جنكيز إيتماتوف وعالمه الزاخر بالأساطير الشعبية

السبت 2015/07/04
انفتاح جنكيز إيتماتوف على الثقافة الغربية يثير حنق النقاد الروس

حين توفي الروائي القرغيزي جنكيز إيتماتوف، في يونيو 2008 بنورمبرغ في ألمانيا، كان بلده يواصل الاحتفال به، تزامناً مع مرور 50 سنة على صدور روايته الأولى “جميلة”، تلك الرواية التي وصفها الشاعر الفرنسي أراغون بأنها “أجمل قصة حب في العالم”.

وداعا يا غولساري

ترك يومها موت صاحب “وداعاً يا غولساري”، و”السفينة البيضاء”، و”الكلب الأبلق الراكض على حافة البحر”، و”المعلم الأول”، و”النطع”، و”الغرانيق المبكرة”، و”يطول اليوم أكثر من قرن”، و”العروس الخالدة”، و”نمر الثلج”، و”عين الجمل”، غصة في نفوس محبيه الذين كانوا قد شرعوا في ترويج ترشيحه لجائزة نوبل لعام 2008، بوصفه واحداً من كبار أدباء القرن العشرين، والممثل الأصيل للأدب الأوراسي، والمجسد لتلاحم فلسفة الشرق العميقة مع خيرة تقاليد الأدب الأوروبي والعالمي.

ولد إيتماتوف، الذي كتب أعماله باللغتين الروسية والقرغيزية، عام 1928، في قرية فقيرة اسمها “شيكر” بوادي تالاس، الذي يُعدّ واحدا من أهم المراكز الحضارية في قرغيزستان، وعاش نمط الحياة التقليدية للقرغيزيين القائمة على الترحال، كما سمع الكثير من الحكايات عن تلك الحياة من بعد.

كانت جدته، حسب ما يروي، واحدة من أهم معلميه في مجال المعرفة بتاريخ شعبه وفن الحكي، شأنه في ذلك شأن غابرييل غارسيا ماركيز، أما أبوه، الذي كان شيوعيا راسخ القناعة، وارتقى بسرعة في سلّم النظام الشيوعي، لكنه سرعان ما وقع ضحية لسياسة الرعب الستاليني، ثم أُعدم عام 1937 وهو في منتصف العقد الثالث من عمره، ما اضطر إيتماتوف وأمّه إلى ترك موسكو والعودة إلى قرغيزستان.

ورغم ذلك استطاعت أسرته، وهو أيضا، انتزاع القسط الأساسي لتكوينه التعليمي. وفي خضم الحرب العالمية الثانية سنة 1942، ولكونه الوحيد الذي كان يجيد القراءة والكتابة، بينما الكهول جميعهم يؤدون الخدمة العسكرية في الجبهة، أوكلت له مسؤولية سكرتير الحزب في قريته، وكان من بين مهماته نقل أخبار الموت إلى المترملات وعائلات الذين قتلوا في المعارك.

إيتماتوف البيطري

في سنّ الرابعة عشرة كان إيتماتوف قد عاش الكثير مما تجره الحياة معها من مصاعب وقساوات. فاشتغل جابي ضرائب، فتعرّف من خلال هذه المهنة على المدى الشاسع لموطنه، وأحوال المزارعين القرغيزيين وظروف معيشتهم. ثم درس علم تربية المواشي ونال شهادة “فني بيطري”. وكان في تلك الأثناء يكتب أيضا، وينشر مقالات وقصصا قصيرة وخواطر في المجلات. ثم قُبل طالبا في معهد غوركي ذي الشهرة والمكانة المرموقة، ومع ترجمة أراغون لروايته “جميلة” إلى الفرنسية عام 1958 تسنى له أن يغدو روائيا شهيرا في العالم. وقد نجح في الربط بين مواضيع محلية لها صلة بآسيا الوسطى والتقاليد الأدبية الروسية.

\'جميلة\' إيتماتوف تسحر عددا غير قليل من أجيال المثقفين العرب المنكبين على قراءة الأدب العالمي، إلى جانب روايات مترجمة أخرى، مثل (سوار العقيق) لألكسندر كوبرين، و(الدون الهادئ) لشولوخوف، و(الساعة الخامسة والعشرون) لكوستانتان جورجيو، و(الشوارع العارية) لفاسكو برادوليني، و(الجحيم) لهنري باربوس

تطور إيتماتوف من “لينيني متفائل من الرعيل الأخير”، كما يورد ذلك كاتب سيرته بوريس شليبنيكوف، إلى شيوعي إصلاحي ومستشار لغورباتشوف، وكاتب كان يُنظر إليه في الاتحاد السوفيتي كله بوصفه رمزا للأمل المستقبلي، كفرجة مضيئة داخل عتمة سنوات عصر بريجنيف، وواحدا من القلائل الذين يفسحون للعقل مجالا لتخطي الأسيجة والحدود. كما مُنح عضوية في مجلس السوفيت الأعلى، واللجنة المركزية للحزب في بلاده وسكرتارية اتحاد الكتاب، واتحاد السينمائيين، ورأس تحرير مجلة “الآداب الأجنبية”.

