة حكمه.

6