جنوب شرق آسيا.. ساحة بديلة لإنعاش مشروع الإخوان

بيئة مثالية لتحفيز حركة الجهاد العالمي ومشروع الخلافة الخاص بتيار الإسلام السياسي بعد أن فقدت تلك المقولات تأثيراتها في العالم العربي.
الاثنين 2019/12/23
بيئة حاضنة للأصولية

بعد الانتكاسة التي عرفتها تيارات الإسلام السياسي في المنطقة العربية، عسكريا وسياسيا، بدأ الرهان يُصوّب نحو مناطق أخرى مؤهلة للتحول إلى مركز للعمل الإرهابي الجهادي. اللافت أن هذا الرهان تلتقي حوله تيارات إسلامية متطرفة مع أقطار عُرفت بصلاتها الوثيقة مع التيارات الإرهابية. التقاء تكتيكي يقضي بنقل مركز عمليات جماعات الإرهاب من الشرق الأوسط إلى منطقة جنوب شرق آسيا المؤهلة بشريا وتاريخيا وعرقيا، لأن تكون الملاذ الآمن للعناصر والتيارات الإرهابية، وفي دواعي الرهان الجديد حسابات سياسية وأيديولوجية واستراتيجية متداخلة.

أكد اقترابي العملي والمهني من ظاهرة الإسلام السياسي والجهادي في كل من إندونيسيا وماليزيا، أن المساعي الحثيثة التي تقوم بها تركيا وقطر وإيران للترويج لبعض الأفكار الإسلامية في منطقة جنوب شرق آسيا، هي بمثابة اختيار جاء بعناية، فهي بيئة خصبة لاستقبال الوافدين الجدد، بعدما تبيّن أن المنطقة العربية مليئة بالتحديات الأمنية، وعصية على اختراقها بمشاريع مناهضة لنموذج الدولة الوطنية.

لا تعني هذه النقلة إقامة دائمة هناك، بل يمكن وصفها بأنها استراحة المحاربين، استعدادا لمعركة أكبر سوف تدور رحاها في الشرق الأوسط. فرعاة الظاهرة والنافخون فيها تظل عقولهم وقلوبهم معلقة بالمنطقة العربية.

أثبت التفكير في الذهاب بالأجنحة الإقليمية والتصورات الطوباوية لمشروع الإسلام السياسي إلى ساحة أخرى، أن العرب قادة أنفسهم ولا مجال لفرض قيادة عليهم من تركيا أو من إيران، بعد أن وضع أغلبهم أياديهم على مكامن تغيير قواعد اللعبة في ملفات الإرهاب والطائفية والحد من دور الإسلام المسلح في بعض الدول.

اجتمع في كوالالمبور عاصمة ماليزيا رؤوس الأنظمة التي أدارت ورعت مشروع التقويض السريع للأنظمة العربية يومي الجمعة والسبت الماضيين، تحت عنوان فضفاض هو “ثورات الربيع العربي قبل ثماني سنوات”، بغرض خلق صيغة بديلة بعناوين أخرى لمشروع واحد انقلب إلى فوضى وحروب أهلية وإرهاب عابر للحدود، وإخفاق للإسلام السني والشيعي في إدارة الحكم.

وعلى الرغم من محدودية نتائج القمة، وغياب إندونيسيا وباكستان، وانتباه ماليزيا نفسها لخطورة تورطها في هذه اللعبة، إلا أنها كانت محاولة جادة ومدروسة لإنقاذ مشروع الإسلام السياسي عبر نقله إلى نطاق جغرافي أوسع.

يُعد اختيار ماليزيا دقيقا، فهي الحاضنة البديلة لجماعة الإخوان وتيار الإسلام السياسي، ومركز الجذب الرئيسي للتنظيمات الجهادية الوافدة من الشرق الأوسط، وقبل ذلك كانت وجهة المقاتلين من خريجي مدرسة أفغانستان الجهادية من العناصر المحلية أو من دول جنوب شرق آسيا المجاورة.

تفعيل ورقة الجهاديين

ظهر المشروع الجديد في قطر كمقر، وتنامى في تركيا كمحور رئيسي، ولقي قبولا في إيران، واعتمد على جماعة الإخوان، وكان مغريا لمن فشلوا في نيل مرادهم من السلطة، ومن المؤمل تقاسم النفوذ والمواقع الاقتصادية والسياسية والعسكرية بين الدول الراعية له، استغلالا لواقع عربي يتحفز ضد هؤلاء.

بعد التراجع ظن القادة في طهران وأنقرة والدوحة أن نقل مركز مشروع الإسلام السياسي إلى جنوب شرق آسيا سوف يحل الكثير من الأزمات التي تواجه رعاته.

