جنود الملكة في أرض العراق والشرّ اللامبالي

الأحد 2013/11/17
جنود بريطانيون في بغداد 2003

"الحرب أمر طبيعي. لذا فهي وظيفة ذات أجر. لا تسل، لِم نحن في الخليج؟ لِم نحن في أيرلندا؟ لِم نحن في جزيرة بجنوب الأطلنطي مغطاة بخراء الخرفان لَم يَسمع عنها أحد قط؟ ممنوع أن تجادل الملِكة. انتظِم في التشكيلات. أخرج لبدء المناورات. تقدَّم بإصرار"، من قصة "جندي عادي من جنود الملِكة" للروائي البريطاني جرام جوي.

لن نحيد حقاً عن القَصْد إن ذكَرنا أن سنوات انقضَت عقب عاصفة الصحراء وحرب العراق دون أن تبزغ روايات بديعة مكتوبة بالإنكليزية تلمس التدخل الغربي في الخليج العربي. ولو تراءت لك هذه الملحوظة غير ذات صلة، تفكَّر في أثر رواية "كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" للألماني إريك ماريا ريمارك على المجتمع الغربي وثقافته، ومعها رواية "العاري والميت" للأميركي نورمان ميلر أو ربما سينما حرب فيتنام كفيلميْ "صياد الأيل" و"نهاية العالَم الآن".


روايات وجوائز


من بين الأحداث التاريخية المعاصرة تظل عاصفة الصحراء وحرب العراق حالة مستقلة بذاتها لم تتبلور أدبياً إلا بعد انصرام أعوام طويلة. بعد خمس سنوات من انخراط أميركا في الحرب العالمية الأولى كان الأميركي جون دوس باسوس قد ألَّف عنها روايتين بالفعل بينما فازت رواية الأميركي جون هيرسي "جرسٌ من أجل أدانو" عن الحرب العالمية الثانية بجائزة بوليتسر عام 1945 بعد أربع سنوات ليس إلا من دخول أميركا الحرب، وبحلول 11 سبتمبر 2006 كانت الروايات التي تتناول الهجوم تُشكل نوعاً أدبياً يسع مجلدات.

جراهام جويس.. أسرع رواية عن الحرب

جائزة أسرع رواية عن الحرب سوف تذهب إلى رواية جراهام جرين "الأميركي الهادئ" (1958) المناهضة لحرب فيتنام، إذ خطَّها قبل سنوات من إدراك أغلب البلد أنها في حرب! لا ريب أن هذه الأعمال لم تغط في أغلبها إلا حدثاً واحداً، لا وقائع متتالية من حرب قائمة: بيرل هاربر مثلاً بدلاً من الحرب برمتها.
ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى أن غيرهم من الكُتاب تمهلوا سنوات قبل أن تجرؤ أقلامهم على تدبر الحرب. كتب الروائي البريطاني أولدِس هاكسلي يوماً، "لكي تبصر شيئاً كما ينبغي، لا تُحَدق إليه، وإنما سلِّط عينيك فوقه وتحته، وحوله." ربما استمع عدد من الروائيين إلى النصيحة نفسها فأصدر الأميركي ستيفن كرين رواية "شارة الشجاعة الحمراء" بعد عقود من انتهاء الحرب الأهلية ونشر الأميركي دينيس جونسون رواية "شجرة من الدخان" عن كارثة فيتنام عام 2007.

ومثلما لم يُنتج الكُتاب حتى الآن إنتاجاً يليق بالحرب الكورية – عدا ربما رواية "المرشح المنشوري" للأميركي ريتشارد كوندون ومسلسل "ماش" التليفزيوني – يسير الأدباء على الخطى نفسها عند اقترابهم من عاصفة الصحراء وحرب العراق.


