جنوب السودان: بلد ناشئ يتجه نحو انعدام الاستقرار

الاثنين 2013/08/19
الخرطوم هددت بإغلاق خطوط النفط

يعتبر أحمد سليمان أن جنوب السودان خيّب الآمال التي كانت منتظرة منه بعد انفصال البلاد عن السودان. ويشير في تقرير صدر عن المعهد الملكي البريطاني، تشاتام هاوس، أن النفوذ العسكري يهدّد بإفشال الدولة حديثة العهد.

لندن- آلت الآمال الكبيرة التي أتت مع استقلال جنوب السودان في يوليو من سنة 2011 إلى زوال سريع. وقد زادت حالة التعثر في المسيرة التنموية وحركات التمرد المستمرة والتخوفات بشأن الحكم والنفوذ العسكري من المخاوف من إمكانية فشل الدولة. وميزت الأزمة السياسية عيد ميلاد البلاد في سنته الثانية عندما قام الرئيس سلفا كير بحل مجلس الوزراء بأكمله. وجاء "التغيير الوزاري الشامل" الدستوري بموجب مرسوم رئاسي.

هناك توافق واسع في أوساط الشعب والبرلمان بخصوص الحاجة إلى العمل على إيجاد حكومة تعمل بشكل منسجم، ويمكن اعتبار ما أقدم عليه الرئيس في جانب منه محاولة لتحسين أداء الحركة الشعبية لتحرير السودان، الحزب الحاكم في جنوب السودان. إلا أن هذا الأمر قد أصبح أكثر تعقيدا بإقالة إثنين من أبرز أعضاء الحكومة، وهما نائب الرئيس رياك مشار والأمين العام باقان أموم. وترتبط إقالتهما بالانقسامات على أساس طائفي داخل الحركة الشعبية. وقبل الانتخابات المرتقبة في سنة 2015 تشهد الساحة السياسية بجنوب السودان احتدام الصراع على السلطة مع سعي كلا الطرفين إلى الظفر برئاسة الحركة الشعبية. وخارج إطار الحركة اتخذت خطوة سلفا كير الوقائية صبغة دفاعية مبالغ فيها عبر منع معارضين سياسيين إثنين كانا من الممكن أن يشكلا تحديا أمامه ودفعهما إلى أسفل ترتيب المنافسين في الحزب، ممهدا بالتالي الطريق للاستمرار في منصب الزعامة. وقد قبل رياك مشار بالقرار وأكد عزمه على خوض سباق الرئاسة من داخل الحركة الشعبية.

ما زال على الحركة الشعبية لتحرير السودان إلى الآن أن تتخلص من التوجهات العسكرية بديلا عن الحكم المدني، وما تزال قيادتها تثمن التراتبية العسكرية القوية بدلا عن تعزيز الاستحقاقات الفردية والجماعية. ويدرك الرئيس كير أنه على الرغم من تراجع شرعية الحركة الشعبية إلا أنها تحتفظ بدرجة عالية من الولاء الشعبي بعد أن كفلت حق تقرير المصير، ولا يوجد ما يشير حتى الآن إلى وجود حزب معارض أو مرشح آخر قادر على الحياة.

ويأتي هذا الانهيار في لحظة حرجة من المحادثات مع السودان. وقد هددت الخرطوم بإغلاق خطوط أنابيب تصدير النفط في البحر الأحمر في 22 أغسطس ما لم توقف الحركة الشعبية دعمها للمتمردين في دارفور والنيل الأزرق ومناطق جنوب كردفان. وتنفي جنوب السودان قيامها بمساعدة المتمردين وهددت بدورها بإيقاف إنتاج النفط زاعمة أن التمرد الذي يقوم به ديفيد ياو ياو في جونقلي يلقى الدعم من السودان.

في يونيو 2012 شلَ إيقاف إنتاج النفط 98 بالمئة من دخل الحكومة لأكثر من سنة، وقد يتسبب أي إغلاق آخر مطول في تآكل خطوط الأنابيب. وأصبح جنوب السودان مؤخرا عضوا في صندوق النقد الدولي ولكن الشلل الذي أصاب الحكومة قد يمنعها من الوفاء بتسديد أولى دفعات القروض.

ولم تتمكن الحكومة من الاستفادة لا من الاستقلال عن الشمال أو من حقولها النفطية المحررة كعوامل محفزة على إدخال تغيير تدريجي في البلاد. وراكمت الأزمات الداخلية والخارجية من الضغوط على الحركة الشعبية لتحرير السودان التي لا تزال في طور الانتقال من قوة تحرير إلى حزب حاكم. بيد أن التطور محتمل إذ يمكن أن يكون الانقسام داخل الحركة الشعبية عاملا إيجابيا في حال أدى ذلك إلى ظهور أحزاب سياسية جديدة. إلا أن فرص تحقيق ذلك على أرض الواقع قد تتقلص بسبب نزعة الصراع بين الفصائل، بدلا من السعي نحو الديمقراطية، والانقسامات العرقية المتصاعدة التي من شأنها شل مسار الحركة الشعبية ومن المحتمل أن تقود البلاد نحو المزيد من العنف.

وعلى هذا الأساس يتعين على المجتمع الدولي العمل على تقديم دعمه لجنوب السودان للحيلولة دون استفحال الجمود السياسي المحلي والعابر للحدود. وأمام الرئيس سلفا كير خياران: تغليب مصالح الوطنية أو مصالح السلطة. ويعد التركيز على الخيار الأول أمرا ضروريا لضمان مستقبل جنوب السودان الذي يحتاج الآن إلى حكومة قادرة على إعطاء أولوية توفير الخدمات لصالح شعب جنوب السودان.

عن المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية، ترجمة منصف الخروبي.

6