يضع رعاة المشروع من المأزومين في الشرق الأوسط بعين الاعتبار البديل الآسيوي المحتضن لأعداد كبيرة من جماعات الإسلام السياسي التي تتبنى الفكرة الأممية ومشروع الخلافة، مثل الإخوان وحزب التحرير، علاوة على السند الجهادي الذي تمكن من الربط بين أنشطة قادته ومقاتليه بين أفغانستان وفلبين وإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وأستراليا، وهو ما مكن السلفية الجهادية من تحويل مناطق شرق آسيا لمراكز بديلة للشرق الأوسط.

يجد قادة الدول الثلاث مستقبلا لحضورهم في آسيا للهيمنة على إرث الجماعات الجهادية في هذا المجال الواسع والثري ديموغرافيا واستراتيجيا، مع الوجود القوي للمتطرفين بمختلف فصائلهم. وليس مستغربا أن يتبع الانتقال إلى آسيا بعد هزائم هؤلاء في المنطقة العربية، انتقال آخر لتيار الإسلام السياسي الذي فشل في إخضاع الكثير من الدول لإرادته.

تيار الإسلام السياسي يتتبع خطى التنظيمات الجهادية في الانتقال من الهزيمة في الشرق الأوسط إلى ساحات جنوب شرق آسيا

يجد الرعاة الرئيسيون للظاهرة الإسلامية في جنوب شرق آسيا ساحة مهيّأة للانطلاق بمشروعهم دون جهود كبيرة لتجهيز البيئة بالتصورات والمناهج الأممية والأيديولوجية، فقد سبقت الجماعات الإسلامية بالمنطقة طرح التصورات العامة لمشروع إقامة دولة إسلامية موازية تنتشر فروعها في جنوب شرق آسيا، بينما مركز ثقلها وإدارتها في ماليزيا.

وهو ما عبر عنه اجتماع رابطة المجاهدين الذي عقد في سوبانج سيلانغور على مقربة من كوالالمبور عام 1999 وحضره ممثل عن جبهة تحرير مورو بالفلبين، وممثل عن شبكة الجهاد بجنوب تايلاند، وممثل عن زعيم الروهينغا في بورما، وممثل عن جهاديي سنغافورة، ومندوبو الجماعة الإسلامية بإندونيسيا.

ميراث السلفية الجهادية في جنوب شرق آسيا عامل إغراء قوي لقادة ورعاة الإسلام السياسي بالشرق الأوسط بعد الفشل في تشكيل خلافة سنية بزعامة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والغضب الشعبي الذي يناهض مشروع الخلافة الشيعية بزعامة إيران، فقادة جماعات الإسلام السياسي وجهاديو جنوب شرق آسيا يتبنون منهج الوصول بالقوة إلى الهيمنة الكاملة على العالم الإسلامي من منطلق تصورات العداء التاريخي والوجودي بين الغرب والعالم الإسلامي.

استثمار النشاط الجهادي في دول جنوب شرق آسيا مطمع رعاة الإسلام السياسي المحاصر في الشرق الأوسط؛ خاصة أن هذا التيار في مجمله لا يزال مزهوا بلحظة المنجز الأهم في تاريخه عندما طرد الاتحاد السوفييتي السابق من أفغانستان إلى الدرجة التي تجعل الإسلاميين بهذه المناطق يروجون بأن النصر حليف الأعاجم من المسلمين وليس العرب، والرايات السود والقتال خلف المهدي المنتظر سوف يكون في الشرق، أي من أفغانستان وخراسان وليس في العراق أو سوريا.

على خطى القاعدة وداعش، وقبلهما الجهاديون المحليون بتلك الدول في هذه الساحة ذات الأهمية الاستراتيجية، يطمع قادة تركيا وقطر وإيران في البناء على جهود وأنشطة امتدت لسنوات بغرض التمدد لتشبيك دول جنوب شرق آسيا لتصبح منتظمة داخل خلافة دينية مصغرة كبداية لتحقيق حلم الخلافة الأكبر.

لدول جنوب شرق آسيا جاذبية خاصة لدى قادة ورعاة الإسلام السياسي، بشقيه السني والشيعي، الذين اجتمعوا في كوالالمبور مؤخرا، كونها ساحة تاريخية للقيام بعمليات هدفها الضغط على القوى الكبرى في ملفات شرق أوسطية؛ ففي عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي قامت منظمات فلسطينية ويابانية بعمليات في بانكوك ومانيلا وجاكرتا لنفس الهدف.

ضغوط متبادلة

سهولة الدمغجة
سهولة الدمغجة

ينظر قادة تركيا وإيران إلى دول جنوب شرق آسيا كورقة مهمة للضغط على القوى الغربية من جهة مصالح الأخيرة هناك، وصولا إلى امتلاك الحضور الذي يمكنهم من المساومة والابتزاز على العديد من ملفاتهم المعقدة في الشرق الأوسط.

