جنرال إلكتريك.. ماكينة الرقمنة تلتحق بالمصانع

تقود شركة جنرال إلكتريك ثورة في رقمنة الصناعة عبر السماح لمهندسي الشركة بالعمل على التصاميم والتخطيط لسير العمل في مصانعها، دون أن تكون موجودة فعليا في الموقع، وذلك بهدف جعل منتجات الشركة كمحركات الطائرات ومعدات توليد الطاقة والقاطرات والماسحات الضوئية الطبية جزءا من إنترنت الأشياء.
الثلاثاء 2016/05/03
دوران عجلة صناعة الرقمنة من أجل خلق أسس رقمنة الصناعة

نيويورك - التكنولوجيا الأخيرة التي استخدمتها شركة جنرال إلكتريك لتعزيز الإنتاجية التصنيعية، هي عبارة عن أداة يمكن أن يكون وضعها الطبيعي في متنزه أو حديقة ترفيهية أكثر من كونها في مختبر صناعي.

وفي مركز البحوث العالمي التابع للمجموعة في نيسكايونا بنيويورك، يمكنك التمتع بإحساس التحليق حول مصنع التوربينات البخارية في سكينيكتادي التي تبعد مسافة ستة أميال.

ويتم إسقاط صورة ضوئية ثلاثية الأبعاد تحاكي الواقع الافتراضي للمصنع، في ظرف دقيقة تصور كل أداة أو قطعة من الأنابيب، على شاشة ونظارات خاصة. وبفضل استخدام وحدة تحكم تشبه في نمطها جهاز بلاي ستيشن، يمكنك التحرك داخل المصنع والانقضاض على خطوط التجميع أو أن تحوم فوق كومة من المكونات.

ويبدو استخدام النظام ممتعا للغاية، لكن القصد من ورائه عملي جدا، وهو السماح لمهندسي شركة جنرال إلكتريك بالعمل على التصاميم والتخطيط وسير العمل في مصانعها، دون أن تكون موجودا فعليا في الموقع.

وإذا كانوا يريدون تحريك قطعة من المعدات الجديدة، على سبيل المثال، يمكنهم استخدام المحاكاة ليروا ما إذا كانت مناسبة. ويمكن أن تساعد أنظمة جمع وتحليل البيانات المتعلقة بالصناعة (المستخدمة في ما لا يقل عن 75 مصنعا من مصانع شركة جنرال إلكتريك البالغ عددها أكثر من 590 مصنعا) في خفض التكاليف بنسبة 15 بالمئة أو أكثر، بحسب ما قال التنفيذيون في الشركة.

وتعد التكنولوجيا جزءا واحدا فقط من عملية إصلاح جذرية تهدف إلى تحويل المجموعة التي يبلغ عمرها 123 عاما إلى ما يسميه جيف إيملت، الرئيس التنفيذي منذ سبتمبر عام 2011، “الشركة الصناعية الرقمية”.

وفي جوهرها يوجد محرك لاستخدام أوجه التقدم في أجهزة الاستشعار والاتصالات وتحليل البيانات لتحسين الأداء لديها ولدى عملائها أيضا.

ويجري العمل على جعل منتجات شركة جنرال إلكتريك، كمحركات الطائرات ومعدات توليد الطاقة والقاطرات والماسحات الضوئية الطبية، جزءا من “إنترنت الأشياء” (أجهزة ذكية متصلة يمكنها نقل المعلومات وتلقي التعليمات) وتقوم الشركة ببناء قدرات جديدة في البرمجيات لفهم تلك الأجهزة وإدارتها.

والفوائد المحتملة للنجاح هي فوائد هائلة بالنسبة إلى مجموعة قامت ببيع أجزاء كبيرة من أعمالها التجارية، لتعيد التركيز على عملياتها الصناعية.

