جنوب السودان عضو في الجامعة العربية: طرح صعب لا يخلو من مزايا

طلب انضمام جوبا للجامعة العربية له علاقة بحسابات سلفاكير الداخلية والاستفادة من فراغ إقليمي لحماية سلطته.
الخميس 2018/03/08
بحث عن بدائل

القاهرة - يؤكد الطلب الذي تقدمت به دولة جنوب السودان للحصول على عضوية الجامعة العربية، الأربعاء، أن هناك تغيرات تحدث في الفضاء الإقليمي، وأن هناك فراغا استراتيجيا في المنطقة نجم عن غياب الأدوار التقليدية التي كانت تقوم بها بعض القوى الكبرى مكنتها سابقا من التحكم في موازين تطورات متفرّقة.

ووجّه حصول جنوب السودان على الانفصال في يوليو 2011، ضربة قوية لتوازنات كانت تحسب السودان على العمق الأفريقي، وباستقلال الجزء الجنوبي منه تواتر الحديث عن شدّ السودان للفضاء العربي وجنوبه نحو الفضاء الأفريقي.

 

لم يتحول جنوب السودان إلى دولة “سليمة” وقوية كما كان يروّج مؤيدو الانفصال ورعاته الدوليون، حيث تجد جوبا نفسها اليوم بعد سبع سنوات من الانفصال عاصمة لدولة لم تعرف السلام والاستقرار، وتخلى عنها داعموها نتيجة الاضطرابات الدموية المتواصلة منذ عام 2013 على خلفية نزاع بين الرئيس سلفاكير ونائبه السابق رياك مشار. ولم تجد هذه الدولة الناشئة اليوم غير استمالة الدول العربية بحثا عن حليف في منطقة تموج بالصراعات وفي مواجهة الضغوط الداخلية المتراكمة

وبعد مضي نحو سبع سنوات، لا السودان انخرط في فضائه العربي كعضو فاعل، ولا الجنوب وجد نفسه في العمق الأفريقي، وتداخلت الولاءات بصورة كبيرة، بما خيّب ظن من دفعوا نحو فصل الجنوب عن الشمال، بل لم تعد فكرة الجنوب كقاعدة مهمة لدول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا تحظى باقتناع دوائر كثيرة.

وكبّد اندلاع حرب أهلية في الدولة الوليدة منذ ديسمبر 2013 وحتى الآن، فكرة الدولة الحلم أو النموذج خسائر باهظة، ووضع على عاتق من تبنوا سيناريو الانفصال حملا ثقيلا، لأنهم لم يتمكنوا من وقف الحرب الأهلية التي لا تزال تدور رحاها بين الرئيس الحالي سلفاكير ونائبه الأول ورياك مشار.

ويكشف تقدم جوبا بطلب رسمي للدورة 149 لوزراء خارجية الدول العربية، عن فقدان ثقة النظام الحاكم في جنوب السودان في حلفائه الرئيسيين، من الأفارقة والقوى الدولية، ويؤكد أن الرئيس سلفاكير بدأ يبحث عن عمق جديد، يوفر له دعما في مواجهة خصومه في الداخل وفي الإقليم.

ويشير تقدم المملكة العربية السعودية بتقديم طلب دولة جنوب السودان، إلى أن هناك حراكا جديدا تقوم به الرياض في القارة السمراء، فمن عرض الطلب هو أحمد قطان، سفير السعودية السابق في القاهرة، والذي تولى قبل أيام حقيبة وزير دولة للشؤون الأفريقية.

لم يكن التفكير في ضم جنوب السودان للجامعة العربية جديدا، لأن الفكرة طرحت منذ الانفصال ولم تلق ترحيبا من جوبا، ولم تسع الدول العربية إلى تنفيذها، لكنها عادت لتداعب خيال الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبوالغيط، العام الماضي، وتجاوبت معها جوبا تلميحا، بعد أن بدأت الحرب الأهلية تشتعل ويفقد الرئيس سلفاكير الكثير من حلفائه في أفريقيا.

ولا يقتصر التوقف عند طرح الانضمام للجامعة العربية على دولة جنوب السودان، فقد حدث ذلك مع إريتريا عندما حصلت على الاستقلال في أبريل 1993، وكانت تطرح من حين لآخر بشأن دولة تشاد، باعتبار أن هناك جملة من القواسم المشتركة مع اللغة والثقافة العربية.

وفي جميع الحالات كانت الدول الثلاث، إريتريا وتشاد وجنوب السودان، تفضل عدم الانضمام للجامعة العربية، كي لا تغضب قوى أخرى ترفض هذا الاتجاه وتقدم لها دعما اقتصاديا وسياسيا، كما أن الانضمام نفسه لن يجلب مزايا حقيقية، وسط الأزمات التي تعاني منها الجامعة العربية والتي أصبحت عاجزة عن مواجهة رزمة كبيرة من المشكلات، ودورها اقتصر تقريبا على اجتماعاتها الدورية.

