جنوبيون يدخلون إلى الشمال فقراء ويخرجون منه وحوشا

من أكثر الأجناس الأدبيّة تعبيرا عن قلق الإنسان الحديث الرواية، لما تمتلكه من قدرة على امتصاص الأجناس الأدبيّة الأخرى كالشّعر والمقالة والسرديّات القصيرة مثل الأقصوصة والقصّة القصيرة جدّا، وهذا ما يعطيها طاقة لاستيعاب الأحداث السياسية والتحوّلات الاجتماعية والثقافية للإنسان.
الاثنين 2017/05/22
رحلة الأشخاص والمدن عبر البحر إلى حلم ميت

يمكن للرواية الجيدة أن تقوم بدوْر البحث التاريخي أو التّحليل النّفسي والفلسفي بأسلوب أدبيّ ممتع، وهذا ما يعطيها سحرها وإدهاشها مقارنة بالأجناس الأدبيّة الأخرى. من خلال هذه المقوّمات يمكننا أن نقارب رواية “جهاد ناعم” للرّوائيّ التونسيّ محمد عيسى المؤدّب، وهي الرواية التي حازت جائزة الكومار الذهبيّ المخصّصة للرواية التونسيّة لهذه السنة 2017.

يضعنا عنوانُ الرواية أمام زهرة الشرّ التي نبتت في الربيع العربيّ، وهي فكرة الجهاد، والرّوائيّ يقوم بتتبّع جذور تلك الزّهرة المسمومة من خلال حفْرٍ سرديّ في وجدان الإنسان العربيّ وفي نظرة الإنسان الغربيّ له، والمجسّدة كلّها في الشّخصيّات التي توزّعت بين فصول الرواية ومن خلال نسق الأحداث التي نسجها الرّوائيّ.

في بناء روايته "جهاد ناعم" اشتغل المؤدب على تقنية سردية ذكية توازن بين التجريب والسرد الكلاسيكي

تبدأ أحداثُ الرواية برحْلةٍ سرّية من أحد شواطئ المتوسّط التونسية، تقوم بها مجموعة من الشباب الأفارقة من تونس والجزائر والمغرب ومصر والسنغال، اجتمعوا للهجرة السرية إلى أوروبا، والرحلة تجسّد العلاقة الفوقيّة بين الشمال والجنوب، فزورق الشباب يمثّل الجنوب بفقره وسقوطه في الأفيون والعنف وأوهام الهجرة إلى عالم آخر، والأضواء البعيدة خلف المتوسط تمثّل الشمال بتعاليه وزيفه ورفضه للمهاجرين من القارة التي لمْ يكفّ عن استغلال ثرواتها.

غير أنّ هذه الرحلة لم تخف الحنين إلى المجد الأفريقي والعربي الضّائع في السواحل الجنوبية لأوروبا، يقول الروائيّ على لسان إحدى شخصياته وهو الأستاذ اليساريّ عاطف “أيها القوم، أيها الفقراء والجياع، أنتم لا تهاجرون خلسة إلى بلاد الطليان، الجزيرة جزيرتكم فكلوا واشربوا وانكحوا ما طاب لكم”.

تمزّق الرواية القناع المزيّن بشعارات حقوق الإنسان عن وجه أوروبا، لتُظهرَ ملامحه القاسية التي ترسمها العنصرية، بمجرد وصول زورق المهاجرين السّرّيين من أفريقيا إلى شواطئ أوروبا تذوب الهالات الضّوئيّة التي كانت تتعلّق بها أبصارُ الشباب الحالمين، ويصطدمون بالثلج والبوليس والسجون.

تصوّر الرّواية أوروبا على أنها مصنع كبير للتطرّف والإرهاب والحقد الطبقيّ يدخله الإنسان فقيرا جائعا هاربا من جحيم العالم الثالث، ليخرجَ منه وحشاً مملوءًا بالحقد وغريزة القتل والانتقام من العالم.

غير أنّ الرواية فصلت بين الغرب السّياسي المتمثّل في أنظمته وأجهزته وقوانينه الرّافضة للآخر اللّاجئ المحتمي بها، وبين الغرب الثّقافي والمتمثّل في شعوبه وعاداته التي يغلب عليها التّسامح وحبّ الاندماج في ثقافة الوافد. وركّزت الرواية على شبكة العلاقات المختلطة بين الإيطاليين والعرب وبين المسيحيين والمسلمين والتي تجاوزت الصداقات إلى الحبّ والزواج، مثل العلاقة بين البوسني المسلم هادزيتش والإيطالية السيدة ماريزا، أو العلاقة بين جوليا وخليل، أو زواج نضال فتح الله بأريانا.

قراءة في ثورات الربيع العربي

إنّ ثورات الرّبيع العربي لم تكن مفصولة عن التحوّلات السياسية والاقتصادية العالمية، هذا ما تحاول رواية “جهاد ناعم” الإجابة عنه، وتتبّع الأسباب الأولى لما يسمّى “الجهاد” من خلال الشخصية الرئيسيّة نضال فتح الله التي رمت بها أحداث الرّواية بين مفاصل العُقد التي مثّلت شبكة المؤامرات التي حيكت حول الثورات العربية، وقادتها إلى جحيم الحروب والدمار.

والرواية لم تذهب إلى العمل الاستقصائي الذي ذهبت إليه بعض الأعمال الروائية العربية التي حاولت حلّ أسرار الثورات العربية، وإنما حفرت أعمق، بالعودة إلى تاريخ العلاقات بين الغرب والعرب، ومحاولة تلمّس الشرارات التي ساهمت في تأجيج نار الفتنة والانقسامات داخل جسد الوطن العربيّ.

في بناء روايته “جهاد ناعم” الصادرة هذه السنة عن دار زينب، اشتغل المؤدّب على تقنية سرديّة ذكيّة توازن بين التجريب والسرد الكلاسيكي، فبطل الرواية نضال فتح الله كان حاضرا في مقام الراوي طيلة فصول الرواية، لكن بين فصل وآخر كان يظهر راو آخر في إطلالة قصيرة لا تتجاوز الفقرة ليتحدث عن نضال، بأسلوب الأفلام الروائية الوثائقيّة التي يظهر فيها المخرج كملاحظ أو كمفسّر للأحداث.

يقول النّاقد الجزائري علاوة كوسة في تقديمه للرّواية “إنّ رواية ‘جهاد ناعم’ هي رواية طرح الإشكاليات العالقة، وفكّ شفرات الواقع العربي المنغلقة، ورواية الجرأة في الطّرح والنّقاش والنّقد الفاعل، رواية الخوض في المسكوت عنه، والتّناول الجادّ لتفاصيل الحياة، رواية حوار الضّفّتين العربيّة والغربيّة، الجنوبيّة والشّماليّة، الذّاكرة والحلم، الحاكم والمحكوم”.

بهذه الجمل اختزل كوسة الرّواية، ومثل هذه المفارقات تحتاج من الرّوائيّ جهدا في الموازنة بينها، وقد التجئ إلى النّصوص الموازية كالهوامش التي هي تعريفات لتواريخ وأماكن وأسماء شخصيات وأغان وأحداث، هذا بالإضافة إلى تقديم الرواية وإهدائها أيضا إلى بطل الرواية نضال فتح الله لكأنّ المؤدّب يريد إقناع قارئه بأنّ بطله أكثر من مجرّد شخصيّة روائيّة، كلّ هذا ساهم في بناء رواية متماسكة بأسلوب شعري.

14