جنوب آسيا يحل محل الشرق الأوسط كبؤرة للتشدد

تيارات الإسلام السياسي والجماعات الإسلامية المتشددة تسعى إلى تكوين نظام عالمي جديد.
الجمعة 2021/11/12
التشدد يتمدد في آسيا

واشنطن - تصاعدت أصوات المحللين والخبراء للإنذار بأن أبرز تداعيات التغيرات الإقليمية والدولية ستتمثل في انتقال حركات التشدد إلى جنوب آسيا، أين تكتسب تيارات الإسلام السياسي والجماعات الإسلامية المتشددة نفوذا واسعا هناك يعوضها عن الخسارات التي منيت بها في الشرق الأوسط.

وبينما تحاول دول الشرق الأوسط إدارة خلافاتها السياسية والأمنية، تعيد البلدان ذات الأغلبية المسلمة تجميع صفوفها على طول خط الصدع الذي يفصل بين مؤيدي المفاهيم المختلفة للإسلام الاستبدادي، ولكن الأكثر تسامحا دينيا واجتماعيا، وبين أولئك الذين يدافعون عن التقيد الصارم بالتعصب غير التعددي.

ويكتسب خط الصدع أهمية حيث تتنافس العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة مع بعضها البعض في جهودها لتعريف الإسلام في القرن الحادي والعشرين فيما يعتبر صراعا جيوسياسيا بقدر ما هو صراع أيديولوجي.

ويقول جيمس دورسي الخبير في قضايا الشرقين الأوسط والأدنى إن خط الصدع يقسم مؤيدي الإسلام السياسي ومعارضيه ويحوّل بؤرة التيار المحافظ المتشدد في العالم الإسلامي من الشرق الأوسط العربي إلى الشرق الأوسط غير العربي ويوسعه إلى جنوب آسيا.وتتفاقم أهمية المعركة من خلال حقيقة أن الدبلوماسية والاقتصاد والشؤون العامة والقوة الناعمة تحتل مركز الصدارة بشكل متزايد حيث تسعى دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وتركيا وإيران إلى إدارة خلافاتها في محاولة لمنعها من الخروج عن نطاق السيطرة.

ويضيف أن انتصار طالبان في أفغانستان الذي عززه الانسحاب الأميركي في أغسطس الماضي والذي اقترن بخطوات متعددة اتخذتها حكومة رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان التي تشجع التشدد الديني يؤكد مكانة جنوب آسيا في المنافسة الإسلامية على نظام عالمي جديد.

جيمس دورسي: المنافسة الإسلامية على نظام عالمي جديد تتجه نحو جنوب آسيا

ويتضاعف القلق من أن أفغانستان يمكن أن تبرز كمركز للعنف السياسي العابر للحدود ودفع التشدد وسفك الدماء في باكستان إلى جانب تصاعد الهجمات في كشمير في الأسابيع الأخيرة من موقع جنوب آسيا. وتشير الهجمات إلى أن قرار الهند في 2019 بإنهاء الحكم الذاتي لكشمير وحرمانها من إقامة دولتها أدى إلى تجدد التشدد.

ويخشى المحللون من أن السياسات القومية الهندوسية التمييزية التي يتبناها رئيس الوزراء ناريندرا مودي ستشجع التطرف في أماكن أخرى من الهند، موطن ثالث أكبر عدد من السكان المسلمين في العالم. وحذر الجنرال الهندي المتقاعد إتش إس باناج من التهديد الذي تشكله “الانقسامات التي تتطور في أذهان الطائفة المسلمة الكبيرة بسبب استهدافها من عناصر متكتلة تحركها أيديولوجية مجتمع الأغلبية. ولا يثبت تمتع هذه العناصر بالرعاية السياسية أو رعاية الدولة إلا نظرية الاضطهاد في الإسلام الراديكالي”.

ويقول دورسي إن ما لا يفعله خط الصدع الديني هو تحديد كتلتين. وتدور الخصومات داخل الخصومات على جانبي الانقسام. وتشمل هذه المنافسة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر في الجغرافيا السياسية، والمواقع الاقتصادية والدينية، والدبلوماسية الرياضية، فضلا عن التوتر المتصاعد بين تركيا وإيران.

