جنيف 2.. لا حديث إلا عن الإرهاب والسلام حظوظه ضعيفة

الجمعة 2014/01/24
جنيف 2.. لمحاربة إرهاب المتطرفين أم إرهاب الأسد

كرر النظام السوري في افتتاح مؤتمر جنيف2 ما كان يردده رأسه وكبار مسؤوليه طوال الأشهر الأخيرة بأن الهدف من مشاركته في المؤتمر هو القضاء على الإرهاب وإغلاق مصادر تمويله، ووزع كبار المسؤولين السوريين اتهاماتهم بدعم الإرهاب يمينا وشمالا وطالت هذه الاتهامات دولا عربية وغربية، وبالمقابل أكّدت المعارضة السورية على أنه لو كانت محاربة الإرهاب هي الهدف فيجب أن تكون الخطوة الأولى القضاء على النظام ورموزه.

أعرب مسؤولون سوريون عن استحالة تسليم السلطة للمعارضة أو غيرها عبر مؤتمر جنيف2، وقالوا إن نظام بلدهم يشارك من أجل إيجاد توافق دولي على محاربة الإرهاب، في محاولة لتحويل المؤتمر من مؤتمر لتغيير النظام أو إصلاحه إلى مؤتمر لمكافحة الإرهاب.

الرئيس الأسد أعلن قبل المؤتمر بأيام في مقابلة مع وكالة فرانس برس أن “القرار الأهم” الذي يمكن أن يخرج به مؤتمر جنيف2 هو “مكافحة الإرهاب في سوريا”، وقال إن “أية نتيجة سياسية تخرج من دون مكافحة الإرهاب ليست لها أية قيمة”.

رئيس مجلس النواب السوري أشار بأصابع الاتهام إلى السعودية وقال “إنها من كبار مموليه وداعميه”، فيما سخر وزير الإعلام السوري، عمران الزعبي، ممن “يحلم” بأن الذهاب إلى جنيف هو “لتسليم السلطة للإخوان المسلمين أو لمن يمثل قطر أو تركيا والسعودية وأميركا وإسرائيل” الذين اتهمهم بشكل غير مباشر بدعم الإرهاب، بينما اتهم نائب وزير الخارجية، وليد المعلم، دولا غربية كفرنسا وبريطانيا وتركيا بدعم الإرهابيين الذين دخلوا سوريا.


الأولوية في مؤتمر جنيف 2


الخطاب الإيراني والروسي تماهى مع الخطاب الرسمي السوري، فالرئيس الإيراني حسن روحاني قال إن جنيف2 يجب أن “يشدد على طرد كامل للإرهابيين” وهو لا يعني بالتأكيد حليفه حزب الله اللبناني أو الميليشيات الطائفية العراقية التي تُقاتل إلى جانب النظام وبرعاية وتوجيه إيرانيين، فيما اعتبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن الهدف الأول من مؤتمر جنيف2 هو “قيام تحالف بين الحكومة والقوى الوطنية السورية لمحاربة الجماعات الإرهابية الدخيلة التي تقاطرت من جميع أنحاء العالم إلى سوريا لتنفيذ مخططاتهم الشريرة”.

المعارضة السورية تقول ببساطة إن النظام الذي قام بقتل أكثر من 150 ألفا من أبناء البلد، وموجود في معتقلاته أكثر منهم، ونحو 100 ألف في عداد المفقودين، واستخدم المدافع والدبابات والطيران الحربي في قصف المدن والأماكن السكنية في كل المناطق السورية، وشرّد حلّه الحربي نحو ثمانية ملايين سوري، ودمّر البنى التحتية لبلد كامل، إنما هو الإرهابي الأول، وهو ما اختصره رئيس ائتلاف المعارضة أحمد الجربا حين قال إن المعارضة تذهب إلى جنيف 2 لمحاربة إرهاب النظام وإرهاب عائلة الأسد.

كيري: لا حل للأزمة السورية ما دام بشار الأسد في السلطة

وأيّده في هذا الوصف وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس الذي قال إن النظام السوري “هو من يغذي الإرهاب وإذا ما رغبنا في إنهاء الإرهاب فيجب أن ينتهي هذا النظام”، كما أيّده وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي قال إنه يدرك أن الأسد هو من أحضر الإرهاب إلى سوريا، وكذلك الأمم المتحدة التي قالت إن الأولوية في مؤتمر جنيف2 هي تشكيل هيئة حكم انتقالي وليست مكافحة الإرهاب”. بالفعل، سيطر مقاتلون من تنظيمات متشددة، بعضها يتبع القاعدة، على مناطق واسعة في شمال سوريا، غير أن هذه التنظيمات تصرفت خلال السنة الأخيرة بما يخدم النظام السوري وبما يتماشى مع خطه العام، وكلما احتلت مدينة كان النظام السوري يتوقف عن قصفها، وقامت باعتقال وإعدام ناشطين سلميين وإعلاميين ومثقفين، وقتلت عددا من قادة الكتائب الثورية وكثيرا من مقاتلي الجيش السوري الحر، ومنعت قوات المعارضة المسلحة، في الكثير من الأحيان، من احتلال مناطق يسيطر عليها النظام وأجبرت بعضهم على فك الحصار عن قوات للنظام، وسيطرت على مستودعات للأسلحة وأخرى للأدوية والأغذية، ومنعت توزيعها على الناس، كما قام بعضها بحراسة آبار نفط مازالت تزود النظام بالنفط.

