جنود المالكي يفقدون "رغبة القتال" أمام زحف المسلحين

السبت 2014/06/14
تصاعد الانقسام المذهبي في البلاد أثر سلبا على معنويات القوات العراقية

بيروت- لم تجد القوات الامنية والعسكرية العراقية التي تعاني ضعف التدريب والمعنويات المتدنية وسط الانقسام المذهبي الحاد، حافزا يدفعها لمواجهة الهجوم المباغت الذي يشنه مسلحون متطرفون في مناطق واسعة من البلاد منذ نحو اسبوع، بحسب محللين.

وانسحب الجنود وعناصر الشرطة من مواقعهم بشكل دراماتيكي في مواجهة هجمات متلاحقة شنها مسلحون ابرزهم عناصر "الدولة الاسلامية في العراق والشام"، ما ادى الى سيطرة مقاتلي التنظيم الجهادي على كامل محافظة نينوى شمال البلاد، والتقدم في محافظتي صلاح الدين وديالى، ليصبحوا على بعد اقل من 100 كلم من العاصمة بغداد.

ويرى خبراء ان هذا التراجع هو نتيجة مشاكل متعددة في الاجهزة الامنية والعسكرية، منها التدريب المحدود والفساد وأجواء الانقسام المذهبي الحاد.

واعيد بناء الجيش العراقي بعد الاجتياح الاميركي في العام 2003 الذي ادى الى الاطاحة بالرئيس السابق صدام حسين. وحلت الادارة الأميركية الجيش السابق، وطبقت قانون "اجتثاث البعث" الذي ابعد قيادات بارزة تتمتع خبرة عسكرية، وجعل آلافا من الجنود المدربين خارج الخدمة. ويعتقد ان العديد من هؤلاء شاركوا في الهجمات الاخيرة.

ويقول الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية انطوني كوردزمان لوكالة فرانس برس ان "الجيش الحالي ليس قوة ناضجة"، مضيفا ان اجتثاث البعث تسبب "بمنع العديد من الاشخاص الجيدين من دخول السلك العسكري او ارغامهم على مغادرته او حرمانهم الترقيات".

ويرى كوردزمان ان ما زاد الامر سوءا، فشل واشنطن وبغداد في التوصل الى اتفاقية امنية تبقي مدربين عسكريين اميركيين في العراق، قبل انسحاب القوات الاميركية بشكل كامل في العام 2011.

ويضيف ان الجيش "درب على عجل، وقليلون من افراده شاركوا في القتال، وكانت هيكليته غير منظمة بشكل جيد، لان الولايات المتحدة كانت تخطط للبقاء عامين اضافيين" عندما سحبت قواتها بشكل كامل.

ويشير ايضا الى حال من الفساد في صفوف الجيش، تشمل "شراء" الوظائف ودفع الاموال مقابل الترقيات، اضافة الى قيام رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بتعيين ضباط "موالين له، بغض النظر عن كفاءتهم".

ويقول المحلل المتخصص في الشؤون الامنية في مجموعة "آي كاي اي" جون درايك ان القوات العراقية تفتقد الخبرة، وتعاني ضعف المعنويات بسبب "الهجمات غير المتكافئة" التي تتعرض لها.

ويوضح ان هذا الامر "ادى الى مقتل العديد من عناصرها، بينما تآكلت المعنويات بشكل تدريجي"، مترافقة مع "محدودية الخبرة القتالية".

في المقابل، نشأت "الدولة الاسلامية في العراق والشام" من رحم "دولة العراق الاسلامية" بزعامة ابو بكر البغدادي الذي سعى الى دمج الفرعين العراقي للتنظيم مع الفرع السوري المتمثل بجبهة النصرة. الا ان زعيم القاعدة ايمن الظواهري رفض هذه الخطوة، داعيا كلا من الفرعين الى القتال في ميدانه حصرا.

وواجه الجيش العراقي في المناطق التي قاتل فيها ضد المسلحين (قبل الهجمات الاخيرة)، ومنها الفلوجة غرب بغداد التي يسيطر المقاتلون منذ مطلع العام الجاري على اقسام كبيرة منها، اتهامات بعدم التمييز بين المسلحين والمدنيين، ما ادى الى ازدياد الشعور بالتمييز في اوساط السنة في البلاد.


إقصاء مذهبي


ويقول مدير الشرق الاوسط وشمال افريقيا في مجموعة "آوراسيا" البحثية ايهم كامل ان تصاعد الانقسام المذهبي في البلاد اثر سلبا على معنويات القوات العراقية.

ويواجه رئيس الحكومة نوري المالكي اتهاما بإقصاء السنة عن السلطة، ما دفعهم للشعور بالغضب والتهميش والتعرض لسوء المعاملة، بحسب الخبراء. كما تعرضت الاحياء ذات الغالبية الشيعية مرارا لتفجيرات وهجمات يقف خلفها متطرفون سنة.

وفي الموصل، ثاني كبرى مدن البلاد، دفعت التوترات المذهبية بعناصر الجيش والشرطة الى خلع ملابسهم العسكرية وعدم الدفاع عن مواقعهم في مواجهة هجوم المسلحين.

ويقول كامل "في مناخ كهذا، ليس هناك رغبة لدى الجنود بالقتال، كما ان السكان لم يكونوا مرحبين بوجود الجيش"، مشيرا الى ان العناصر الشيعة "كانوا يشعرون بانهم بعيدون عن منازلهم، وانهم يخاطرون بحياتهم للدفاع عن مدينة ليسوا شديدي التعلق لها".

