جنود المشاة في ثورة ترامب: الصحافي أليكس جونز نموذجا

لدى الإذاعي اليميني الأميركي أليكس جونز، المعروف بأنه أكبر مروج لنظرية المؤامرة في الولايات المتحدة، الملايين من المستمعين، لكن أكثر مستمعيه المعجبين هو الرئيس دونالد ترامب. ونشرت مجلة دير شبيغل الألمانية في نسختها الإنكليزية تقريرا من إعداد فيت ميديك أعد من داخل إستوديوهات جونز في مدينة أوستن بولاية تكساس.
السبت 2017/03/11
ملهم ترامب

واشنطن - تشير الساعة إلى الحادية عشرة صباحا إلا ثلاث دقائق، قبل بداية البث المباشر لبرنامج الإذاعي اليميني أليكس جونز بثلاث دقائق.

وعلى الرغم من درجة البرودة في الإستوديو التي تصل إلى 18 درجة مئوية بفعل التكييف، إلا أن جونز كان يتعرق ويمسح جبينه بالمنديل.

فجأة، أضيئت الشاشات خلفه وبدأ الضوء الأحمر الخافت يومض، ثم بدأ العد التنازلي، ثلاثة، اثنان، واحد.. أديرت الكاميرات، وبدأ التسجيل.

جونز على الهواء “اليوم الأربعاء، 8 فبراير 2017، فر الديمقراطيون هاربين كحفنة من الأطفال ذوي الإعاقات العقلية”.

وصف تقرير “دير شبيغل” موقع الإستوديو الذي يتواجد في المنطقة الصناعية في ضواحي مدينة أوستن، الذي لا يكشف جونز موقعه الدقيق لـ“دواع أمنية”، حيث توجد كاميرات مراقبة على المداخل، ولاصق أسود على النوافذ يخفي ما بداخلها، كما يطلب من ضيوف الإستوديو التوقيع على اتفاق عدم إفشاء التفاصيل.

جونز معروف لدى الجميع في أوستن، فالجميع يشيرون إليه حينما يخرج للعامة، ويطلبون منه التوقيع لهم للذكرى، لكن رغم ذلك فالإذاعي لا يخفي قلقه على أمنه وأمن أطفاله الثلاثة، لذلك لديه حارس شخصي.

عند مدخل الإستوديو، توجد لافتة مكتوب عليها “الحرية أو الموت”، كما تظهر جملة “دموع الليبرالية” مطبوعة على إحدى مبردات الماء في أحد الطرقات.

ويصف تقرير دير شبيغل مملكة جونز بالضخمة، فلديه أربعة إستوديوهات مجهزة بمعدات تجعلها تنافس إستوديوهات الدولة.

جونز يرى نفسه مع المواقع التابعة لليمين القومي جزءا من اليمين الذي يهدف إلى تحطيم سلطة الإعلام التقليدي

سباحة مع التيار

جونز ليس إذاعيا عاديا، فهو مؤسس موقع “إنفوارز Infowars” الإلكتروني، و“يعيش في عالمه الخاص منذ 20 عاما، عالم من الأصدقاء الواضحين والأعداء الواضحين”.

ويعتقد معد التقرير أن جونز مقتنع بأن النخب العالمية شكلت تحالفا ضد الولايات المتحدة لتدميرها، مؤكدا “أنه ينشر هذه الرسالة 5 أيام في الأسبوع من خلال برنامجه أليكس جونز شو”.

ويقدر عدد المحطات الإذاعية التي تبث برنامجه بـ100 محطة، حتى أن الإذاعي لديه ما يقارب 3 ملايين مستمع في اليوم.

وبحسب “كوانتكاست” الذي يقيس ديموغرافية الجماهير، فإن موقع “إنفوارز” يجذب أكثر من 8 ملايين زائر شهريا. ولدى الإذاعي مليونا متابع لقناته على يوتيوب وأكثر من مليون على فيسبوك، وعن ذلك يقول جونز إنه يشعر بأنه يجلس مع جمهوره في حفلة.

ويصنف أليكس جونز (43 عاما) كأكبر منظر لنظرية المؤامرة في الولايات المتحدة، ومن المفارقات أنه كان يوصف في الماضي بـالمعتوه وكان مهمشا، لكن الآن وضعه اختلف، فهو على اتصال دائم بالرئيس دونالد ترامب ليطلعه على أفكاره، حيث يقول الإذاعي “تحدثنا أنا وترامب عدة مرات منذ الانتخابات، حول الحرية وهدفنا المشترك في تدمير أعدائنا”.

ومنذ نوفمبر الماضي، تغير الوضع في الولايات المتحدة إذ تصدر “المعتوهون والمهمشون” المشهد العام، وفي زمن ما بعد الحقيقة أصبح أشخاص ذوو نظرة غريبة عن العالم، فجأة، إعلاميين مؤثرين.

وبحسب التقرير، فإن جونز عرض دعمه لمساعدة ترامب في حملته الانتخابية.

وكان ترامب قال بحماس شديد لجونز لدى استضافته أثناء الحملة “لديك سمعة عابرة للحدود”، فرد عليه جونز “إن ما تفعله ملحمي، إنه على مستوى ما أنجزه جورج واشنطن”.

يردد جونز الكثير من التصريحات المجنونة فمثلا، يقول إنه متيقن بنسبة 95 بالمئة أن برج التجارة العالمي لم يتم تدميره بسبب هجوم 11 سبتمبر 2001، ولكن الحكومة هي من فجرته. لا يوجد موضوع إلا ولدى جونز النسخة الخاصة لحقيقته.

