جنوب شرق آسيا.. الموطن البديل لـ"الخلافة"

يفاقم النسيج المجتمعي والإثني والديني معضلة انتشار الإرهاب التكفيري في دول جنوب شرق آسيا، فالأحداث المتتالية منذ تفجيرات العاصمة جاكرتا في يناير الماضي وصولا إلى ذبح الرهينة الكندي على يد إرهابيي أبوسياف بالفلبين، تنبئ بأن منطقة جنوب شرق آسيا يمكن أن تتحول إلى معقل مكثف للحركة الإرهابية العالمية في ظل تراجع تنظيمات كداعش والقاعدة في الشرق الأوسط.
الاثنين 2016/05/02
البداية برفع الرايات

أعاد إعدام رهينة كندية محتجز لدى جماعة أبوسياف الإرهابية مؤخرا السؤال حول التوسع الراديكالي للجماعات المتطرفة في جبهات مختلفة من جنوب شرق آسيا، والمتأثرة بحالات من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي واستخدام منظم ومتنام للعنف، والذي بدأ مؤخرا يهدد دول جنوب شرق آسيا.

إذ يلاحظ بأن اختطاف سائحين كنديين ونرويجي وامرأة فلبينية بالقرب من مرفأ دافاو ومقتل 18 من العسكريين الفلبينيين في جزيرة باسيبلان القريبة من جزيرة جولو، قد ساهم في تراجع كبير في نسبة السياح بـ32 بالمئة، فيما يطالب المختطفون بفدية قدرها 21 مليون دولار. وهو ما أثار مخاوف كبيرة حول مصير 20 رهينة أخرى تحتفظ بهم أيضا الجماعة.

كل هذه الأحداث تعزز تهديد الأمن الاقتصادي والسياحي والبحري للمجموعة، حيث باتت التنظيمات الإرهابية تمزج بين أساليب القوات النظامية، والنشاط الإرهابي السري شديد الضراوة، فضلا عن القدرات الإعلامية التي تحدث أضرارا بالغة الخطورة بنفسية السكان. وتفيد مؤشرات ظهور التنظيمات الإرهابية في جنوب شرق آسيا بارتباطها أولا بتنظيم القاعدة، وذلك من خلال الجماعة الإسلامية الجهادية التي كان يتزعمها أبوبكر بشير، ورغم القضاء عليه، إلا أنه لم يتم اجتثاث التنظيم بأكمله، ومن شأن محاولة استقطاب شبكات الجماعة الإسلامية من طرف تنظيم داعش أن تزيد من هذه الهجمات، والتأثير سلبا في الاستقرار الإقليمي، خاصة إذا أثبتت هذه الجماعات القدرة على الفعل الواقعي والسيطرة على الأرض.

وتتضافر كل العناصر في المنطقة لكي يتصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية، حيث يعرف مجال جنوب شرق آسيا ازديادا مطردا في عدد ضحايا العمليات الإرهابية، فالجغرافيا الطبيعية صعبة المسالك، وتسهل انتشار المخابئ والأوكار، وإقامة مناطق تدريب نائية ومنزوية عن الأنظار والمراقبة في غابات صعبة المسالك، وفي جبال وعرة في كل من الفلبين وإندونيسيا على وجه الخصوص، فضلا عن كون الجغرافية السكانية تساعد على إصابة عدد كبير من الضحايا بسبب حالة الكثافة السكانية والازدحام والتعمير الهائل، فيما تساعد الجغرافية الاجتماعية بسبب حالة التراجع والانكماش الاقتصادي على انتشار أحزمة الفقر والتهميش.

شبكات عنقودية

أعلنت السلطات الفلبينية بداية مارس الماضي بأن قواتها اقتحمت مركزا للتدريب في منطقة مينداناو، وهو تابع لتنظيم الجماعة الإسلامية، حيث استمرت المواجهات الضارية عشرة أيام، وأسفرت عن مقتل ستة جنود و24 إرهابيا، مما ساهم في نزوح الآلاف من السكان المحليين بعد هجوم آخر قامت به نفس الجماعة على قاعدة عسكرية في مدينة بوتيغ في فبراير الماضي، حسب إعلان قوات الأمن الفلبينية. وفي يناير الماضي أعلنت السلطات الإندونيسية حالة استنفار عامة في العاصمة جاكارتا، بعد أن تم استهداف أكبر الأسواق التجارية في البلاد، وأسفر حادث الهجوم على مقتل 4 مدنيين و4 إرهابيين، قام ثلاثة منهم بتفجير أنفسهم بأحزمة ناسفة، وهو ما يذكر بعودة حالة الترقب الشديدة بعد ست سنوات من الهجوم الذي استهدف فندقين فخمين، وأسفر عن مقتل 7 ضحايا وإصابة 50 جريحا في عام 2009، فيما عرفت تايلاند في أغسطس تفجيرا إرهابيا بالقرب من معبد بوذي في قلب بانكوك، ما أدى إلى مقتل 20 شخصا منهم 14 من الأجانب.

