جنيف 3: عصفورية سياسية أم بازار إعلامي

الخميس 2016/02/04

انتظر العالم بفارغ الصبر لقاء جنيف 3 أملا في رؤية ضوء في آخر النفق، لكن ما ظهر حتى الآن أشبه ما يكون بـ”عصفورية” سياسية، يلفها غموض وغوغائية إعلامية. لا أحد يستطيع الجزم بما يحدث أو يدور من كافة الأطراف: الأمم المتحدة؛ وفد الحكومة السورية؛ أو وفود المعارضة المختلفة. الاتهامات حول دور الدول الإقليمية في الضغط والتدخل في أجندة المعارضة تطفو على السطح. أما القرار 2254 وبنوده فكل يفسرها بطريقته بأسلوب انتقائي وتلفيقي. وهنا نضع عددا من التساؤلات: ما هي أهمية جنيف 3 وإلى ماذا سيفضي؟ ما هي أطراف التدخل الخارجي إقليميا ودوليا؟ وما هي حدود الحل مستقبلا للأزمة في سوريا؟

لا بد من التنويه بأن البداية المرتبكة للقاء جنيف 3، تبدو طبيعية للكثير من المراقبين، فرفع سقف المطالَب من المتحاورين أو المتفاوضين أمر طبيعي ومعروف في الخصومات السياسية، لكن بوادر الفشل في فريق المعارضة، ظهرت واضحة للعيان لعدم وجود أي من الأركان الأساسية التالية:

1- الرؤية الاستراتيجية الشاملة بين فريق التفاوض قبل الخصم؛ 2- وحدة الكلمة وجمع الشمل والقدرة على احتواء الاختلاف بين فريق التفاوض؛ 3- الحد الأعلى من المرونة والتكتيك في الوسائل والرسائل للوصول إلى الغاية النهائية الأسمى عبر تحقيق أهداف ولو مرحلية؛ 4- حسن التقدير للقدرات الذاتية والصدق مع النفس قبل الآخرين. ولذا نتوقع أن جنيف سيتحول في المدى المنظور إلى لقاءات وحوارات في الداخل السوري وسنشهد دمشق 1، وحتى دمشق 10، ولن يبقى الحل للأزمة في سوريا بعيدا عن البلد الأم.

فمن ناحية، احتضنت الرياض تجمع المعارضة حسب تفاهمات فيينا لجمع كافة أطياف المعارضة السورية من دون استثناء، لكن النزعات الشخصية للفيف المعارضة أدت بها إلى إقصاء الكثير من الشخصيات البارزة والمؤثرة من أمثال هيثم مناع وصالح مسلم وقدري جميل ورندة قسيس وغيرهم، مع حفظ الألقاب. وبالرغم من أن القرار الأممي يشدد على كافة أطياف المعارضة، إلا أن ضيق الأفق السياسي للمجتمعين في الرياض، ونزولا عند رغبة بعض الأطراف الإقليمية، وهنا نقصد تركيا تحديدا، جعلهم يستبعدون جزءا هاما من جسم المعارضة، وهم يعلمون أنه ليس من حقهم فعل ذلك. المثير للاستغراب والعجب، أن “قائمة الرياض” دعت فصائل تراها بعض الأطراف “إرهابية” مثل أحرار الشام وجيش الإسلام لصلتها بمجموعات إرهابية تُمارس العنف في سوريا، وفي الوقت نفسه، تم استبعاد شخصيات وأحزاب تعتبرها بعض الأطراف “إرهابية” مثل “حزب الاتحاد الديمقراطي” لصلتها بمجموعات تُمارس العنف، ليس في سوريا، بل في تركيا. الأنكى من ذلك، أن مسمى “الهيئة العليا للتفاوض” أوحى لـ”قائمة الرياض” بأنها وحدها من سيحاور النظام ولا أحد معها، وهو ذات الأمر الذي حصل مع “الائتلاف السوري” قبل سنوات.