خطة لتقوية الدور العربي في أفريقيا

القاهرة - أقرت لجنة وزارية عربية خطة التحرك العربي لمواجهة أجندات توسعية، من ذلك المخططات الإسرائيلية، في أفريقيا وسبل تنفيذ هذه الخطط على المستوى العربي العام. وشددت اللجنة المعنية بمواجهة المخططات الإسرائيلية في القارة الأفريقية، في اجتماعها بالجامعة العربية برئاسة وزير الدولة للشؤون الأفريقية السعودي أحمد قطان، على ضرورة التنسيق مع البرلمان العربي في إطار تكامل الجهود المبذولة من طرف الجامعة العربية والبرلمان العربي. وبحثت اللجنة ما تم إعلانه حول عزم زامبيا استضافة القمة الأفريقية الإسرائيلية عام 2018. كما أكدت اللجنة الوزارية في مشروع قرار رفعته إلى المجلس الوزاري، على ضرورة تنفيذ إعلان فلسطين الصادر عن قمة مالابو العربية الأفريقية 2016 وتعزيز العمل مع الاتحاد الأفريقي لدعم قضية فلسطين وقراراتها في المحافل الدولية والتصدي لأي محاولات التفافية على مكانة القضية الفلسطينية في القارة الأفريقية.

وكانت آخر دولة انضمت إلى الجامعة العربية هي جزر القمر عام 1993، كنوع من البحث عن هوية ثقافية، عندما تأكدت أن الهوية الأفريقية لن تعبّر عنها بصورة جيدة.

ويقول ميثاق الجامعة العربية في مادته الأولى “يحق لكل دولة عربية مستقلة الانضمام بعد أن تقدم طلبا بذلك يودع لدى الأمانة العامة الدائمة، ويعرض على المجلس في أول اجتماع يعقد على مستوى المندوبين الدائمين”.

وحيال عدم نص المادة الأولى من الميثاق على توضيح عدد الأصوات الواجب توافرها للموافقة على طلب الانضمام، جرى التعامل على اشتراط إجماع الدول الأعضاء في المجلس. وينص الميثاق على ضرورة إقرار دساتير دول الجامعة للغة العربية كلغة رسمية، وهو ما ينطبق على جنوب السودان الذي يجيز التعامل بها رسميا في البلاد.

ولا يخلو التفكير في انضمام جنوب السودان من مزايا بالنسبة لدولة مثل مصر، ساد التوتر علاقاتها مع دولة إثيوبيا بعد شروع الأخيرة في إقامة سد النهضة.

وعندما تلتحق دولة جنوب السودان بالجامعة العربية، أصبحت هناك مبررات كبيرة لدعمها، فنيا وسياسيا وعسكريا، فالعلاقات الجيدة التي تقيمها القاهرة مع جوبا الآن والدعم الذي يقدم لها يتم فهمهما عند كل من إثيوبيا والسودان على أنهما موجهان إليهما مباشرة، بغرض أن توحي مصر أن لها نفوذا قويا في واحدة من دول حوض النيل الرئيسية.

كما أن تبني السعودية لفكرة الطلب في هذا التوقيت، يتسق مع التناغم السياسي الصاعد بين القاهرة والرياض والذي ظهرت تجلياته خلال الزيارة التي قام بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى مصر قبل أيام، ويعزز التحالف بين الجانبين، وأن كل دولة تحاول مساعدة الدولة الأخرى على تجاوز التحديات التي تواجهها.

وبدأت القاهرة تعيد النظر في حساباتها حيال الكثير من القضايا المزعجة بالنسبة إليها، وبينها ملف سد النهضة، وتحاول الاستفادة من الفراغ النسبي الذي أحدثته السيولة السياسية في الكثير من الملفات الإقليمية، وتراجع درجة الممانعات التي كانت تتبناها قوى كبرى مثل الولايات المتحدة بشأن سعي بعض القوى إلى الاقتراب من ملفات لها خصوصية في الرؤية الأميركية، بينها إثيوبيا وجنوب السودان.

وتواجه الدولتان تحديات كبيرة على الصعيد الداخلي، وفشلت واشنطن في تقديم الدعم الكافي لكل منهما، وعدم مساعدتهما على تجاوز الأزمات المعقدة، والتي وصلت في جنوب السودان إلى حالة الحرب الأهلية الممتدة منذ خمس سنوات، ولم يعد هذا الخيار بعيدا عن إثيوبيا، في ظل تفاقم المشكلات العرقية التي أجبرت رئيس الوزراء هايلي ماريام ديسالين على تقديم استقالته مؤخرا.

في المقابل، ترى الكثير من الدوائر السياسية أن انضمام جنوب السودان أو أي دولة أخرى للجامعة العربية، لن يضيف لأي من الجانبين قوة حقيقية، وسط الترهل الذي تعاني منه الجامعة، كما أن الدول الراغبة في الانضمام أو التي أبدت ذلك لا تحمل وزنا كبيرا، بل تضيف عبئا جديدا لأعباء الجامعة الكثيرة.

وما يقلل من قيمة طلب جنوب السودان ويضعه ضمن سياق الدعاية السياسية أكثر من التعبير عن معاني جوهرية، أن الرئيس سلفاكير يعاني من أزمة هيكلية في بلاده وقدم طلبه معتقدا أن الجامعة تمثل له غطاء أو وسيلة للحد من نفوذ معارضيه.

وهو ما يجعل فكرة الطلب نفسها قد تفجّر المزيد من المشكلات، لأن أحد المبررات التي استند عليها قادة جنوب السودان التاريخيين للحصول على الانفصال انطلق من التفرقة العنصرية في السودان، بين ذوي الأصول العربية والأفريقية، والتي كانت تميل لصالح الأولى، لذلك فالطرح الجديد يمكن أن يفجّر مشكلات داخلية تحول دون تمرير مسألة الانضمام، وتحصرها في نطاق المناورات أو الهروب إلى الأمام.

7