في المقابل، يتحدث كامل عن "تواطؤ" بين بعض الجنود من السنة والمسلحين الجهاديين. ويوضح ان هؤلاء الجنود "عقدوا اتفاقات مع المسلحين قاموا بموجبها بخلع زيهم العسكري وترك اسلحتهم، في مقابل ان يتاح لهم الهرب".

وتحول ما جرى في الموصل الى ما يشبه "كرة الثلج" التي عكست آثارها على المناطق الأخرى، بحسب درايك.

ويقول هذا المحلل ان "المعنويات المتدنية، مقرونة بالصيت الشرس للدولة الاسلامية في العراق والشام، ادت الى انسحابات بالجملة لدى حصول الهجوم".

ويرى كوردزمان من جهته ان الفرق العسكرية الافضل تدريبا في الجيش العراقي، لم تكن حتى قادرة على مواجهة الهجوم. ويقول "عندما يكون ثمة ثلاث فرق عسكرية بينها واحدة جيدة فقط، لن يكون في امكانها ان تصمد اذا استسلمت الاخريان".

المسلحون بدخولهم ديالى يضيفون محورا ثالثا في زحفهم نحو بغداد


الاستعداد لمعركة محتملة


من جهة أخرى، يؤكد القائد المسؤول عن حماية المدخل الشمالي لمدينة بغداد، وهو يتفقد عملية حفر خنادق على طريق رئيسي، ان قواته جاهزة لمواجهة محتملة مع مجموعات من المسلحين تحاول منذ ايام الزحف نحو العاصمة من محاور عدة.

وقال العقيد عبد الجبار الاسدي متحدثا لوكالة فرانس برس عند نقطة تفتيش التاجي (25 كلم شمال بغداد) ان "الوضع الامني مستقر، وليس هناك اي تهديد يدعو للقلق، لكن قواتنا ستكون مستعدة لاي طارىء".

واضاف الاسدي "تعرضت نقطة التفتيش هذه الى هجومين ارهابيين في السابق اصبت في احدهما بجروح بليغة اذ تحطمت اسناني وكسرت يدي (...) ورغم ذلك رفضت مغادرة نقطة التفتيش هذه، ولن اغادرها".

وبلغ المقاتلون الذين غالبا ما يتحركون بسيارات مكشوفة رباعية الدفع رافعين راياتهم السوداء فوقها، مناطق تبعد حوالى 100 كلم عن شمال العاصمة في محافظة صلاح الدين بعدما سيطروا على مركزها، تكريت.

ودخل المسلحون مؤخرا الى محافظة ديالى شمال شرق العاصمة، ليضيفوا بذلك محورا ثالثا في زحفهم نحو بغداد حيث باتوا يحاولون التقدم من صلاح الدين في الشمال وديالى في الشرق فيما تتواصل سيطرتهم على مدينة الفلوجة في الغرب.

ورغم اقتراب المسلحين من مشارف العاصمة، بدت الحياة في المناطق الشمالية من بغداد تسير بشكل طبيعي، في موازاة الاستعدادات العسكرية والامنية الواضحة والخجولة في بعض اجزاء هذه المناطق، ومنها التاجي.

وعند نقطة التفتيش في هذه الناحية الحيوية والرئيسية، التي تمر عبرها معظم البضائع الاتية من شمال البلاد، انهمك عدد من عناصر القوة التي يقودها الاسدي في حفر خنادق عند الطريق الرئيسي استعدادا لاي معركة محتملة مع المسلحين.

واحتشدت عند نقطة التفتيش اعداد كبيرة من السيارات التي يحمل بعضها عائلات وينقل بعضها الاخر بضائع، فيما كانت تمر شاحنات تحمل على متنها مئات المتطوعين الشباب لمقاتلة المسلحين وهم يرددون اناشيد تمجد العراق، متوجهين نحو مركز تدريب قريب.

وكان ضباط الشرطة والجنود المنتشرون في الموقع يؤدون واجباتهم في تفتيش السيارات بشكل طبيعي.

وقال حسين التميمي احد القادة المحليين لقوات الصحوة السنية التي تقاتل تنظيم القاعدة والمتطرفين "قواتنا تقف صفا واحدا الى جانب الجيش والشرطة وتنتشر في مناطق حزام بغداد بشكل متواصل".

واضاف هذا المقاتل الذي يتولى قيادة اكثر من ثلاثة الاف عنصر "اين هم؟ نحن بانتظارهم ونبحث عنهم. نريد ان يأتوا لنقضي عليهم".

ووضعت السلطات العراقية خطة امنية جديدة تهدف الى حماية بغداد من اي هجوم محتمل، وتشمل نشر قوات اضافية من الجيش والشرطة، بحسب ما افاد الجمعة المتحدث باسم وزارة الداخلية العميد سعد معن وكالة فرانس برس.

وبعدما دعات المرجعية الشيعية العراقيين الى حمل السلاح ومقاتلة المسلحين، بدا تبرز في بعض مناطق العاصمة مظاهر تسلح علني، في عودة الى ايام النزاع الطائفي بين عامي 2006 و2008 حين كانت الميليشيات تحكم الشارع.

وقال المحلل السياسي احسان الشمري "هناك خطر كبير بسبب الانهيار الامني الذي حدث في الموصل (350 كلم شمال بغداد)، لكن لا اتوقع دخولهم الى بغداد ونهايتهم (المسلحون) ستكون بعيدة عن العاصمة".

وتابع "في حال دخولهم، ستكون هناك حرب شوارع، والمسؤولية لن تكون على عاتق القوات الامنية فقط، بل على عاتق العراقيين جميعا".

1