كانت لإيتماتوف، كما يقول الكاتب الألماني أولي روتفوس، مقدرة على التحرك ببراعة داخل الحيز الضيق الذي كانت تسمح به الرقابة السوفيتية المضروبة على الأدب. وبالنسبة إلى قرّائه من القوميات المتعددة التي يتكون منها الاتحاد السوفيتي كان يمثل رمزا للمبادئ الإنسانية والعفة السياسية. أما في الخارج فقد ظل يزداد شهرة مع كل كتاب جديد، وكانت كتبه ورواياته كلها تحظى بإقبال في أوروبا بنفس القدر من الإعجاب الذي تحظى به في آسيا الوسطى.

لم يكن إيتماتوف ليخشى المواجهات مع كبار العقول من عصره: تشهد بذلك كتبه التي ولدت من محادثاته مع فلاسفة وزعماء روحانيين ودينيين من أمثال الفيلسوف الياباني والمصلح البوذي دايزاكو إيديكا، أو ممثل الديانة البهائيّة فيض لله نامادار. وتمثل تلك الكتب شهادات على جرأة إيتماتوف على الدخول في مواجهات عميقة مع أصوله المتصلة بالتقاليد الإسلامية، ومع الفراغ الديني للعهد السوفيتي، ومع ثقافات وحضارات أخرى.

جميلة

في أواخر السبعينات سحرت “جميلة”، عدداً غير قليل من أبناء جيلي المنكبين على قراءة الأدب العالمي، إلى جانب روايات مترجمة أخرى، مثل “سوار العقيق” لألكسندر كوبرين، و”الدون الهادئ” لشولوخوف، و”الساعة الخامسة والعشرون” لكوستانتان جورجيو، و”الشوارع العارية” لفاسكو برادوليني، و”الجحيم” لهنري باربوس، لقد قرأناها في ذلك العمر الغض بمنظور يختلف عن المنظور الأيديولوجي الذي منحها جائزة لينين.

رأينا بين سطورها ملامح قرغيزستان مخفية تحت جلباب الفتاة القروية الفطرية جميلة، التي خطفها شاب قادم من قرية كبيرة مجاورة، وجرى بها إلى بيت أمه ليتزوجها إكراهاً. وحينما صدر قرار الدولة السوفيتية بأن تحل النساء محل الجنود والعمال في أداء عملهم داخل المدن والقرى يجري تكليف جميلة بنقل القمح، فتتعرف في أثناء ذلك إلى عامل أعرج مريض، لكنه يستطيع الإنشاد. كان جندياً في الجبهة فجُرح وأعيد إلى الحياة المدنية. أحبته وأحبها، وخرجت به من القرية إلى فضاء أرحب ليتزوجا.

انفتاح إيتماتوف على الثقافة الغربية في السنوات الأخيرة، التي عمل فيها سفيرا لبلده في الاتحاد الأوروبي حتى يوم وفاته، يثير حنق النقاد الروس، ومنهم الناقد والشاعر نيقولاي بيرياسلف، الذي يهاجمه هجوما شديدا، متهما إياه بأنه يركض وراء النماذج الغربية، والثقافة المبتذلة

ويبرز التمثيل السردي لتلك العلاقة الملتبسة بين الإنسان القرغيزي وسلطة الحزب الحاكم في رواية إيتماتوف الثانية “وداعا يا غولساري” على نحو رمزي أيضاً، فـ”غولساري” هنا هو حصان يمتلكه رجل يدعى تاناباي، يعمل في تربية الخيل. لكنه كان مرغماً على تسليمه إلى آخرين كي يستغلوه في العمل وفي الركوب، أحب تاناباي “غولساري”، وأحبه الحصان أيضاً، حباً يفوق التصور، فلا يستطيع أحدهما الافتراق عن الآخر.

إلاّ أن الحزبيين البيروقراطيين في القرية التعاونية قاموا بإخصاء الحصان، وأجبروه على تركه بعد إحالته إلى التقاعد قسريا، فعزّ عليه ذلك، ودفعه حبه إلى هجر أسرته والهيام في الشوارع والشعاب من أجل ذكرى صديقه، مجسدا صورة رائعة للوفاء بين الإنسان والحيوان.