ويقول مايكل بورتر من كلية الأعمال في جامعة هارفارد، “إنه تغيير رئيس، ليس فقط في المنتجات، بل أيضا في الطريقة التي تعمل بها الشركة. هذا سيكون بالفعل تغييرا في قواعد اللعبة في شركة جنرال إلكتريك”.

ومع ذلك، إذا تعرضت للفشل، فسيعني هذا التعجيل بتفكيك المزيد من أجزاء المجموعة. ولا تزال قوة إنترنت الأشياء الصناعية في بداياتها من حيث الاستكشاف، إذ تقوم الشركات في مجالات عديدة بدءا من التصنيع إلى الطاقة والنقل والتعدين بجمع كميات ضخمة من البيانات، لكنها لا تستخدم سوى جزء منها فقط.

جنرال إلكتريك تنفق مليار دولار سنويا لتعزيز قدراتها الرقمية، بتوظيف ألف من مهندسي البرمجيات وعلماء البيانات وتأسيس مركز جديد لتحليل البيانات بالقرب من وادي السيليكون

وإذا كان بإمكان شركة جنرال إلكتريك النجاح في العثور على طرق لاستخدام تلك المعلومات لخفض التكاليف ورفع الإنتاجية لمنتجاتها وخدماتها، فيمكنها كسب ميزة تنافسية حاسمة أمام الشركات المنافسة مثل سيمنس وميتسوبيشي ويونايتد تكنولوجيز ورولز رويس.

كما أنها تهدف أيضا إلى إيجاد مصدر جديد مهم للدخل من خلال خفض التكاليف وتعزيز الإنتاجية لدى الشركات الأخرى، حتى وإن كانت لا تستخدم معدات جنرال إلكتريك.

ومع ذلك، يعمل دخول هذا العالم على جلب منافسة جديدة لشركة جنرال إلكتريك. وفي إعداد نفسها كشركة برمجيات يمكنها مساعدة المجموعات الصناعية الأخرى في جني فوائد الأشياء عبر الإنترنت، وستكون شركة جنرال إلكتريك في مواجهة مع مايكروسوفت وأمازون وآي بي إم وأوراكل وساب.

ويقول فرانك جيليت من فوريستر للبحوث “إن جنرال إلكتريك تخوض سباقا مع شركات التكنولوجيا الأفضل في العالم، لكنني أعتقد أنها ستجد أن الوضع أصعب مما كانت تعتقد”.

التخلص من قسم التمويل

في أبريل الماضي، بدأت جنرال إلكتريك واحدة من التغييرات الأكثر جذرية في تاريخها، حيث قالت إنها ستبيع نحو 90 بالمئة من قسم “جنرال إلكتريك للتمويل”، وهي وحدة الخدمات المالية التي قدمت قبل بضع سنوات فقط، نحو نصف أرباح المجموعة البالغة 14 مليار دولار.

ولقي ذلك القرار ترحيبا من قبل المحللين والمستثمرين، إذ ارتفعت أسهمها بعد تخلفها في السوق الأوسع نطاقا خلال معظم فترة إيملت، بنسبة 17 بالمئة خلال الأشهر الـ12 الماضية.

وأقنعت الأزمة، التي حدثت ما بين عامي 2007 و2009 والتي أرغمت شركة جنرال إلكتريك على خفض توزيعات أرباح الأسهم وفقدان تصنيفها الائتماني الممتاز، الكثيرين بإمكانية تعرض الشركة للكوارث.

كما أن القوانين التنظيمية التي وضعت لاحقا، وفرضت أعباء إضافية على جنرال إلكتريك باعتبارها “مؤسسة مالية مهمّة لسلامة النظام المالي”، كانت تعني أنه حتى في الأوقات الجيدة بدت العوائد على رأس المال غير جذابة.

ومع ذلك، في الوقت الذي ربما كانت فيه الخدمات المالية تمثل محفزا اصطناعيا خطيرا، هناك تساؤل كبير حول مدى سرعة جنرال إلكتريك في النمو من دونها.