مع حالة الحراك التي تشهدها المنطقة في مقاومة التطرف امتد أخطبوط تنظيم داعش إلى جنوب شرق آسيا

ومع حالة الحراك الذي تشهده المنطقة، امتد أخطبوط تنظيم داعش إلى جنوب شرق آسيا من خلال جماعة أنصار التوحيد، وحركة مجاهدي تيمور بإندونيسيا أحد أبرز التنظيمات العنيفة الموالية له. إذ برز في هذا السياق بث أفلام مصورة تخص كتيبة الناطقين بلغة الملايو، والتي أطلق عليها اسم كتيبة نصرة الدولة الإسلامية المولوية، والتي لها مدرسة دينية في الرقة بغية نشر فكرة الخلافة الإسلامية.

وما يزيد من تعقيد الوضع، أن الإرهاب الآسيوي بدأ ينتقل من ظاهرة نخبوية هرمية لكي يتحول إلى ظاهرة اجتماعية تحاول أن تجد حاضنة شعبية لها في بؤر التوتر، تمكن الجماعات المتشددة من الوقوف في وجه محاولات اجتثاثها، بحيث برزت ظاهرتان في الحركات الجهادية الأسيوية؛ الأولى تعبر عن اندفاع للالتحاق بتنظيم داعش وتعزيز الحركة الأم في كل من سوريا والعراق، حيث تشير التقارير إلى أن هناك حوالي 1000 مقاتل من أصول إندونيسية اختاروا الذهاب إلى سوريا، حسب إعلان مركز الدراسات الدولية الاستراتيجية في واشنطن.

فرض هذا الواقع اهتماما بالغا لمواجهة التهديد الناتج عن التنظيمات الإرهابية في تلك المناطق، ففي سنغافورة، أعلن الوزير الأول في أكتوبر الماضي أنه تم إيقاف تسعة أشخاص، كان خمسة منهم يودون الالتحاق بتنظيم داعش في سوريا، فيما تساهم الوضعية المزرية التي تعانيها الأقليات المسلمة في بورما (ميانمار) في السقوط بسهولة في مخالب التنظيمات المتطرفة، حيث أعلن تنظيم داعش في مجلة دابق في سبتمبر 2015 عن مشروع قاعدة في بنغلادش كموقع انطلاقة محتملة نحو الجهاد في بورما المجاورة.

ومن جهة أخرى، هناك ظاهرة ثانية، تدفع نحو خلق بؤر قتال محلية، كما تدل على ذلك حالة الفلبين، بعد عام كامل من النقاش بين مجموعات مختلفة أعلنت مبايعتها لأبي بكر البغدادي، وتوافقت على الاتفاق على تعيين إسنيلون هبيلون، قائد جماعة أبوسياف كقائد عسكري لكتائبها الأربع، وقيام إمارة داعش في جنوب شرق آسيا.

إرهاب بملامح أوروبية

وبالتوازي مع هاتين الظاهرتين التي يقابلهما تشديد أساليب المكافحة والمحاصرة، فإن مفاقمة عوامل الهشاشة الأمنية في المنطقة، وتصاعد الفكر المتطرف، وتمدد الجماعات الإرهابية والسياقات الداخلية الخاصة بتهميش الأقليات المسلمة، وحالة الصراع الدامية في جزر الفلبين الجنوبية وسريلانكا وتايلاند، أدت إلى تعقد أكثر للموقف خاصة الإجراءات الأمنية الرسمية.

