جنوب السودان: دولة وأدتها القبلية والزعامة وحب السلطة

النتائج التي وصلت إليها دولة جنوب السودان بعد استقلالها لا تعكس تلك الجدية التي كانت بادية في خطاب زعماء الانفصال قبل سنة 2011. فالدولة التي ظهرت بفعل الضغوط الدولية لم تعرف الاستقرار منذ انفصالها، إذ لم يتجاوز الأمر السنتين حتى عرف نظامها السياسي محاولة انقلاب فحربا أهلية فبوادر تفكك فعلي على الأرض نتيجة بنيتها القبلية المعقدة.
الاثنين 2016/07/11
انفصال بطعم رماد الحرائق القبلية

جوبا – لم تهدأ دولة جنوب السودان، الدولة الجديدة الناشئة سنة 2011 من أحداث الاقتتال والصراع على السلطة منذ تأسيسها. فقد حملت بذور الاضطراب منذ أن انطبع التحالف بين قبيلتي الدينكا والنوير في مفاوضات الاستقلال عن السودان مطلع الألفية الحالية.

فقد شهد عدد من أحياء جوبا عاصمة جنوب السودان، الأحد، معارك عنيفة وذلك في إطار الاشتباكات الدائرة بين القوات الحكومية والمتمردين منذ أيام. وقال سوكيري بين وهو أحد سكان العاصمة إنه يمكن سماع دوي طلقات من أسلحة خفيفة وثقيلة.

وذكرت بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان على حسابها على موقع تويتر أن هناك “اشتباكات مستمرة” بالأسلحة الثقيلة قرب مقارها. وكانت تقارير ذكرت أن نحو 272 شخصا قتلوا منذ بداية الاشتباكات الجمعة، عندما اندلعت معارك بالقرب من القصر الرئاسي حيث كان الرئيس سلفا كير يلتقي نائبه زعيم المتمردين السابق رياك مشار.

وكان صراع على السلطة قد تحول بين سلفا كير ورياك مشار في ديسمبر من عام 2013 إلى صراع مسلح أسفر عن مقتل العشرات من الآلاف وتشريد أكثر من مليوني شخص. وكان من المتوقع أن يقود تشكيل حكومة وحدة وطنية في أبريل الماضي إلى وضع نهاية للقتال، لكن ذلك لم يحدث.

جذور الصراع

سنة 1991 انشق رياك مشار، الذي كان نائب رئيس جمهورية جنوب السودان بين سنتي 2011 و2013، عن الحركة الشعبية لتحرير السودان التي كان يقودها الضابط السابق في الجيش السوداني في عهد جعفر النميري جون قرنق. وإثر انشقاقه أسس مشار مع بعض المنشقين من أبناء قبيلته وهي قبيلة النوير حركة استقلال الجنوب سنة 1995 بعد محاولات تنظيمية أخرى فاشلة.

لم تتوقف المناوشات الداخلية بين قبائل جنوب السودان وخاصة بين قبيلة النوير التي ينتمي إليها رياك مشار وقبيلة الدينكا التي ينتمي إليها الرئيس الحالي لجنوب السودان سيلفا كير، لكن ذلك الصراع بقي مخفيا إلى حين إعلان تأسيس دولة جنوب السودان سنة 2011 بعد نجاح استفتاء أبناء قبائل الجنوب حول دعم الاستقلال من عدمه، فكانت النتيجة أن قررت قبائل الجنوب الانفصال عن السودان.

لم يدم وضع السلم كثيرا في الدولة الجديدة، حيث اندلعت اشتباكات مسلحة بين أبناء قبيلة الدينكا وقبيلة النوير وذلك على خلفية اقتسام النفوذ في حقول النفط المتعددة في المنطقة. وكان ذلك شرارة بداية ما يشبه حربا أهلية أدت إلى تعطيل كل مؤسسات الدولة، ليصل الأمر برياك مشار إلى القيام بمحاولة انقلاب فاشلة سنة 2013 أدت إلى اعتقال عدد من الضباط في الجيش وبعض المسؤولين من أبناء قبيلته، وتستمر المعارك إلى اليوم بالرغم من الضـغوط العديدة التي تمارسها الأمم المتحدة وقوى دولية على رأسها الولايات المتحدة الأميركية التي سعت منذ سنة 2000 إلى فصل جنوب السـودان عن السودان وإعـلانه دولـة مستقلة.

بان كي مون: أعمال العنف الأخيرة تبرز عدم التزام أطراف الصراع بعملية السلام

وأكدت العديد من التصريحات الصادرة عن مسؤولين وعن أنصار قائد الانقلاب مشار أن المعارك بين القبيلتين هي بالأساس تحوم حول السيطرة على المواقع النفطية، فكل قبيلة تسعى إلى الهيمنة على المؤسسات الحكومية التي تدير تجارة النفط واستخراجه على كامل مستوى الدولة، إلا أن النعرة القبلية تؤجج دائما مقولة الاستحواذ، الأمر الذي دفع مشار إلى التصريح بالقول “كل ما نريده هو أن تكون هناك هيئة دولية تسوق وتبيع نفط جنوب السودان”، مضيفا “كل ما نحتاجه هو هيئة دولية تتولى تسويق نفط جنوب السودان وبيعه”.

وتواصلت الحرب الأهلية القبلية مدة سنتين آخذة وتيرة تصاعدية في الهجمات المتبادلة، إلى درجة قال عنها مراقبون إن جنوب السودان وصل إلى نقطة اللاعودة في الحرب الأهلية وانفصال الجنوب عن السودان لم يكن حلا عمليا. ووضعت الحرب أوزارها بعد اتفاق سلام في أغسطس الماضي، لكن القوات الموالية لكير ولمشار لم تندمج مع بعضها البعض حتى الآن وهو بند أصيل في الاتفاق.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون فور تجدد الاشتباكات الجمعة الماضي، إن أعمال العنف الأخيرة تبرز عدم الالتزام بعملية السلام وحث قادة البلاد على وضع حد للقتال والسيطرة على القادة العسكريين والعمل معا لتطبيق اتفاق السلام.

كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان هي التنظيم الرئيسي والجامع لكل التيارات الانفصالية عن السودان منذ تأسيسها سنة 1983 إلى حدود إعلان استقلال السودان، لكن الملفت للانتباه أن ديناميكية العلاقة بين مكونات هذه الحركة لا تعكس جدية مشروعها في تأسيس دولة مستقرة خاصة وأن المنطقة الجغرافية التي تشكل جنوب السودان منطقة غنية بالنفط. فالعنصر القبلي والعرقي يعتبر المحرك الرئيسي لطبيعة العلاقات بين مكونات الجبهة، الأمر الذي أدى إلى تصدعها في كل مرة يعلن فيها أحد الزعماء انشقاقه عنها لأسباب قبلية.

بنية قبلية معقدة

أثّر الانتماء القبلي على قضية جنوب السودان ككيان سياسي، سواء على صعيد العلاقات الداخلية بين قبائل الجنوب أو على صعيد العلاقات الخارجية مع دول الجوار التي توجد فيها امتدادات قبلية لمختلف قبائل الجنوب.

فعلى الصعيد الداخلي مثلا إن أي انشقاق أو انصهار تعرفه الحركة الشعبية لتحرير السودان، غالبا ما يعكس تفاعل البنية الاجتماعية ومدى الترابط أو التنافر بين مكوناتها.

أما خارجيا فإن قبائل الجنوب السوداني لها امتداداتها في أوغندا وإثيوبيا وكينيا والكونغو، وهذا ما يفسر سهولة انسياب وتحرك الجيش الشعبي لتحرير السودان في حدود الدول المجاورة، ويضم جنوب السودان ثلاث مجموعات سلالية رئيسية هي: النيليون والنيليون الحاميون والمجموعة السودانية. وتأتي على رأس هذه السلالات من حيث العدد والنفوذ والقوة النيليون. ومن هذه السلالات انحدرت قبائل الجنوب السوداني مشكلة نسيجا اجتماعيا معقدا.

جنوب السودان تفكك فعلا إلى دويلات الأمر الذي يعيد طرح مدى مشروعية الانفصال منذ البداية

هذا التعقيد الذي يراه البعض من الباحثين سببا من أسباب عدم الاستقرار، لم يكن عامل تأهيل لاستقلال جنوب السودان. فبالرغم من النبرة اليسارية التي كانت تتبناها الجبهة الشعبية لتحرير السودان في بداية تأسيسها، وتبنيها بعد ذلك للخط الليبرالي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، إلا أن ذلك لم يشفع لها في سياق القضاء على النبرة القبلية التي تحكم طبيعة العلاقات. وقد انفجرت هذه البنية قبل المدنية فور الاستقلال وهي إلى الآن تسبب عطلا حادا في الدولـة وتعطيلا لأهم مواردها وهو النفط.

استقلال منقوص

يقدر عدد الدينكا بنحو 3 ملايين نسمة، وهي كبرى المجموعات الإثنية في السودان الذي يضم حوالي 500 مجموعة إثنية غير الدينكا. وتعيش الدينكا في فضاء جغرافي يمتد من شمال مديريات الإقليم الجنوبي (بحر الغزال والنيل الأعلى) إلى جنوب كردفان (حول مجرى النيل) حيث يقع خط تماسها مع قبائل البقارة. ومن المعروف عن هذه القبيلة هيمنتها على كل نواحي الحياة في الجنوب نظرا لكثرة عددها، وهذا ما أدى إلى تعصب مقابل في قبيلة النوير.

أما النوير فهي فضاء جغرافي يقع أساسا في إقليم أعالي النيل أي مناطق السوباط والناصر وميورد وأيود ومحافظة اللير ويمتد إلى داخل حدود الحبشة. وتكثر المستنقعات في هذا الفضاء، وقد زاد ذلك من عزلة قبيلة النوير ونزوعها الاستقلالي والاعتزاز بالنفس كما زاد في صعوبة اختراق مناطقها، وتمتاز بأن لها لهجة واحدة وأسلوبا في الحياة متشابها إلى حد بعيد. وتقول بعض التقارير إن دولة جنوب السودان ذهبت مباشرة وبشكل تلقائي بعد استقلالها إلى الصوملة، فالقوة السياسية والعسكرية التي كانت تقود مفاوضات استقلالها لم تكن مؤهلة لبناء دولة مدنية ومستقرة من الناحية الأمنية والحزبية والقبلية، حتى أن بعض المسؤولين في جنوب السودان يؤكدون أن هذا الكيان لن يدوم طويلا.

وقد صرح وزير العدل الأسبق وأحد قادة الجبهة الشعبية لتحرير السودان محمد يوسف أحمد المصطفى أن “ما يحدث الآن في جنوب السودان يؤكد نظرتنا بأن ما يدور هو محض صراع حول السلطة، لأن حكام جوبا غادروا رؤية الحركة المتمثلة في مشروع السودان الجديد القائم على التعدد والمساواة والديمقراطية والتنافس الحر في الفضاء الاجتماعي الذي كان يمنحهم سببا للحياة، الآن لم يجدوا طريقا آخر غير الصراع على السلطة”، مضيفا أن جنوب السودان تفكك فعلا إلى دويلات، الأمر الذي يعيد طرح مدى مشروعية الانفصال وتأسيس كيان جديد يحمل نهايته منذ بدايته.

6