وتجلى هذا التوتر الشهر الماضي في مناورات عسكرية متنافسة على طول الحدود الأذرية – الإيرانية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن العلاقات بين إيران وطالبان هشة نظرا للمخاوف الإيرانية بشأن محنة الشيعة الهزارة المضطهدين في أفغانستان.

وما يعنيه الانقسام الديني هو أن لطالبان رفقة جيدة في رقعة من الأرض تمتد من إسطنبول إلى إسلام أباد عندما يتعلق الأمر بتقييد السلوك الاجتماعي مثل منع الفتيات من الوصول إلى التعليم، وحظر الموسيقى وتسريحات الشعر الغربية، ومنع الرجال من حلق لحاهم.

وبالمثل، أثار رئيس الوزراء الباكستاني انتقادات في وقت سابق من هذا العام بتأكيده أن العدد المتزايد من الهجمات على النساء كان بسبب ارتدائهن “ملابس خفيفة”. ومنذ ذلك الحين، رحب خان بانتصار طالبان ووصفه بأنه “كسر أغلال العبودية”.

وعزّز الجوقة مفتي الرئيس رجب طيب أردوغان العالم الإسلامي خيرالدين كرمان البالغ من العمر 84 عاما، بإعلانه أن الرجل السني المسلم لا يجوز له الزواج من امرأة علوية.

ويلتزم العلويون، الذين يمثلون ما يصل إلى 25 في المئة من سكان تركيا، بمبادئ دينية أكثر ليبرالية وتسامحا من تلك التي يروج لها الإسلام السني التقليدي وكذلك حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتزعمه أردوغان. وهددت فتوى كرمان بتأجيج الحروب الثقافية في تركيا في وقت تتراجع فيه شعبية أردوغان في استطلاعات الرأي.

ويشير الخبير إلى أن التعليم يعتبر أحد العلامات الرئيسية للعوالم المختلفة التي تنعكس في الانقسام الديني. وتتناقض القيود المفروضة على تعليم الفتيات والنساء في أفغانستان التي تحكمها طالبان وباكستان المتجهة نحو منهج وطني واحد يسعى لأسلمة التعليم بشكل صارخ مع تركيز الخليج على التعليم الحديث القائم على العلم وإنشاء حرم جامعي محلي للجامعات الغربية الكبرى.

البلدان ذات الأغلبية المسلمة تعيد تجميع صفوفها على طول خط الصدع الذي يفصل بين مؤيدي المفاهيم المختلفة للإسلام الاستبدادي وبين أولئك الذين يدافعون عن التقيد الصارم بالتعصب

وقال بيرفيز هودبهوي العالم النووي والناشط في مجال حقوق الإنسان والذي يعلق باستمرار على القضايا التعليمية إن العثمانيين وغيرهم قد فشلوا في محاولاتهم لجمع المدارس العادية والمعاهد الدينية في نظام واحد.

ويرى دورسي أن هذا هو سبب محاولة الدول العربية اليوم تغيير مناهجها بسرعة إلى مناهج حديثة.

وتحاول باكستان أن تكون استثناءً، لكنها ستدفع ثمنا باهظا. وقال هودبهوي إن الخريجين العاطلين سيكونون نتيجة تجربة المنهج الوطني الفاشلة.

وأشارت دراسة نُشرت في وقت سابق من هذا العام إلى أن الكتب المدرسية التركية قد حلت محل النصوص السعودية باعتبارها مركز انتقادات المناهج المتعصبة وغير المتسامحة في العالم الإسلامي.

ووجدت الدراسة أن المناهج التركية، التي كانت ذات يوم نموذجا للعلمانية مع نظام تعليمي يروّج للتطور والانفتاح الثقافي والتسامح تجاه الأقليات، قد استبدلت بشكل متزايد هذه المفاهيم بمفاهيم الجهاد والاستشهاد في المعركة والعثمانية الجديدة والقومية التركية.

وقال الرئيس التنفيذي لمعهد رصد السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي ماركوس شيف “إن فكرة اعتماد الجهاد جزءا من المنهج التركي حاليا، مع تمجيد الاستشهاد في المعركة قد لا يكون مفاجئا بالنظر إلى ما نعرفه عن أردوغان.. لكن رؤيته بالأبيض والأسود هو صدمة كبيرة”.

*سنديكيشن بيور

7