ففي نوفمبر 2015، تم إبطال عمليتين إرهابيتين في ماليزيا، لكن يمكن القول إن هذه المجموعات نجحت في الأخير في القيام بعملية شبيهة جدا بنظيرتها الباريسية، حيث شهد قلب جزيرة جاوة الإندونيسية هجوما على مقاه ومركز شرطة يوم 14 يناير 2016، أسفر عن مقتل سبعة أشخاص و20 جريحا، حيث كان الإرهابيون الخمسة على علاقة مباشرة مع بهرون نعيم قائد كتيبة نصرة داعش في الرقة. ويتضح اليوم أن الخلايا الداعشية الإندونيسية تعززت صفوفها منذ مارس 2015 بعد التحالف الذي تم بين تسع خلايا، أطلقت على نفسها جماعة أنصار الدولة، حيث اتضح أن قائدها عملان عبدالرحمان المعتقل، هو من أصدر أوامره للقيام بهذه العمليات، لكنه بغض النظر عن العلاقات التي تتم عبر الوسطاء بتنظيم داعش في سوريا، فإنه أظهر في عمليات جاكارتا اعتماد نفس الأساليب المعتمدة في هجومات باريس وبروكسل، وذلك من حيث اختيار عمليات كوماندوس وتعدد الأهداف والجمع بين الهجوم والانتحار وإطلاق الرصاص بشكل عشوائي.

تصاعد الفكر المتطرف وتمدد الجماعات الإرهابية والسياقات الداخلية الخاصة بتهميش الأقليات المسلمة أدت إلى تعقد أكثر للموقف خاصة الإجراءات الأمنية الرسمية

أساليب الرد والمواجهة

تشكل ماليزيا وسنغافورة نموذجين في اتخاذ تدابير صارمة لمواجهة شبكات الجماعة الإسلامية بموجب قانون الأمن الداخلي الذي تم اعتماده منذ الستينات، والذي يسمح بالاعتقال الاحترازي دون الرجوع إلى القضاء، لكنه يجعل سقف التحدي عاليا أمام عدم الوقوع في الشطط في استعمال السلطة، وفسح المجال أمام الترويج لخطاب الضحية، كما أنه في سنغافورة تم الإعلان عن حالة استنفار داخلي وعلى مجمل الحدود. أما على المستوى الدولي، فسارعت ماليزيا بالتنسيق مع واشنطن للانخراط في الحرب الشاملة على الإرهاب وتأسيس مركز لمكافحة التطرف في الفضاء الرقمي، كما تصاعدت حدة اللهجة مع تركيا من حيث سهولة تنقل هؤلاء المقاتلين عبر أراضيها والالتحاق بداعش.

وإجمالا، تحتم مجابهة الإرهاب الإسلامي عدم سقوط الحكومات في وحل المواجهة الإثنية والسياسية للأقليات المسلمة والتضييق عليها تحت طائلة محاربة الإرهاب، مما يخلط الأوراق ويضعف اللحمة الوطنية، بل يجب فتح باب الحوار واسعا مع التنظيمات السياسية التي تطالب بحق إرادتها الذاتية وتوسيع الحريات، كما حدث مؤخرا بين جبهة مورو الإسلامية التي دخلت في حوار سياسي مع الحكومة الفلبينية لوقف حالة العصيان والاقتتال في الجنوب، وهو ما يقتضي التمييز بين الحركات التي تجنح إلى السلم والحوار والحركات التي اتخذت من العنف ديدنها ووسيلتها الخاصة كما يحدث مع جماعة أبوسياف وجبهة مورو للتحرير الوطني.

ومن هذا المنطلق، ساهمت منظمة المؤتمر الإسلامي في التقريب بينهما في نوفمبر 2015، حيث تم الاتفاق على منح الاستقلال الذاتي لولاية بانجسمارو، مما أضعف قدرات جماعة أبوسياف ومقاتلي الحركة الإسلامية لتحرير بانجسمارو التي أعلنت ولاءها لداعش.

وفي بورما، تم توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار مع ثماني حركات إثنية مسلحة، خاصة مع جيش تحرير أراكان واتحاد كارين الوطني، فيما تستمر خمس حركات في القتال، وتشمل جيش استقلال كاشين الذي عاد إلى حمل السلاح بعد وقف لإطلاق النار دام 17 عاما. كما أن اختلاط الصراع السياسي بالصراع الإثني والديني، يفسح المجال واسعا للاقتتال بين المسلمين من إثنية المالوي وإثنية التاو من البوذيين على حدود بورما، وذلك في خضم الجدل العاصف حول الهويات غير المحسوم في تلك الدول.

باحث بجامعة السوربون

6