كل هذه الممارسات جعل المعارضة السورية ودول غربية تؤكد أن هذه التنظيمات الإرهابية هي جزء من النظام وهو المسؤول عن تفريخها بمساعدة إيران وقوى عراقية ولبنانية، خاصة وأنه خبير في شؤون الإرهاب وكان يقوم بالتنسيق مع تنظيمات تتبع القاعدة في العراق لسنوات.


محاربة الإرهاب


تناسى النظام السوري أن توصيف الإرهاب يطال أيضا تنظيم حزب الله اللبناني الذي حضر إلى سوريا ليقاتل إلى جانب النظام بشكل علني ودون رادع أو قانون، والذي صنفت أوربا جناحه العسكري على أنه إرهابي، كما تناسى أن نحو عشرة تنظيمات عراقية طائفية تقاتل إلى جانبه هي أيضا ستوضع في خانة التنظيمات الإرهابية، فضلا عن أن الميليشيات السورية الطائفية المسلحة التي يعتمد عليها، (الشبيحة) و(اللجان الشعبية)، والتي تضم عشرات الآلاف من مناصريه وأبناء طائفته، صُنّفت أميركيا وبشكل رسمي على أنها تنظيمات إرهابية، ومحاربة الإرهاب يجب أن يبدأ بهذه التنظيمات أولا قبل غيرها على اعتبار أنها تحت سيطرة النظام.

وحول محاربة الإرهاب في مؤتمر جنيف قال المعارض السوري المستقل فواز تللو لـ”آنا برس” “نخشى أن تبدأ المفاوضات ويُغرق النظام المعارضة بالتفاصيل وحرب المصطلحات كالإرهاب والثورة، لاختزال مطالب الثورة وأهدافها الكبيرة في مطالب صغيرة تمهيدا لتوقيع اتفاقات وتفويض دولي لتجريم (الإرهابيين) أعداء (العملية السلمية) وغالبا سيستدعي الأمر تدخلا عسكريا دوليا وقوات حفظ سلام لكن للوقوف بوجه (الإرهابيين) وليس لوضع حد لإرهاب النظام، وبعد أشهر لن يبقى من قضية على طاولة المفاوضات إلا محاربة الإرهابيين، وستوزع شهادات حسن السلوك على ضعاف نفوس في الجيش السوري الحر مستعدين للانخراط في جيش النظام، فيما تُضاف كتائب مقاتلة ثورية إلى قائمة (الإرهابيين) لرفضهم التصالح مع النظام”.

وأضاف “نخشى أن تجري بعدها عملية غربلة للسياسيين وقادة الكتائب المسلحة والناشطين لتحديد (القادة الجدد) للمعارضة الذين سيحكمون سوريا (نظريا) إلى جانب النظام الحالي خلال مرحلة انتقالية تنتهي بإخراج كل ملتزم بأهداف الثورة المتمثلة في إسقاط النظام الطائفي وإنهاء سيطرة الأقلية على مفاصل الدولة واقتصادها ومؤسستي الجيش والأمن بشكـل كـامل ومحـاسبة القتلة”.

تذليل العقبات أمام مشاركة المعارضة السورية في جنيف2 وتشكيل وفد المعارضة التفاوضي لا يعنيان بداية مرحلة جديدة، فلا يختلف اثنان على وجود صعوبات بالغة جدا مازالت تحيط بالمؤتمر وقد تطيح به، على رأسها أن النظام السوري لا يرى فائدة من عقده إن لم يكن هدفه محاربة الإرهاب، ولا يرى فيها إلا فرصة لإعادة التأهيل على المستويين الإقليمي والدولي، فيما ترى المعارضة أنه يجب أن يكون إعلاناً لنهاية النظام وبداية لمرحلة جديدة لبناء الوطن.

لم يمنح ملايين السوريين الذين تضرروا من حرب النظام تفويضاً سياسيا مطلقا للمعارضة السورية، إنما هو تفويض مؤقت ويعتمد على النتائج.

وفي الغالب، إن كان هدف محادثات السلام في مؤتمر جنيف2 تشكيل هيئة حكم انتقالية لا يشكّل النظام الحالي عمودها الفقري وواحد من أهدافها محاربة الإرهاب، فإن ذلك يعني نجاحه، أما إن تم تحويله إلى مؤتمر لمحاربة الإرهاب فقط فإنه في الغالب سيفشل، بسبب التعريف المتناقض للإرهابي بين المعارضة والنظام، وستفشل معه كل الحلول السياسية اللاحقة، وستنفتح الأبواب أمام تغلغل الإرهاب في سوريا إلى حد يصعب معه القضاء عليه.

7