وربما تجد الولايات المتحدة في هذه النقلة مزايا أخرى، من زاوية تفعيل دور الحركات الجهادية بما يتجاوز جنوب شرق آسيا، ويصل بها إلى أن تكون منغصا في خاصرة الصين التي تهدد النفوذ الاستراتيجي الأميركي في العالم، وخرجت من حيزها الإقليمي الضيق إلى أقاليم أخرى.

نقلُ ثقل المشروع إلى ساحة يجدها رعاته مكافئة في الأهمية الحيوية والمساحة والأعداد الكبيرة المنتمية إلى الكيانات الجهادية المسلحة، يمثل فرصة سانحة للعودة من جديد إلى فرض أنفسهم على ملفات الشرق الأوسط، لتصبح مصالح الغرب والولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا هدفا تكتيكيا، وبمثابة جسر يعبر به الأتراك والإيرانيون والقطريون للعودة من جديد إلى الشرق الأوسط.

أوقفت بعض الدول العربية آلة العنف لمشروع الإسلام السياسي المدعوم قطريا وتركيا وإيرانيا، ورفضت ما تسبب فيه هذا التيار ورعاته من تأزيم للعلاقة بين الشرق والغرب عبر استعادة روح الاستعلاء والثارات والصراعات الدينية.

تأخذ دول عربية بزمام المبادرة وتعفي من حاول الحديث باسمها والقيام بدور الوساطة بينها وبين الغرب من هذه المهمة وتهدم السور العالي من التزمت الأصولي الذي بناه الإسلام السياسي والداعمون له بين الحضارتين الإسلامية والغربية، مقابل إحياء التصورات التوفيقية لتماسك المجتمعات العربية والاستقرار العالمي.

أسهم قادة تركيا وإيران في تغذية النقمة على الغرب عبر إلقاء مسؤولية التخلف الأخلاقي والمادي على الغرب دفعة واحدة، والترويج لنظرية المؤامرة وجعلها السبب في التخلف الحضاري لدى من وقعوا أسرى ماضيهم وتروقهم حالة الكسل الفكري وعدم بذل الجهد المطلوب لمواكبة الحداثة والتقدم.

يسعى رعاة الإسلام السياسي، السني والشيعي، في هذه المرحلة من عمر أزمتهم للانتقال بهذه التصورات إلى بيئة أكثر قبولا بنظرية المؤامرة على الإسلام، حيث أن الشائع في بلاد جنوب شرق آسيا هو أن من ينتقد الغرب ويتشدق بأنه يمثل الأمة الإسلامية بطل ومناضل، دون النظر إلى ممارساته وأفكاره وأهدافه.

تبدو بلاد جنوب شرق آسيا بيئة مثالية لتحفيز حركة الجهاد العالمي ومشروع الخلافة الخاص بتيار الإسلام السياسي، من منطلق الترويج للظلم العالمي وهيمنة القوى الغربية بعد أن فقدت تلك المقولات تأثيراتها في العالم العربي.

هدف استعادة الزخم هو التعبير عن الرؤية العالمية الأممية، وإضفاء القداسة على ممارسات الاعتداء واحتلال البلاد وغزوها بوصفها مستعمرات يجب عودتها إلى أحضان الإسلام، ليتعاطف معه الكثيرون من سكان تلك المناطق، حتى من خارج الانتماءات الأيديولوجية، فهناك من يرون أن ممارسات تنظيم القاعدة نضال مشروع لتحرير فلسطين وكسر للهيمنة الأميركية، ومنهم من يجد في داعش صورة من أمجاد الماضي ووسيلة لحماية الأقليات المسلمة من الاضطهاد والقمع.

تقطن هذه البقاع أكثريات مسلمة، وهناك معاناة لبعض الأقليات المسلمة في المناطق الجنوبية، كما في فلبين وتايلاند، علاوة على أن عدد الجهاديين المحليين والوافدين في جنوب شرق آسيا يتزايد، وهم بالنسبة إلى مشروع الإسلام السياسي مخزون استراتيجي مهم لاستعادة النفوذ والقوة.

يتتبع تيار الإسلام السياسي خطى التنظيمات الجهادية في الانتقال من الهزيمة في الشرق الأوسط إلى ساحات استعادة الحضور في جنوب شرق آسيا للعودة أكثر نفوذا، وينظر قادة جماعة الإخوان إلى النشاط الجهادي كمكمل لا غنى عن خدماته وجهوده لإحكام الهيمنة على الدول ونجاح مشروع الخلافة المصغر للانطلاق مجددا وفرضه على مناطق أخرى من العالم.

13