لم يفت إيتماتوف، طبعاً، وهو يقيم عالمه السردي على تخوم الاستبداد الأيديولوجي، وهيمنة الحزب الواحد على حياة الناس في هذه الرواية، أن يلمّح إلى نماذج من القهر الاجتماعي والذل المعيشي الذي يتعرض له الفلاحون القرغيزيون “إنهم أنفسهم الذين يزرعون القمح، ومع ذلك يظلون دون رغيف من الخبز”.

السفينة البيضاء

في رواية “السفينة البيضاء” يوظف إيتماتوف الأسطورة توظيفا سرديا ذكيا، ليقول لنا إن “العالم يختزن كمية هائلة من الشر لا ينجو من التلوث بها حتى أقرب الأشياء إلى قلوبنا”. يروي الجد مأمون لحفيده الصبي اليتيم، أو الغلام (بطل الرواية) أسطورة الغزالة الطوطم “المارال” أم القرون، على أنها حقيقة، غارسًا في قلب الصغير محبتها وقدسيتها وحرمة التعرض لها أو صيدها، لأنها تبنّت في زمن غابر الطفلين البشريين التوأم التائهين، اللذين أسسا القبيلة القرغيزية الأولى. وتعرض نسلها بسبب ذلك إلى المصائب والبلاء العظيم، إذ راح الناس يصطادونه في الغابات.

ذات يوم يكتشف الصبي أن جده مأمون اصطاد المارال، رغما عنه وخوفا من انتقام صهره حارس غابة الصنوبر المتسلط “أرزوكول”. تصدمه هذه الحقيقة وتختلط الأمور في ذهنه، كيف يقدم الجد على مثل هذه الفعلة الشنيعة الكافرة؟ كيف يلطخ يديه بدم “المارال” المقدسة أم القبيلة القرغيزية الأولى؟ وكيف تتناقض أفعال الكبار مع أقوالهم بهذه الصورة؟

ومع كل ذلك السخط والقرف الذي يعتمل في صدر الصبي فإنه لا يندفع إلى كراهية جده بقدر ما يميل إلى الانزواء والتألم بصمت جنائزي مهيب. وفي النهاية يتحول إلى سمكة تنساب بهدوء إلى أعماق النهر، الذي طالما رأى على سطحه، حقيقة أو وهما، سفينة بيضاء، طويلة وقوية وجميلة، تسير بانتظام واستقامة كأنها مشدودة بوتر، لترمز إلى أفق النجاة والقيم النبيلة السامية مقابل واقع الشر وانتهاك القيم المقدسة في عالم الغابة.

جنكيز إيتماتوف اعتنى في رواياته بالجانب الروحي والنفسي للإنسان، وطعّمها بالأساطير الشعبية والرموز الفلكلورية التي أضفت عليها مسحة سحرية

إيتماتوف والثقافة الغربية

انفتاح إيتماتوف على الثقافة الغربية في السنوات الأخيرة، التي عمل فيها سفيراً لبلده في الاتحاد الأوروبي حتى يوم وفاته، أثار حنق بعض النقاد الروس المغالين في تمسكهم بالأصالة القومية، ومنهم الناقد والشاعر نيقولاي بيرياسلف، الذي هاجمه هجوما شديدا، متهما إياه بأنه يركض وراء النماذج الغربية، والثقافة المبتذلة، الأمر الذي جعله يفقد أسلوبه الإبداعي نكوصا نحو الكتابة بلغة تافهة، عديمة الملامح، و”هذا ما تجلى في روايته الأخيرة ‘تافروا كاساندرا’ التي اتصفت بالكساح الاستعاري، والفقر الفني”، على حد تعبير بيرياسلف.

ومع ذلك فقد اعتنى جنكيز إيتماتوف في رواياته بالجانب الروحي والنفسي للإنسان، وطعّمها بالأساطير الشعبية والرموز الفلكلورية التي أضفت عليها مسحة سحرية، كما برز في عدد منها اهتمامه الشديد بالبيئة والطبيعة، لذلك حفلت بالكثير من الإطراء والتقدير.

كتب إيتماتوف تظل، كما يقول أولي روتفوس، “على الدوام قابلة للقراءة كأمثلة نموذجية لإجابات عن الأسئلة الحياتية الخاصة التي يطرحها القارئ على نفسه، والقرارات التي يسعى إلى اتخاذها، وذلك بصرف النظر كليا عن المحيط والأجواء التي تدور فيها أحداث هذه الروايات أو تلك التي تُقرأ في إطارها”.

15