عندما تولى جاك ويلتش، سلف إيملت، المنصب في شركة جنرال إلكـــتريك في العام 1981، اعتبر كثيرون الشركة “شركة للناتج المحلي الإجمالي”، ذلك النوع من الشركات المملة الكبيرة التي تنمو بسرعة نمو الناتج المحلي الإجمالي نفسه فحسب.

ولتجنب تلك الصفة، دخل ويلتش في مجال الخدمات المالية وغيرها من الأعمال الأخرى التي يمكنها النمو بشكل أسرع. ومن دون تلك الشركات، تواجه جنرال إلكتريك توقعات العودة إلى معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي.

ماكرو أنونزياتا: أول ثورة في عالم التكنولوجيا والمعلومات جاءت في التسعينات عبر استخدام الكمبيوتر كطريقة لجمع المعلومات وتنظيمها. أما الآن فنقوم حرفيا بصناعة آلات أكثر ذكاء تربط بين ما هو مادي وما هو رقمي

وشركة جنرال إلكتريك، بما لديها من رسملة سوقية بقيمة 250 مليار دولار، تعد واحدة من العلامات التجارية الأكثر قيمة في العالم. حيث أنها توظف أكثر من 300 ألف شخص، وكانت قطاعاتها الأكثر ربحية العام الماضي هي معدات الطاقة والطيران، حيث أسهمت بنحو 5.5 مليار دولار.

ومع ذلك، فإن التباطؤ في الاقتصاد العالمي، وهبوط أسعار السلع الأساسية الذي أضر بأعمال شركة جنرال إلكتريك التي تقدم المعدات لقطاع إنتاج النفط والتعدين، يعني أن أرباح المجموعة لكل سهم من المتوقع أن تكون قد انخفضت بنسبة 21 بالمئة العام الماضي.

ويتوقع بريان لانغينبيرغ، المحلل الصناعي الذي يترأس كلية الأعمال في جامعة أورورا في ولاية إلينوي الأميركية، أن يكون نمو المبيعات العضوي لشركة جنرال إلكتريك من الآن فصاعدا متماشيا مع نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، الذي يتوقع صندوق النقد الدولي بأن يكون بنسبة 3.6 بالمئة هذا العام.

ومع ذلك، يقدم الإنترنت الصناعي لشركة جنرال إلكتريك أملا في الإفلات من ذلك التوقع. ويعني انخفاض تكلفة وارتفاع قوة أجهزة الاستشعار، وأجهزة الاتصال، ومعالجة البيانات، أن أي منتج يمكن جعله قادرا على إرسال واستقبال المعلومات والأوامر.

ويعرف ربط الأشياء بالإنترنت اليوم من خلال التطبيقات الاستهلاكية مثل الثلاجات التي يمكنها طلب ما تحتاج إليه من مواد البقالة. ومع ذلك من المرجح أن التطبيقات الأكثر أهمية ستكون في مجال الصناعة.

وبحلول العام 2025، يمكن أن تكون الفوائد الاقتصادية لربط الأشياء بالإنترنت بقيمة 11.1 تريليون دولار في العام، وفقا لمعهد ماكينزي العالمي. كما يقدر بأن نحو 40 بالمئة من تلك المزايا قد تأتي في المصانع ومواقع العمل مثل حقول النفط، مع استئثار قطاع النقل والبنية التحتية الحضرية بنسبة 30 بالمئة.

أعمال كبيرة

يعتقد ماكرو أنونزياتا، كبير الاقتصاديين لدى شركة جنرال إلكتريك، أنه في الوقت الذي تحسب فيه الشركات كيفية استغلال قدرات وإمكانات التكنولوجيات الجديدة، يمكن إطلاق العنان لثورة إنتاجية جديدة في الصناعة.

