جنود وادي النيل يقاتلون لحماية عرش أوروبا في المكسيك

حفلت العديد من الأعمال الروائية، بالحديث عن انتشار ظاهرة الاتجار بالبشر، خصوصا في ظل الحروب التي يعيشها العالم اليوم، حيث تعقد الصفقات الملوثة بدماء الأبرياء من قبل أباطرة يتبادلون غنائمهم من البشر كأنهم بضائع لا قيمة لها، ويكيدون لبعضهم الدسائس والمؤامرات. والحقيقة أن عالم هذه التجارة مرتبط بشكل كبير بعالم السياسة، عندما تبرز الصفقات السياسية أكثر تلوثا من صفقات هؤلاء التجار، أو هي صورة مطوّرة عنها وعلى نطاق أوسع وأشمل.
الاثنين 2016/03/28
موت على أرض غريبة

يرتكز الروائي المصري محمد المنسي قنديل في روايته “كتيبة سوداء” إلى التاريخ البعيد لينبش فيه ويمارس إسقاطاته الحالية على الواقع العربي المُتشظي عموما والمصري خصوصا، مبتعدا عن الفضاءات العربية إلا عابرا بها أو مرتحلا منها إلى المصير المجهول الذي ينتظر كل أبطال الحكاية التي تمتد عبر ما يقارب 480 صفحة.

خيوط الحكاية في الرواية تحمل في بدايتها من البساطة كمّا يكشف ما يريد الروائي قوله مرة واحدة، لكنها لا تلبث أن تدخل في تعقيدات المصائر الموجعة لأبطالها الذين عاشوا عقودهم الأولى على الهامش بكل ما تحمله الكلمة من معنى، الهامش الذي انطلق منه المنسي هو مجاهل نهر النيل في تفرعاته السودانية حيث تتوزع القبائل في غابات الوجود الأزلي الذي التزم البساطة طريقا للبقاء.

السلطان يبيع شعبه

منطق التجارة والصفقات هو الذي يحكم الرواية، الصادرة عن دار الشروق، في كل من عتباته الأولى التي أرساها المنسي بين تاجر سوداني يدعى ود الزبير وسلطان أحد قبائل الدينكا الذي باع رجال قبيلته في سبيل الحصول على السلاح، هؤلاء الرجال تقودهم الحكاية ليكونوا جنودا في الجهادية التي يجهّز لها سعيد باشا بن محمد علي حاكم مصر آنذاك، الوالي الطامح إلى رضا الفرنسيين، فيزج بجنوده في حرب لم تكن حربه.

إنها حرب نابليون الثالث في المكسيك، نابليون الذي يريد أن يتخلص من ضغط فاتورة جولات الحرب هناك ليضمن استقرار العرش لوريث العرش النمساوي ماكسيمليان الذي أُحيل على التقاعد في بداية عقده الثالث بعد أن أسس أسطول الإمبراطورية النمساوية البحري في محاولة من أخيه فرانز للإطاحة به من قائمة المُنتظرين على قائمة الوصول إلى الحكم، ماكسيمليان الذي يحمل اسم ماكس اختصارا يدخل القارئ في أروقة السراديب المغلقة للقصور الإمبراطورية في القارة العجوز عبر أربع سنوات فقط بين عام 1864 و1868 هي العمر الزمني للرواية، تلك الأربع سنوات كانت كافية لتغيير المصائر للكثير من العباد، ما أشبه الأمس باليوم، هكذا يسلط الكاتب المصري الضوء في روايته التي دخلت ضمن القائمة الطويلة لجائزة الرواية العربية البوكر على حكايتين.
اختلاف الأهداف والجغرافيا تطلّب من الكاتب زمنا طويلا لدمج الشخصيات في الشرق والغرب البعيد ضمن قالب درامي واحد

تسير الرواية على مسارين دراميين، الأول بدأ مع المهمشين في الشرق المجهول والثاني انطلق من “ميارامار” الإيطالية مع ماكس وزوجته شارلوت ابنة أرشيدوت بلجيكا في ذلك الوقت، كلا المساران اتجها من نقطتين مختلفتين في هذا العالم نحو المكسيك، الأرض الجديدة الغنية بالفحم وبالموارد والتي تشهد في الزمان ذاته حربا أهلية يدعمها الجار الأميركي الذي يقف ضد تحويل الحدود المتاخمة له من نظام جمهوري إلى إمبراطوري يحكمه ماكس النمساوي الذي قبِل بالعرش تحت ضغط الجميع، ومن بينهم زوجته التي تحلم بلقب الإمبراطورة.

