جنيف وفق الوصفة الروسية.. اختاروا بين الأسد وداعش

السبت 2016/01/30

دخلت روسيا عسكريا إلى سوريا لتفرض واقعا جديدا على الأرض سواء لتغيير موازين القوى أو على أقل تقدير منع انهيار قوات الأسد. لكن هذا الدخول العسكري ليس هدفه تحقيق انتصار عسكري ضد الإرهاب كما أعلنت موسكو بل العكس أي الانتصار على المعارضة أو تقليم أظافرها وتحديدا المعارضة التي قد تصلح لأن تكون بديلا عن الأسد أو أن تكون جزءا من مرحلة انتقالية تشارك في الحكم، لذلك لم تركز ضرباتها الجوية العسكرية على داعش والفصائل المتشددة.

استغل الروس فرصة الانكفاء الأميركي عن الشرق الأوسط خلال فترة حكم أوباما، فطرحت موسكو مبادرة للتعامل مع الأزمة السورية ولم تلق اعتراضا من واشنطن بل أعطتها حرية تنفيذها بشكل غير مباشر في المرحلة الأولى من الصراع في سوريا أي سياسيا، وبشكل مباشر في المرحلة الحالية أي عسكريا.

فلم تكن عند الإدارة الأميركية الرغبة بالتدخل في سوريا بشكل جدي بل اكتفت باستخدام سوريا كورقة في المفاوضات مع إيران وروسيا لضمان تسليم المخزونات الكيمائية في سوريا والاتفاق النووي مع إيران. بعد هذه النقطة أصبحت سوريا ورقة منتهية الصلاحية للأميركان بل أصبحت عبئا على واشنطن، فسوريا تغوص في فوضى قد تزعزع أمن المنطقة من جهة، ونزاعات طائفية وتيارات متشددة سواء كانت داعش وجبهة النصرة أو الميليشيات الإيرانية والعراقية وحزب الله من جهة ثانية.

فأوباما الذي لا تهمه صورته في الشرق الأوسط خلق رغبة أميركية جامحة في الهروب من أزمة سوريا، بينما في الطرف المقابل بوتين الرجل الذي يحكم ويقود روسيا بناء على صورته وهيبته خلق تلهّفا روسيا للعودة إلى الساحة الدولية ومنطقة الشرق الأوسط من البوابة السورية.

فأطلق بوتين العمليات العسكرية في سوريا على كل الجبهات، حيث لم يقتصر الجهد العسكري الروسي على القوات الجوية بل تم تدعيمه بخبراء عسكريين ميدانيين شاركوا قوات الأسد في معاركهم ضد المعارضة، وعملت روسيا على تحصين الأماكن التي تخضع لنفوذ الأسد وخصوصا في الساحل السوري. فالعمل العسكري الذي بدأ قبل أشهر معدودة من بدء المفاوضات في جنيف لم يكن إلا تمهيدا لعمليات عسكرية مستمرة لن تتوقف حتى تضع المعارضة أمام خيارات محدودة.

روسيا تريد أن تقول للمعارضة السورية إما أن تختاروا “الخيار الأول” المتمثل بامتلاككم “شجاعة الاستسلام” أي تقديمكم لتنازلات جوهرية تسمح لكم بالانضمام إلى “حكومة وحدة وطنية” تؤدي اليمين الدستورية أمام الأسد في دمشق وتشارك في صياغة دستور جديد وتشارك في انتخابات برلمانية ثم انتخابات رئاسية “تنافس” فيها الأسد للوصول إلى رئاسة الجمهورية العربية السورية التي تحظى بشرعية جنيف وفق الوصفة الروسية وفي ظل عدم الاعتراض الأميركي إن لم نقل الترحيب.

وليس مستبعدا أن تستخدم روسيا هذه الانتخابات الرئاسية لتجديد مدة بقاء الأسد من خلال الإصرار على أن من يشارك في الانتخابات من مرشحين ومصوتين هم فقط من بقي داخل سوريا، أي المناطق التي يسيطر عليها الأسد والتي يتحكم بأصواتها، مما يعني أن أغلب الأصوات ستصب في صالح الأسد وستمدد ولاية الرئاسة له.

وقد يقول البعض إن هذه الانتخابات ستكون تحت مراقبة الأمم المتحدة، ولكن جميعنا يتذكر أن حكومة الأسد لم تسمح للمراقبين الأمميين بأن يدخلوا سوريا خلال السنوات الخمس إلا من جنسيات دول تؤيد الأسد منها الصين وروسيا ودول مجموعة البريكس، أي أن هذه الرقابة لن تكون سوى غطاء لتمديد حكم الأسد برضى وشرعية دولية.

أو أن تجد المعارضة نفسها أمام “الخيار الثاني” المطروح على الطاولة الروسية في حال رفضت الأسد، فتسعى المعارضة إلى الاعتماد على المقاومة العسكرية في وقت يتضاءل فيه الدعم العسكري والمالي من حلفاء المعارضة سواء بالتنسيق مع الروس أو من دونه، بينما تزيد روسيا من دعمها للأسد لإنهاك المعارضة عسكريا من جهة، ومن جهة ثانية تسعى دوليا إلى تصنيفهم بقوى إرهابية خرجت عن الشرعية الدولية برفضها الاندماج في العملية الانتقالية التي قدمتها روسيا في جنيف.

معروف عن النهج الروسي العسكري القائم على فكرة الأرض المحروقة التي بدأت موسكو في تطبيقها في سوريا لتجعل قوات المعارضة مكشوفة أمام النيران الجوية والأرضية الروسية وحلفائها من قوات الأسد وميليشيات إيران.

بالتأكيد لن تكون أميركا منزعجة من هذا النهج الروسي، فهي التي كانت دائما تمنع الدول العربية من تسليح المعارضة بسلاح نوعي يسقط الأسد، وهي ذاتها لم تحرك ساكنا عندما دخلت روسيا بثقلها العسكري إلى الساحل السوري، وهي ذاتها التي تمارس ضغوطا على المعارضة السورية كي ترضخ لضربات روسيا العسكرية في الميدان وضربات دي ميستورا السياسية في جنيف.

هذا النهج الروسي سيجعل المعارضة السورية بين الاستسلام أو الهجرة خارج سوريا من طرف الفصائل العسكرية التابعة للجيش الحر أو الانضمام إلى داعش من طرف الفصائل الإسلامية المعتدلة فيها قبل المتشددة.

فقد سبق أن بايعت بعض العشائر العربية السورية داعش عندما وجدت نفسها في حرب ضد التنظيم ولكن من دون دعم عسكري، فاستبقت الهجوم الداعشي عليها بمبايعة الدولة الإسلامية. فتحولت من قوة ضد داعش إلى قوة في صفوف التنظيم.

هذه الفصائل التي ستجد نفسها في حضن تنظيم داعش ليس بالضرورة أنها قد تحمل فكره ولكنها أصبحت أمام خيار إما أن تموت على يد الطيران الروسي وميليشيات إيران أو أن تموت على يد داعش أو أن تختار بين الاستسلام للروس أو مبايعة البغدادي.

خيارات روسيا بين الأسد أو داعش ليست أكثر من “تجرع كأس السم” في الخيار الأول أو اختيار ما لا ترغب فيه بالخيار الثاني. فهل تختار المعارضة السورية ما تعرضه عليها روسيا في جنيف، أو تبتكر خيارا آخر يقلب الطاولة على العرض الروسي؟ الجواب عند داعمي المعارضة.

إعلامي سوري

7