إن ترامب نفسه يميل إلى الأكاذيب والفبركة وأنصاف الحقائق، وهو ما يجعل علاقته بجونز أمرا مقلقا. فالرجلان يتشاركان في شغفهما بكسر تعقيدات العالم وتحويلها إلى أفكار بسيطة. ويشتركان في كره شركات الإعلام الكبيرة وشبكات التلفزيون. ويفخر جونز بذلك قائلا “نحن قديسان من نفس العصر”.

ومع وجود حرب واضحة بين ترامب والإعلام السائد فإن جونز يرى أنه الصحافي المبادر، حتى أن البعض يخشون أن تؤثر طريقة تفكيره على صنع القرارات.

وظهر ترامب متأثرا بأليكس جونز عندما اختلق قصة حول وجود الملايين من الأصوات غير القانونية في الانتخابات، وعندما اتهم الصحافة بقلة تغطيتها للهجمات الإرهابية، بالإضافة إلى اعتقاد ترامب بأن “تناول اللقاحات يؤدي إلى التوحد”.

ثورة الإنترنت سممت البنية الأساسية للإعلام

صدى الكراهية

يقول جونز إنه ولأول مرة في حياته يكون متفائلًا حول منع إسقاط الولايات المتحدة بعد انتخاب ترامب. المقلق أن جونز بدأ يعتبر نفسه الذراع الدعائية للرئاسة، التي تنادي بالتعبئة من أجل حماية الوطن، وذلك قد يكون أخطر من نشر عدد من نظريات المؤامرة غير الصحيحة.

ويرى الإذاعي نفسه مع المواقع الإلكترونية التابعة لليمين القومي مثل “بريتبارت” و“جيت واي بنديت” و“لايف زيت”، والتي لها اتصال مباشر بالبيت الأبيض أيضا، جزءا من واجهة اليمين الذي يهدف إلى تحطيم سلطة الإعلام التقليدي.

وحينما يتحدث جونز عن الرئيس، فكأنه يتحدث عن “هتلر”، بل وصف الأسابيع الأولى من رئاسة ترامب بـ“الفوز العظيم” ويربط الكاتب بين شهرة جونز وبين الإنترنت الذي أحدث ثورة إلى حد أنه سمم البنية الأساسية للإعلام الأميركي، ويقول ميديك “بعض المنتجات الصغيرة تحولت إلى شركات كبيرة، أما الماركات الشهيرة فهي اليوم تقاتل من أجل البقاء، في حين تقوم منصات إلكترونية بديلة مثل موقع بريتبارت الإخباري، ونيوزماكس، وإنفوارز، بخلق عالمها الخاص. في الحقيقة تمثل هذه المواقع صدى للكراهية، حيث باتت ملاذا لأولئك الذين يبحثون عن الإجابات السهلة في عالم معقد”.

وينقل التقرير عن مارك فينستر أستاذ القانون في جامعة فلوريدا في جاينسفيل، والذي قضى سنوات في دراسة نظريات المؤامرة قوله “إن جونز مؤثر للغاية، لأنه يقدم نظرية واضحة جدا عن كيفية سير العالم، كما يتقن قلب الحقائق لتكون مواتية لنظريته”.

ويقول جونز لميديت “من فضلك انسَ تمثال الحرية، فهو رمز للدعاية، يجب علينا التوقف عن تقديسه والانحناء أمام سكان العالم الثالث الذين يأتون إلينا بالجذام”.

إمبراطورية إعلامية قيد التشييد

لدى جونز أكثر من 60 موظفا، من ضمنهم طلاب وصحافيون ونشطاء وخبراء تقنية وشبكات اجتماعية يقومون بإعداد برنامجه ويكتبون التقارير لموقعه الإلكتروني.

لكن ليس كل ما ينشر عبر الموقع غير منطقي، فهناك تقارير عادية من وكالات الأنباء حول نتائج التصويت مثلا، لكن هناك أيضا تقارير وأخبارا غريبة، مثل وصف أداء المغنية ليدي غاغا في الفاصل الترفيهي في مباراة نهائي بطولة كرة القدم الأميركية الموسم الماضي، بأنها “طقوس لاستحضار الشيطان”، بالإضافة إلى تقارير عن تدريبات الاستخبارات المركزية “سي آي إيه” لقتل ترامب.

وحول تمويل جونز، يقول تقرير دير شبيغل إن ثلثي التمويل يأتيان من تسويق منتجاته، حيث يبيع معجون أسنان وسترات واقية من الرصاص وأسلحة وأقراصا منومة ومنشطات جنسية.

وتتخلل برنامجه فواصل إعلانية تروج لمنتجاته، وتسير تجارته على نحو جيد.

ويخطط جونز الآن لافتتاح مكتب في واشنطن، وربما يوظف 10 أشخاص للكتابة عن البيت الأبيض، مثل المؤسسات الإعلامية التقليدية. كما أكد أنه سيستعين بروجر ستون مستشار الرئيس ترامب، الذي ألف كتابا يصف فيه الرئيس الأسبق بيل كلينتون بـ“المغتصب المتسلسل” من دون تقديم أي أدلة. وبموجب الاتفاق بين الرجلين فإن ستون يظهر منذ وقت قريب، ضيفا على برنامج أليكس جونز لمدة ساعة أسبوعيا.

ويقول ستون عن جونز “قد تضحك النخبة من سياسات جونز، لكنه يصل إلى الملايين من الناس، وهؤلاء هم جنود المشاة في ثورة ترامب”.

18