من ناحية أخرى، دحض الدكتور عبدالعزيز بن عثمان بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، الذي أدار مؤتمر الرياض، في اتصال هاتفي كل الاتهامات بأي ضغوط مورست من السعودية على من اجتمعوا في الرياض، وقد طرحت على الأخ والصديق ابن صقر سؤالا واضحا ومباشرا “هل قامت السعودية بممارسة أي نوع من التأثير أو الضغوط على المعارضة السورية في الرياض لتبني موقف معين، أو في تشكيل الوفد لإدخال أطراف أو استبعاد أخرى؟” كان رده حاسما وسريعا “إطلاقا”، فقد اقتصر دور السعودية على تأمين المكان والدعم السياسي واللوجستي وترك السوريين يتحاورون ويتناقشون بكل حرية، وعن دوره في إدارة المؤتمر، ذكر عبدالعزيز أن دوره كان حياديا ومستقلا، كونه رئيس مركز بحثي خاص ومستقل، وهو ما استحسنته الحكومة السعودية. وأردف ابن صقر: كانت مهمتي توضيح وتوثيق آراء المجتمعين والطلب من كل فرد منهم كتابة موافقته أو تحفظه أو رفضه والتوقيع على ذلك. حسنا، إذن لا دور للسعودية في تشكيل الوفد أو التدخل في التفاصيل، ونحن نثق بمصداقية وحرفية واستقلالية الدكتور عبدالعزيز بن صقر.

تكمن الإشكالية الكبرى، من وجهة بعض المراقبين، في السذاجة السياسية للشخصيات الفاعلة في “قائمة الرياض”. فبدلاً من أن تقوم بطرح رؤيتها حسب القرار الأممي 2254، انطلق وأسهب بعض أفراد القائمة في تبني بعض المواقف السعودية الرسمية، ليس في ما يخص الأزمة في سوريا فحسب، بل في مجمل قضايا المنطقة، وكأنه مطلوب منهم ذلك أو كأنهم ناطقين رسميين باسم الحكومة السعودية، فباتوا “ملكيين أكثر من الملك” كما يقول المثل. صحيح أن السعودية تدعم المعارضة ولها موقف ضد الرئيس والنظام السوري ومن الطبيعي أن ترفع من سقف التصريحات للضغط على الحكومة السورية للقيام بتنازلات، لكن الرسائل السياسية للحكومات لا يجوز أن يتبناها الأفراد. ولذا، منعت السذاجة السياسية “قائمة الرياض” من إدراك ذلك. مع العلم أن المعارضة والدول التي تدعمها تعرف جيدا مضمون القرار 2254 بأنه كالتالي: الحوار سوري/ سوري، لا تدخل من دول أجنبية؛ رحيل الرئيس بشار الأسد لم يعد مطروحا؛ الشعب السوري وحده من يقرر كيف ومن يحكمه؛ حكومة وحدة وطنية، وليست هيئة انتقالية للحكم؛ إعادة صياغة الدستور والاستفتاء عليه؛ ثم انتخابات برلمانية ورئاسية. ماعدا ذلك هي تصريحات للاستهلاك السياسي.

في جانب آخر، تحدثنا إلى السيدة رندة قسيس من المعارضة تحت مظلة جديدة بمسمى “العلمانيين الديمقراطيين” فسمعنا حديثا ورؤية مليئة باتساع الأفق والمنطق والفكر السياسي مقارنة مع شخصيات من “قائمة الرياض”. تقول السيدة رندة: نحن تهمنا سوريا الدولة والشعب معا. الشعب من دون دولة مدنية ديمقراطية وعلمانية وحرة ومستقلة ذات سيادة، هو شعب مسكين يستحق الرثاء والشفقة والبكاء في آن واحد، مثله مثل الكثير من شعوب الأرض التي يعترف العالم بوجودها ولا ينكرها بل يتعاطف معها وقد يتصدق عليها، لكن ذلك لا ينطبق على الشعب السوري الأبي. أما الذين يظهرون تعاطفهم مع الشعب في الإعلام، فهم يقولون كلمة حق يراد بها باطل، هم يريدون الفصل بين الشعب والدولة لتمزيق الكيان وسهولة افتراسه وتذويبه، وهذا أكبر خطأ يقع فيه السذج. ما يجري من احتراب على أرض سوريا الحضارة والتاريخ يدمي قلوبنا كسوريين، لكننا لا نتاجر بدماء الشعب لكي نحقق مكاسب سياسية قد تكون فردية أو ربما شخصية. نحن هنا في جنيف 3 من أجل مستقبل سوريا دولة وشعبا ككيان واحد، وسنجتهد لكي لا يستبعد من أطياف المعارضة أي شخص ونرحب بالمزيد، فسوريا تتسع للكل. الأهم من ذلك، أننا لن ننسحب، ولن نهدد بذلك من أجل فرقعات إعلامية.