المحارب يسرد


يعود هذا التأخر على الأرجح إلى تغييرات بنيوية حلَّت بهيكل النشر ذاته المعنيّ في أغلب الأحيان بالسير الذاتية والشهادات، كما أن تشبُّع الجمهور بالتغطية الإلكترونية للحربين وجعْلهما فوريين للمتلقين – حيث الكل منتبه ولا أحد منتبه – أسهم أيضاً في عزوف الأدباء عن طرقها.

خاض كذلك معظم كُتاب الحربين العالميتين القتال بأنفسهم إبان كان التجنيد إلزامياً. أمَا وقد باتت الجيوش الغربية تتكل الآن على المحترفين، لم تعد تجذب بأي شكل من الأشكال نموذج الأديب أو الشاعر. ثمة إذن وعي قائم من جانب المبدع بانتقاء تجارب اختبرها بالفعل، وفي حالة حرب العراق لا يستدعي الذهن روائياً واحداً انهمك في غمارها بشكل مباشر.

ومع ذلك لم تفتقر الساحة الأدبية تمام الافتقار إلى نظرات مقتضبة إلى عاصفة الصحراء وحرب العراق. وما تجاهله فن الرواية ألفى متسعاً في صورة قصص منفردة تسعى للقبض على النزاع في هذه البقعة من العالم، بعضها مُفْرِط في واقعيته كقصة الأميركي بينجيمِن بيرسي (1979) "تحديث، تحديث" (2005)، والبعض الآخر هزمته الواقعية بمرارتها فما بدر منه إلا توخي الفانتازيا كقصة البريطاني جراهام جويس (1954) "جندي عادي من جنود الملكة" (2007).

تَجْمَع "جندي عادي من جنود الملكة" الصادرة في كتاب المختارات القصصية "أفضل القصص القصيرة الأميركية 2008" بين ويلات عاصفة الصحراء وأشباحها، ولكن لعل كل قصة عن الحرب هي بالضرورة قصة عن الأشباح: شبح ينقذ المحارب العتيد من الموت ثم يلازمه إلى الأبد. قد يكون شبحاً، وقد يكون وهماً. عله جنون يتسرب ببطء وإنما بثبات، تفاصيل لا تمسك عن تذكيرنا بأرواح فُقدت ونفوس طاردها الخيال.

"تحديث، تحديث" للأميركي بينجيمِن بيرسي.. واقعية مفرطة

تتبدى في البدء قصة جادة تماماً تجسد فظائع الحرب وتستمد معطياتها من واقع أليم، ثم يتضح أنها جادة بالفعل، جدية فاقدة للعقل لا محركة له تعري ما يكابده الجنود من انتهاك عقلي متواصل تحت لواء الوطنية وتَكْشف للقارئ المرة تلو الأخرى غرابة تعبير "نيران صديقة".

تنطوي ممرات الحبكة في نبرة تنبئ عن ذهول والمحارب نيابةً عن الأمة البريطانية يسرد، "أرنو إلى هذا الشيء بطرف عيني، لا أريد أن يفطن الغلمان أن ذعراً لا حد له ركِبني أنا الآخر منه. إنها جثة – من نوع ما – لجندي عراقي اندلق من دبابته. جزء من رأسه غائب بيد أن أغلب بقيته موجود. لا يسعني أن أرى يدين أو قدمين. لا يدب فيّ الانزعاج. فقد رأيت طوال عمري ما يكفيني من أشلاء، وبعد انصرام فترة لا تختلف عن حشو شطيرة من لحم البقر. إنما هذا الشيء: إنها جثة، ولكنها انكمشت لتستحيل إلى ثلث حجمها المفروض. استوقف ذهني أنه قد يكون غلاماً غير أن لحيته نابتة، وهو لا يَظهر في صورة غلام على أية حال. يبدو وكأن الشيء برمته التوى التواء حقيبة بلاستيكية تُضرِم فيها النيران خلّفتْ فوق الرمال خيالاً مخيفاً على هيئة رَجل".