ومنذ العام 2010، تعرضت الإنتاجية في مجال التصنيع الأميـــــــركي للركود، مرتفعة فقط بنسبة 1 بالمئة سنويا مقارنة بالنمو السنوي البالغة نسبته 4 بالمئة خلال العقدين السابقين. ويقول أنونزياتا، إن الإنترنت الصناعي يمكن أن يساعد في إرجاع تلك المعدلات المرتفعة من النمو، “إن أول ثورة في عالم التكنولوجيا والمعلومات جاءت في التسعينات عبر استخدام الكمبيوتر كطريقة لجمع المعلومات وتنظيمها. أما الآن فنقوم حرفيا بصناعة آلات أكثر ذكاء. وهذا الربط بين الأمور الرقمية والمادية يعد أمرا لم نشهده من قبل قط”.

ويستشهد أنونزياتا بشركات التعدين، التي تتعرض لضغوط ضخمة من أجل خفض التكاليف بسبب أسعار السلع الضعيفة، كمثال على الشركات المهتمّة بحرص على قدرات التكنولوجيا.

الشركة تنفق مليار دولار سنويا على تعزيز قدراتها الرقمية

لقد سجلوا بالفعل كميات كبيرة من البيانات -حيث تقول شركة تيك للموارد في كندا إن لديها 200 من أجهزة الاستشعار مركبة على كل شاحنة تعدين- وإذا تمكنوا من تحليلها بشكل صحيح، يمكنهم اكتشاف طرق وأساليب لتحسين الكفاءة، مثل التنبؤ بدقة أكبر عندما تحتاج القطع المعطلة إلى استبدال، ما يقلل من الوقت عندما تتعطل الآلات باهظة الثمن.

وتقول شركة جنرال إلكتريك، إنه لدى أحد عملائها في التعدين الشاحنات التي كانت متاحة سابقا للاستخدام بنسبة 70 بالمئة من الوقت، في حين أصبحت الآن متاحة بنسبة 85 بالمئة فقط.

ويقول جيم هيبلمان، الرئيس التنفيذي لشركة بي تي سي، وهي شركة برمجيات تعمل مع شركة جنرال إلكتريك وغيرها من شركات التصنيع، إن ذلك النوع من الطفرة في الإنتاجية يمثل ميزة تنافسية حاسمة. وأضاف “إذا كان لديك من 10 إلى 20 بالمئة من ميزة التكلفة على منتج ما بهوامش ربح تتراوح نسبتها ما بين 3 و5 بالمئة، فإنك ستتفوق تماما على المنافس”.

ويعتقد المسؤولون التنفيذيون في شركة جنرال إلكتريك أنها قد تكون في طليعة هذه الثورة، حيث تنفق الشركة مليار دولار سنويا على تعزيز قدراتها الرقمية، بتوظيف ألف من مهندسي البرمجيات وعلماء البيانات وتأسيس مركز جديد لتحليل البيانات في سان رامون في ولاية كاليفورنيا، مقابل خليج سان فرانسيسكو من وادي السيليكون.

وفي الشهر المقبل، من المتوقع أن تطلق شركة جنرال إلكتريك بريديكس، وهي منصة برمجيات لإدارة البيانات الصناعية وتحليلها. ويقول بيث كومستوك، الذي يقود تطوير الأعمال الجديدة لدى شركة جنرال إلكتريك “في الصناعة، هناك الكثير من الأشياء التي لا يعرف الناس كيف يجدونها ولا يعرفون طريقة عملها. يمكننا تحليل طريقة عملها، ويمكننا التنبؤ بما سيحدث”.

وسيتم تطبيق هذا التحليل على كل من منتجات جنرال إلكتريك وعلى تلك المنتجات التي صنعتها الشركات الأخرى. وبتحليل تلك البيانات والإسناد الترافقي مع نظام إدارة حركة المرور في السكك الحديدية، وإرسال التعليمات إلى القطارات، تستطيع شركة جنرال إلكتريك الحصول على ميل إضافي لكل ساعة من السرعة، لدى مشغلي السكك الحديدية الأميركية بما يعادل 200 مليون دولار سنويا من الأرباح الإضافية.

13