جنوب السودان والحظيرة الأميركية

الاثنين 2014/05/05

كأن الإدارة الأميركية بحاجة لصداع جديد، على مستوى السياسة الخارجية، فبعد ارتباكها وتعثرها في عدد من القضايا الإقليمية، جاءت الأزمة في جنوب السودان، لتؤكد أن واشنطن تواجه مأزقا حقيقيا، وأن مشروعها الكبير في شرق أفريقيا أصبح على المحك، لأن جوبا من أهم ركائزه الأساسية، وتعرضها للاهتزاز بفعل الصراع الناشب بين الرئيس سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار، يمكن أن يؤثر سلبا على الدور المتوقع لهذه الدولة، التي ساهمت الولايات المتحدة، من خلال تكتيكات مختلفة، في حصولها على الانفصال رسميا.

الخطورة أن الأزمة، بين كير ومشار، أخذت بعدا قبليا حادا، ترتبت عليه مشكلات سياسية وأمنية كثيرة، ضاعفت من صعوبة التوصل إلى تسوية، عبر قناة “الإيجاد” الأفريقية، التي بذلت جهدا على مدار الأشهر الأربعة الماضية، ولم تتمكن لجنة الوساطة من الوصول إلى تفاهمات تغلق صفحة الصراع المحتدم، بل ازداد الموقف تأزما، عقب إعلان الأمم المتحدة عن اكتشاف وقوع مذابح جماعية في منطقة بانتيو بولاية الوحدة الشمالية، وألقت بالمسؤولية على عاتق مشار وقواته، من هنا بدأ يرتفع صوت التحذيرات القادم من جهات حقوقية مختلفة، وأخذت واشنطن تشعر بالحرج.

الحرج الأميركي كان دقيقا، فقد ظلت صامتة أو مترددة طوال الأشهر الماضية، وحتى كلامها المتقطع لم يخرج عن نطاق إدانة الطرفين وبطريقة تبدو دبلوماسية، الغرض منها الحفاظ على الصداقة المتينة مع كل من المتصارعين، وعندما توالت التقارير التي تؤكد أن هناك جرائم إنسانية، لوحت واشنطن بسلاح العقوبات التقليدي، لكن لأن الأزمة دخلت مربعا غامضا من الانسداد، وفشلت معه كل وسائل الضغط والإقناع شعرت الولايات المتحدة بالقلق، وأن نفوذها في شرق أفريقيا، الذي يرتكن أصلا إلى الهدوء والاستقرار في جنوب السودان، أصبح معرّضا للضياع، وهنا لجأت واشنطن إلى وسيلتين.

الأولى، أخذت منحى عسكريا، تمثل في إرسال طائرات إلى شمال أوغندا، بحجة مطاردة عناصر «جيش الرب» الذي يقود المعارضة المسلحة ضد الحكومة الأوغندية، وزعيمه جوزيف كوني، وتعد أراضي جنوب السودان مسرحا مهما لانطلاق عملياته لشمال أوغندا، لذلك فإن استمرار الأزمة بين كير ومشار، سيمنح عناصر هذا الجيش حرية كبيرة للحركة، قد تفضي إلى مزيد من تدهور الأوضاع في أهم بلدين حليفين (أوغندا وجنوب السودان) لأميركا في شرق أفريقيا.

بالتالي كان من الطبيعي أن تشجع الولايات المتحدة أوغندا على التدخل عسكريـا في جنوب السودان لضبط الأمور لصالح كير، بعد أن لاح في الأفق أن قوات مشار بإمكانها السيطرة على مناطق حيوية كثيرة، وفي هذه الحالة سوف تكون فرص التحكم في الصراع غاية في الصعوبة.

أما الوسيلة الثانية، فكانت ذات منحى سياسي، حيث فتحت الولايات المتحدة خطوطها الساخنة مع كل من كير ومشار، وشجعت الوساطة الأفريقية بقيادة أثيوبيا، على المضي في مهمتها بشأن التسوية من خلال المفاوضات، وعندما تأكدت من عدم تحقيق تقدم حقيقي على الأرض، أرسلت واشنطن جون كيري قبل أيام في جولة أفريقية، زار خلالها عدة عواصم، من بينها، أديس أبابا وجوبا، كانت نتيجتها المحورية إعلان كيري عن عقد لقاء بين كير ومشار هذا الأسبوع، وهو تطور مهم، فشلت جميع المحاولات الأفريقية في الوصول إليه، لأن اللقاء قد يذيب كميات كبيرة من الثلـوج، التي تراكمت خلال الأشهر الماضية، وجعلت شبح الحرب الأهلية يخيم على هذه الدولة، التي جاهدت الولايات المتحدة من أجل خروجها للنور، عبر عملية قيصرية، جرى توفير جميع الشروط لها لإتمامها بطريقة سلسة.

الآن أصبحت هذه الدولة مهددة بالضياع، بسبب الصراع المستمر بين الرئيس ونائبه السابق، والذي فشلت أثيوبيا وأصدقاؤها في وقفه، كما أن التقاعس الذي بدت عليه واشنطن ساهم بشكل كبير في عدم فك كثير من عقده، فتقدير الإدارة الأميركية كان يقوم على أن التوازن الهش بين الطرفين المتخاصمين سيكون كفيلا بردع كلاهما، والابتعاد عن استخدام القوة المفرطة، لكن الحصيلة التي وصلت إليها واشنطن بدت لها مخيفة، ويمكن أن تقلب توازنات استراتيجية قامت على استقرار الأوضاع في جنوب السودان، لذلك قـررت الولايات المتحـدة اتباع سياسة هجومية، وأن تقوم بنفسها بالإشراف على ترتيب أوراق اللعب في هذه الدولة، لأنها ليست على استعداد لخسارة حليف مهم في حجم جنوب السودان، وتركه ضحيّة لانفلاتات أمنية، قد تترتب عليها تداعيات تخل بحسابات عميقة في منطقة تعاني غالبية دولها من مشكلات مزمنة، لا تقل خطورة عما يدور في جنوب السودان.

كانت نقطة الانطلاق، ضرورة شعور الطرفين المتصارعين بأن الولايات المتحدة قررت نزول الملعب فورا، وهي الرسالة التي تحملها بوضوح جولة كيري، ولن تتهاون مع أي طرف يتسبب في تأزيم الصراع، الأمر الذي ظهرت معالمه في التحذير من فرض عقوبات أميركية وربما دولية، كما أن قرار مجلس الأمن في ديسمبر الماضي بمضاعفة القوات الدولية، والذي لاقى عثرات متعددة، سيتم تفعيله قريبا، في إشارة إلى عدم السماح بتغيير موازين الصراع مرة أخرى، وأن عمليات الكر والفر وتبادل السيطرة على المواقع سوف تتوقف، فقد لمست واشنطن أن مصالحها مهددة بقوة، إذا ابتعدت دولة جنوب السودان عن الحظيرة الأميركية.

كاتب مصري

9