جنيف 2.. العالم بشكله الجديد

الخميس 2013/12/05

وفق كافة المعطيات التي يتم تسريبها في أروقة الدبلوماسية الدولية، فإن مؤتمر جنيف2 بات قاب قوسين أو أدنى من الانعقاد، ويبدو أنه لن يتأخر كثيراً هذه المرة، كما في المرات السابقة، فقد حسم الرعاة الدوليون أمرهم، وأنهوا ملف إيران النووي، بعد أن انتهوا من البحث عن مكان لإتلاف ترسانة الأسد من السلاح الكيماوي، وقد باركوا بالمعية تشكيل حكومة سورية انتقالية، وقدموا لها مساعدات مالية لتسهيل عملها في المناطق المحررة، وقد سارع الجيش الحر لرفض فكرة الذهاب إلى مؤتمر جنيف حاسماً أمره، إذ إن المطلوب سورياً، ليس إعادة ترتيب البيت كما يريد النظام، بتشكيل حكومة تضمه إلى جانب المعارضة، بل المطلوب هو النقطة الأولى والجوهرية والتي تتمثل في إلغاء شرط وجود الأسد وجميع من شاركوا معه في عملية الذبح والقتل الممنهج المستمرة منذ عامين ونصف.

بالمقابل فإن النظام، بات يعتبر المؤتمر بمثابة طوق نجاة له، يمكنه من الاستمرار على سدة الرئاسة، وكل ما تحت الرئاسة يمكن التفكير فيه، وقد رسم بشار الأسد فعلياً خريطة طريق لحل سياسي وفق رؤيته في يناير من هذا العام، وتلك الخريطة تتضمن فكرة تشكيل الحكومة، وأفكاراً أخرى تتجاهل بشكل كامل الحالة السورية المأساوية وتمهد الطريق لسنتين من النقاشات والحوارات.

ولا يبدو أن الرعاة أو الداعين لمؤتمر جنيف2 يضعون «الملف السوري» في أعلى سلّم اهتماماتهم، وإن كانوا لا ينفكون يصرحون بهذا، فمن الواضح أن المؤتمر سيكون فرصة مناسبة لإعادة تنظيم المنطقة، وخاصة بعد التقارب الأميركي الإيراني الذي أفضى إلى اتفاق جرّد إيران من قدرتها النووية التسليحية لكنه لم يقض على أحلامها النووية، ولم يضع شروطاً أو حدوداً لتطلعاتها بالهيمنة على المنطقة الأكثر ثراء في العالم. وقد سامح العالم إيران على ما يبدو على تدخلاتها في مختلف دول جوارها وجوار جوارها، وغض النظر عن اشتراكها في العمليات في سوريا، وقد ثبت بالدليل القاطع أن من يدير اللعبة داخل سوريا هي إيران، وأن نظام الأسد برمته ليس سوى منفذ للأوامر التي تصدر تباعاً من نظام الملالي الذي استطاع أن يستخدم الورقة السورية، مضافاً إليها الورقة العراقية واللبنانية، وربما اليمنية أيضاً، في مفاوضاته الطويلة، وسوف يسعى لإثبات حسن نواياه بالنسبة لأصدقائه الجدد، واشنطن تحديداً، وسيعطي إدارة الرئيس الأميركي انتصاراً وهمياً جديداً بعد أن هللت كثيراً لتمكنها من «تعطيل» المشروع النووي الإيراني، وقد يكون هذا «الانتصار الوهمي» هو الإنجاز الوحيد الذي ستفتخر إدارة أوباما بالتوصل إليه، وهو على المدى الطويل مجازفة غير محسوبة، وقد أبدت دول الخليج ترحيبها بما تم التوصل إليه، لكنها اشترطت وجود حسن النوايا، وهي الأكثر دراية بموضوع الطموح الإيراني، وتفاصيل مشروعها الذي لم يكن النووي يشكل إلا تفصيلاً صغيراً من تفاصيله وتشعباته الكثيرة، فهل يستطيع أصدقاء إيران الجدد أن يقنعوها بالاكتفاء بحدودها، والتركيز أكثر على التنمية الداخلية، والكف عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار؟

داخل إطار الصورة وبوضوح تظهر روسيا لاعباً أساسياً لا يستهان بقدرته على إدارة الملفات، وهي، استطاعت أيضاً أن تلعب بالورقة السورية بحنكة، وأسست معارضة تريد أن تؤهلها للجلوس في المؤتمر باعتبارها ممثلة عن الشعب السوري، والحقيقة أن روسيا أخرجت التفاصيل على طريقتها، جاعلة الدور الأميركي ثانوياً، ويبدو أن واشنطن لا تمانع في لعب هذا الدور طالما أنه يخرجها من حرجها، وقد اقتنعت، مبدئياً، بلعب دور المهزوم، لمصلحة موسكو، واستطراداً طهران، لكنها لن تقبل الهزيمة أمام النظام السوري، وهي وإن قللت من قدرتها على الحركة فإنها ما زالت قادرة على التأثير وبشكل كبير، بل وعلى قلب المعادلة رأساً على عقب، وما يخشى منه أن تجد الإدارة الأميركية نفسها منساقة للعب دور المستسلم، وساعتها سيكون لزاماً الانتظار طويلاً قبل الوصول إلى حل للمسألة السورية.

كل هذه التفاصيل تبدو حاضرة وبقوة على طاولة مفاوضات جنيف2، وسيكون المدعوون حسبما رأى المبعوث الأممي الأخضر لإبراهيمي من المؤثرين والفاعلين في المسألة السورية، وهم كثر كما تشير المعطيات، لكل منهم ترتيباته الخاصة، وستكون سوريا حاضرة كواحد من ملفات عديدة، تنتظر جميعها حلاً نهائياً.

كاتب سوري

9