جنوب أفريقيا انتقلت إلى مرحلة ما بعد مانديلا منذ سنوات

الأحد 2013/12/08
لم يعد خط التوزيع الاقتصادي يمر عبر لون البشرة لكن أغلبية كبيرة من السكان تعاني من البطالة والفقر

جوهانسبرغ ـ توفي مانديلا الأب الروحي لأفريقيا الجنوبية دون أن يكمل بقية حلمه وهو أن يرى جوهانسبرغ دون ميز اجتماعي ليترك المشعل في يد الأجيال القادمة عسى أن تتمكن من تتمة مشواره.

على الرغم من الصدمة التي أحدثتها وفاة نيلسون مانديلا، كانت جنوب أفريقيا تتوقع منذ سنوات رحيل أول رئيس أسود للبلاد يرى فيه مواطنوه شخصية راعية وحامية لهم، ويلقبونه "تاتا"، الكلمة التي تعني باحترام كبير الأب.

ومانديلا الذي توفي ليل الخميس الجمعة عن 95 عاما، لم يكن يتدخل في مسيرة البلاد منذ سنوات.

وكان نائب مدير العلاقات بين الأعراق فرانس كروني صرح قبل أشهر أن وفاته "لن تحدث تغييرا كبيرا في جنوب أفريقيا لأنه انسحب من الحياة العامة منذ سنوات" و"تأثيره السياسي محدود جدا".

إلا أنه أضاف حينذاك "لكن في أي وقت يحدث ذلك، فإنه سيشكل صدمة وحزنا وطنيا هائلا بسبب تأثيره على جنوب أفريقيا في السنوات السبعين الأخيرة وعلى حياة معظم سكانها".

وتحدث مانديلا علنا للمرة الأخيرة في أبريل 2009 خلال تجمع انتخابي لحزبه المؤتمر الوطني الإفريقي.

وقد اعترف فيه بفشله بشكل غير مباشر، وقال "علينا أن نتذكر أن مهمتنا الأولى هي القضاء على الفقر وتأمين حياة أفضل للجميع". وبعدما انتخب رئيسا في 1994 لولاية مدتها خمس سنوات، كلف نائبه ثابو مبيكي بإدارة الشؤون الجارية. وخلفه مبيكي في المنصب (1999-2008) ثم غاليما موثلانتي وأخيرا جاكوب زوما في 2009.

وقال الخبير السياسي أولمو فون ماينفيلد "في صفوف بعض الأقليات يسود قلق مما سيحدث بعد موت مانديلا"، مؤكدا أن "جنوب أفريقيا تبقى بلدا يشهد انقسامات". وأضاف أن "مانديلا لم يعد يشارك في حياتنا الديمقراطية منذ عشر سنوات وهذا لم يمنع جنوب أفريقيا من أن تبقى مستقرة لعشر سنوات".

وتحدثت شائعات نقلتها مواقع التواصل الاجتماعي عن ثورة سوداء وقتل للبيض بعد وفاة مانديلا، لكن المحللين يرون أن هذه التكهنات أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة.

وقال فون ميينفيلد أن مانديلا يجسد الحنين إلى السنوات الأولى التي تلت سقوط نظام الفصل العنصري أيضا واتسمت "بفرح كبير وطاقة إيجابية حول ما يمكن لأبناء هذا البلد أن يصنعوه بالعمل معا، وربما ببعض السذاجة، حول التحديات المقبلة".

مانديلا لم يعد يشارك في حياتنا الديمقراطية منذ عشر سنوات وهذا لم يمنع جنوب أفريقيا من أن تبقى مستقرة لعشر سنوات

وفي فبراير 2012، كتبت صحيفة تايمز التي تصدر في جنوب أفريقيا بعد إدخال مانديلا المستشفى للخضوع لفحوص طبية "يبقى أبا لأمتنا الجديدة هذه ووجوده يبعث على الاطمئنان وإن كان لا يشغل حيزا كبيرا في الحياة العامة". وأضافت أن "تصور جنوب أفريقيا دونه يغرق كثيرين منا في حزن". لكن هذه النظرة تبدلت تدريجيا عندما أدخل مانديلا مرات عديدة إلى المستشفى مما ساهم في جعل الناس يستعدون لفكرة رحيله. وعند إدخاله للمرة الأخيرة إلى المستشفى في الثامن من يونيو، قال أحد أصدقائه القدامى للصحافيين "على العائلة أن تترك أمره لله الآن (…) نقول شكرا لله لأنه أعطانا هذا الرجل وندعه يرحل".

توفي مانديلا ولم ينجز من حلمه إلا القسم الأول وهو القضاء على الميز العنصري في حين بقي القسم الثاني بانتظار شخصية جديدة كمانديلا لتحقيقه وهو بناء وطن دون فقر وتمييز اجتماعي.

فجنوب أفريقيا التي تخيلها وحلم بها نيلسون مانديلا كان يفترض أن "يملكها كل من يعيش فيها". لم يبق في البلاد حواجز عرقية قانونية لكن هناك هوة اقتصادية بين الأغنياء والفقراء، تثير استياء السكان.

وفي هذا السياق يقول فرانس كرونجي من معهد جنوب أفريقيا للعلاقات بين الأعراق المرصد الرائد في تحول البلاد "إننا ما زلنا بعيدين كثيرا عن المجتمع الذي كان يتطلع إليه مانديلا" .

وأضاف كرونجي أن "أربعة جنوب أفريقيين من أصل عشرة لا ينهون دراستهم، وواضح أن ذلك ليس ما كان يتخيله مانديلا، وعندما ينتهون ليسوا في مستوى متطلبات النظام الاقتصادي".

وفي إشارة إلى رفاقه خلال الثلاثينات كتب مانديلا "لم تكن قلة القدرات هي التي تحد شعبي، بل قلة الإمكانيات".

وما زالت هذه الملاحظة حقيقة مريرة في 2013 أي بعد نحو 19 سنة من حكم المؤتمر الوطني الأفريقي الذي فشل في إعادة توزيع الأوراق.

ولم يعد خط التوزيع الاقتصادي يمر عبر لون البشرة لكن أغلبية كبيرة من السكان تعاني من البطالة والفقر. وتساهم معاشات الشيخوخة والعلاوة العائلية التي توزع على 10.3 مليون شخص في امتصاص الفقر لكنها المورد الوحيد في بعض العائلات.

وكانت بذلت جهود جبارة من أجل تحسين ظروف مدن الصفيح وبناء مليون منزل بأسعار متدنية، بينما ينص القانون على أولوية توظيف السود ويفرض الدفع بمشاركة السود في أسهم الشركات في ما يسمى برنامج "بلاك أيكينوميك امباورمنت" أي تعزيز اقتصاد السود.

وتنتظر جنوب أفريقيا اليوم ملهما جديدا يدفعها لسحق الهوة بين الأغنياء والفقراء ويسترجع حماسة مانديلا في الأجيال القادمة.

5