أما في ما يخص الوفد الحكومي، فقد استغلت الحكومة السورية تقدمها في الميدان الداخلي؛ وصلابة الموقف الروسي؛ وتذبذب الموقف الأميركي؛ وضعف الدور الإقليمي؛ وتشرذم المعارضة، ولذا جاء وفد الحكومة السورية إلى جنيف صلبا ومتناسقا ومطمئنا وواثقا من نفسه، لم تأت رئاسة بشار الجعفري، المندوب الدائم لسوريا في الأمم المتحدة، من فراغ فقد كانت الحكومة السورية تعي تماماً أن محادثات جنيف 3 هي حديث ونقاش مع الدول التي خلف المعارضة وتحديدا “قائمة الرياض”، وأن كل دولة لها أمنيات تريد أن تسخر فردا أو أكثر من الإصرار عليها، ولذا ترأس الجعفري بخبرته في الأمم المتحدة وفد الحكومة السورية. من ناحية أخرى، الصور والمواقف التي ظهرت في جنيف 3، رفعت من أسهم وشعبية الحكومة وأضرت بالمعارضة.

يبقى أن نذكّر “قائمة الرياض” بأن سوريا، الدولة والشعب والرئيس والنظام، كتلة صلبة في القانون الدولي ولذا صدر القرار 2253، والقرار 2254 يؤكد ويكفل الحق القانوني للدولة الشرعية، بصرف النظر عما يردده خصوم الدولة السورية من فقدان النظام للشرعية. فقد سبق أن حاولت أميركا تغيير الحكم في كوبا وعبرت عنه بأساليب ووسائل متعددة، لكن ذلك لم يسقط الحكم أو النظام في كوبا. هذا ما لم تفهمه المعارضة ولم يفهمه حلفاء أميركا في المنطقة. فسوريا الدولة هي التي تملك الحق الحصري والوحيد، حسب القانون الدولي، في استخدام القوة، كما أن من حقها الحصري والمشروع دعوة دول أو منظمات أو مجموعات أو أفراد لمساعدتها تجاه أي خطر تستشعره، وما عدا ذلك هو خرق للقانون الدولي.

أخيراً، ماراثون أو قطار جنيف سيتوقف إن عاجلا أم آجلا، وستنتقل محادثات التسوية السياسية إلى الداخل، ولو افترضنا تنفيذ القرار 2254 حرفيا، وكرم ولطف النظام، فستحصل المعارضة على 50 بالمئة من مقاعد حكومة وحدة وطنية، لا تتعدى 20 وزيرا، سيوزع 10 منهم على كافة أطياف المعارضة، ولن ينوب “قائمة الرياض” أكثر من 3 مقاعد على أفضل تقدير. أما إذا أراد النظام السوري أن يمكر قانونيا أو سياسياً، فلتتذكر “قائمة الرياض” أن القرار الأممي 242 لم ينفذ منذ ما يقرب من 50 عاما. ولتتذكر، أيضاً، أن قبول الحكومة السورية بالقرار الأممي والمجيء إلى جنيف، فرصة تاريخية، يتوجب على العقلاء والحكماء من الشعب السوري عدم تفويتها. ختاما، لا تغتروا بسياسات القوى العظمى والإقليمية فالتغير والتبدل والتحول سماتها، وما لا يدرك كله لا يترك جله. حفظ الله سوريا.

كاتب سعودي

8