تتوالى القصة بلغة محكمة بليغة ضاجة بالفكاهة واقعية – أحياناً – بامتياز، "يحرق أُمْ الاستخفاف بالعدو! لا أفقه ما بين أيدينا هنا إلا أن وراءهم تماماً يجثم الحرس الجمهوري العراقي. حرسٌ تلقوا تعليماً أحسن ممن خلفوكم يا كامينجز. جنود مَهرة أيها الجاموس. مخلصون لصدام. ليسوا رؤوس فوط ولا رؤوس خِرَق ولا زنوج رمال؛ إنهم الأعداء أولاد الكلب، وسوف تبدي احتراماً لقدرتهم على نسف أُمْ دماغك يا كامينجز؟ لقد اخترع أُمْ هؤلاء الناس القراءة والكتابة بينما لم نزَل نحن نعيش في أكواخ من الطين ونرقص بوجوه زرقاء حول أُمْ الأعمدة الحجرية، أتفهمني يا كامينجز؟".


الكارثة العراقية


الحق أن الكل يقف على الخدعة، ولا أسلحة دمار شامل تنطلي على خيال فرد. يفضي البطل غائب العقل في أوج الفانتازيا قائلاً، "آه، اِسمع يا نابي لأن الكلام سيحلو. تَعرفون كلكم إذن شركة العلاقات العامة التي باعت الحرب لمجلس الشيوخ الأميركي؟ يصورون فيديوهات إخبارية كي يجعلوها تبدو وكأنها مراسلات إخبارية. يبيعونها كمن يبيع قطعة شوكولاتة. بل إنهم يختلقون حكاية لفتاة باكية في الخامسة عشرة تدّعي أنها رأت جنوداً عراقيين يرمون مئات الرضع على أرضية باردة كما الحَجَر حتى يسرقوا الحضانات".

تتوخى "جندي عادي من جنود الملكة" لهجة غاية في الحدة لتشجب معاملة بريطانيا لجنودها العائدين من الكارثة العراقية بعد أن مزقت الخدمة عقولهم تمزيقاً لِما تلقّوه من صدمات أو ما تعرضوا له من يورانيوم مستنزف انبعث من أسلحة الغربيين، مما دفع جويس إلى التصريح ذات يوم، "إن مقدار الشر اللامبالي الذي تجندوا فيه لا يمْكن إلا أن يجسد الشيطان".

وبمنأى عن خط النار يتجلى مسقط الرأس كنافذة تطل منها الأطماع الأميركية في التوسع والاستحواذ، ويسعنا أن نسدد عيناً كاشفة إلى تجارة الحرب، لا كما يسردها الجندي، وإنما كما يلاقيها إبناه. لا تسبغ قصة بيرسي "تحديث، تحديث" الفائزة بجائزتيّ بليمتِن وبوشكارت والصادرة في كتاب المختارات القصصية" أفضل القصص القصيرة الأميركية 2006" أي رحمة على صبيين ببلدة تعاني الفقر واليأس وتضم المقر الرئيسي للكتيبة الثانية، الفوج رقم 34 من مشاة البحرية.

تفقد البلدة شبه الشاغرة اتزانها الاجتماعي بعد أن انضم رجالها إلى الحرب ليتبقّى العجائز والأطفال، وصبيّان يجاهران، "لم نستوعب تمام الاستيعاب السبب في ذهاب آبائنا إلى الحرب. ما استوعبنا إلا أنهم لا بد أن يحاربوا. وقد جعلتْ الحاجة الملحة للحرب أي سبب بلا أهمية. أسَرَّ جدي إليّ، 'إنها جزء من اللعبة. هذا هو الوضع ببساطة'. ما وسعنا إلا أن نرجو حسن الطالع ونتمنى الأماني بالطلاسم ونضغط على زر 'تحديث، تحديث' آملين أن يعودوا إلينا، داعين ألا نجد ديف لايتِنِر في شرفتنا وهو يلفظ الكلمات 'يؤسفني أن أبلغك أن ….'".