اختلاف الأهداف والجغرافيا تطلّب من الكاتب زمنا طويلا لدمج الشخصيات في الشرق والغرب البعيد، بقالب درامي واحد يسير على خيط رفيع نحو إكمال الحكاية، التي لا تكون في جلّها مختلفة عن الصفقة الأولى التي أبرمها التاجر السوداني مع سلطان القبيلة ضمن منطق السلاح مقابل الرجال.

الزمان المحدود قابلهُ مكانٌ محدود وممتد معا، فالمعادلة الزمنية سارت ضمن أربع سنوات فقط بينما المكان قام على ثلاثة أعمدة رئيسية هي وادي النيل والقارة العجوز وأرض المكسيك الجديدة، الجغرافيا المحدودة أيضا كانت ضمن لعبة المكان المقتصِر على معالم هامة دون الإسهاب في التفاصيل، ربما هذا يعود إلى العتبة الطويلة التي لجأ إليها الكاتب ليعبر من خلالها البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي وصولا إلى خليج المكسيك، فنلـمح معالم باريس وفيينا وميرامار وبروكسل ونمرّ بأسماء نابليون الأول والثالث وبسمارك وبابا الفاتيكان وملكة بريطانيا كأبطال على هامش الحدث الذي ينتظر وصول ماكس إلى حتفه، ذلك الحدث الذي نظمته منذ انطلاق الرواية رشاقة استخدام الأفعال وسرعة انتقالِها.

"كتيبة سوداء" رواية تكشف الصفقات الملوثة بدماء الأبرياء

المصائر التي تلعب بها جولات الحرب تقضي على الكثير من الجنود والقادة على حد سواء، وحدهم الأباطرة والملوك يكون لرحيلهم التأثير الكبير في التاريخ بينما الجنود بكل رتبهم ما هم إلا أحجار شطرنج، إذ يتم استخدامهم إلى حين انتهاء المعركة، هكذا يبدو المشهد عموما في الكتيبة السوداء.

لعبة التاريخ

لا شك أن التاريخ يمثل كنزا هاما للروائيين، لكن هذا التاريخ البعيد كتبه المنتصر ووصل إلينا عن طريق وثائقه الوحيدة التي تركها، فالحكاية الثانية للواقفين على الضفة الأخرى من هذه الرواية غير موجودة، تبدو طارئة على هيكل المسار السردي ككل فتحاول تغييره وليَّ عنقه نحوها إلا أنها تفشل مرارا تحت ضغط الصدفة التي تحكم العمل ككل، ومن هنا لا يمكن اعتبار هذه الرواية وثيقة تاريخية للحملة الفرنسية على المكسيك ومشاركة الكتيبة المصرية فيها تحت ضغط العلاقة بين سعيد باشا وفرديناند دي ليسبس صاحب مشروع قناة السويس في ما بعد، التاريخ هنا جاء كحكاية أرادها محمد المنسي قنديل فاتحة القول لما يحدث اليوم بين مسارات عدة في الشرق الذي بدأ يعود نحو أدغاله الأولى التي خرج منها جنود الرواية السود.

أولئك الجنود الذين تطوف بهم أيضا المصائر حيث نرى بعضهم وصل إلى مخادع الإمبراطورات وقاد حملة الدفاع عن باريس ضد حملة بسمارك وبعضهم الآخر ضرب جذوره في المكسيك ضمن بنية الحياة الجديدة التي عاد فيها الجمهوريون إلى الحكم وصنف ثالث عاد إلى مصر بعد أن تم تكريمه في فرنسا ليكون لهم شأن في الأصقاع البعيدة عن مركز الحكم في القاهرة حينها، هذه المسارات المتعددة دفعت بالرواية لتصل إلى ما يقارب 500 صفحة ضمن منطق الحياة المعلّقة لكل الأبطال الذين خاضوا حروبا ليست حروبهم وواجهوا مصائر لم تكن لهم إلا بالصدفة التي بناها الروائي المصري في روايته الأخيرة استنادا إلى مفصل تاريخي واحد أراد من خلاله أن يقول “أوقفوا الحرب التي تضربُ جغرافيا المشرق لأنها ستأكلنا كلنا سواء كنا جنودا أم لم نكن”.

14