يتكبد الصبيّان، بما سادهما من عنف ومرارة، تكلفة الحرب في جبهة الوطن. بفأرة الكمبيوتر يضغطان المرة بعد المرة 'تحديث، تحديث' ترقباً لرسائل أبيهما متلهفين إلى معرفة إن كانا على قيد الحياة. تكتنفهما التصورات المزيَّفة، فهي وقود الصبر والاحتمال: "ارتسموا في مخيلتنا وهم يُقْدمون على أعمال بطولية: ينقذون الرضع العراقيين من أكواخ مشتعلة، يَقنصون منفذي الهجمات الانتحارية قبل أن يفجّروا أنفسهم في أحد شوارع المدينة المزدحمة. اعتمدنا على هوليوود وأخبار التليفزيون لتطوير سيناريوهات محكمة قد يُغِير فيها المتمردون الملتحون من مكامنهم على آبائنا بقاذفات الصواريخ خلال مسيرة شاقة عبر جبال شمال العراق في الغسق. تخيلناهم أشباحاً أمام انفجار يحتدم احتداماً. تخيلناهم وهم يحفرون الأنفاق في الرمال كما السحالي ويطْلقون بنادق إم-16 لتخترق رصاصاتهم العتمة شأنها شأن نيازك راقبتُها في ليال تعذر فيها النوم".

يجاهد الاثنان لاستيعاب عالَم لا يَشغله سَنَداهما، يكافحان بطريقة واحدة وحيدة يُلمّان بها: الملاكمة حتى الإعياء؛ إنزال الأذى – وإن كان بريئاً – بالآخرين؛ إشباع ضابط التجنيد ضرباً قبل أن ينهي إليهما أيهما خسر أباه، "ترنّح ديف فجأة وجعل يقاوم ويصيح بنا بصوت اختلطت حروفه. تحجر وجهي غضباً فوضعتُ يدي عليه ودفعتُه ببطء نحو حافة الحفرة فلزم الصمت. نسيت نفسي للحظة وأنا أتفرس في دمارٍ عمَّه الظلام. لم ينقصه الجمال ولا الترويع. 'بمقدوري أن أدفعك في هذه اللحظة،' قلت. 'ولو فعلتُها، ستموت'.".

تنتهي القصتان نهاية سوداء تعكس مصيراً لا سبيل إلى تلافيه، مثلها مثل الحرب. يتيه "جندي الملكة" في غياهب الهلوسة والخُبْل ناظراً بعين الريبة إلى كل فرد. ما عاد جندياً صلباً، بل واحداً من المجاذيب؛ وعلى العكس من راوي قصة همنجواي "في بلد آخر" القائل، "في الخريف قامت الحرب هناك على الدوام، ولكننا لم نعد نُقْبل إليها" يقرر الصبيّان أن يحذوا حذو أبيهما، سوف ينضمان إلى القتال ليصنعا من فشل أبيهما فشلاً متجدداً. لعل القوات الغربية غادرت العراق في الظاهر وانقلبت الحرب تاريخاً، ولكن آثارها – في ساحة القتال وبيوت المقاتلين – لا تنفك حاضرة اقتصادياً ومجتمعياً.

وحينما تأتي هذه الشخصيات – بما تضمره من وحشة مقبِضة وحياة توارت أسفل تراب الحرب – كي تفضي إليك بأفكارها السوداء، لا يسعك إلا الإنصات، وجِلاً متحفزاً، خشية أن تنطبع مخاوفها في ذاكرتك حيةً مثلها مثل الخارِج من قبر. ترغب من جويس وبيرسي أن يقُوما بدور الفنان في تنظيم الكون وإخماد الفوضى، ولكن خيبة الأمل هي نص لا يجامل أو يهذب، شخصيات مرسومة بأمانة لا تَعدم القسوة، نتماهى معها باعتبارها أصواتا متقنة لا توفر علينا خبراتها الدموية البغيضة، تَحمل مبررات ديمومتها وتُميز أدب الحرب.

12