جنيف 3 وتعقيداته: كل الخيارات تزيد من صعوبة المخرج السوري

لم يؤثر غياب المعارضة السورية على مسار المفاوضات في جنيف، فروسيا استمرت بدعم النظام في موقفه وبدأت تستميل معارضات أخرى، وتقدمت باقتراحات لاستبدال وفد المعارضة المفاوض الرئيسي بوفد يضم معارضين آخرين أقل تشددا وأكثر قربا من رؤية النظام، كما زاد النظام السوري من خرقه للهدنة واستمر بقصف المدن الحاضنة للمعارضة، بينما وقفت الولايات المتحدة تراقب ما يجري دون أن يكون لها أيّ رد فعل داعم لموقف المعارضة، وحتى المبعوث الأممي المشرف على المفاوضات ستيفان دي ميستورا استخفّ بموقف المعارضة ووصفه بأنه “استعراض دبلوماسي” وأكد على أن المفاوضات تمت بمن حضر.
الجمعة 2016/04/29
الحل مؤجل إلى اشعار آخر

بدأت الجولة الثالثة من المفاوضات حول سوريا في 13 أبريل في جنيف وانتهت الأربعاء دون تحقيق أي تقدم. وكان أبرز أحداثها تعليق الهيئة العليا للمفاوضات الممثلة لأطياف واسعة من المعارضة السورية مشاركتها فيها، الأمر الذي فتح الباب أمام العديد من الاحتمالات، بعضها أكثر قسوة من المفاوضات نفسها.

واستغلت روسيا قرار الهيئة العامة للمفاوضات التابعة للمعارضة السورية تعليق مشاركتها بمفاوضات جنيف لتقوم بتفكيك المعارضة السورية وتغيير تركيباتها وتحالفاتها، في محاولة لإقحام أطراف في مفاوضات جنيف تصفهم المعارضة السورية بـ “المعارضة المصطنعة”. ويخشى السوريون أن تنجح موسكو بهذه الخطة في إضفاء شرعية على مفاوضات لا يبدو أن نهاياتها ستكون لصالح أصحاب الثورة.

في هذا السياق، أعلن تيار بناء الدولة انسحابه النهائي من الهيئة العليا للمفاوضات، متّهما الهيئة بإعاقة العملية السياسية، وقالت مصادر في المعارضة إنه بدأ على الفور ينسج تحالفا جديدا مع الجماعات التي ترعاها موسكو، وهو أول خرق (انشقاق) تحققه روسيا في تركيبة الهيئة العليا للمفاوضات.

وأكّد مصدر من هيئة تنسيق قوى التغيير الديمقراطي المعارضة لـ”العرب” أن الهيئة مهددة بالانقسام نتيجة وجود تيارين متضاربين فيها، واحد يؤيد الموقف المتشدد للهيئة العليا للمفاوضات وآخر رافض ويطالب باستئناف المفاوضات بعيدا عنها.

وقالت المصادر إن هناك مساعي روسية لإقناع التيار الأخير بإعلان انفصاله عن الهيئة والالتحاق بجماعة مؤتمر موسكو ومؤتمر الأستانة، وترفض المعارضة السورية اعتبارهما جزءا منها لمواقفهما المنسجمة مع موقف النظام السوري.

تيار بناء الدولة الذي تنقّل كثيرا في تحالفاته السورية، اتهم الهيئة العليا بالعمل وفق مصالح دول إقليمية وليس وفق مصالح السوريين، لكن الهيئة قالت إنه تيار مُتقلّب أعلن مغادرته الهيئة أكثر من مرة وهي لا ترضى عن طروحاته التي تدعو إلى قبول بقاء الرئيس بشار الأسد على رأس السلطة لحين إنجاز التغيير الديمقراطي.

على الهيئة أن تجري عملية تنظيف داخل صفوفها بشكل حقيقي لتستطيع القول إنها تمثل مطالب قوى الثورة

موسكو التي لم تستطع إرغام وفد الهيئة العليا للمفاوضات على العودة إلى طاولة الحوار وفق شروطها وشروط النظام السوري، بدأت لعبة فَرِّق تَسُد، فقد وجدت أن متابعة المفاوضات من دون الهيئة العليا أمر متعذر، ومن الأسهل عليها تفتيت هذه الهيئة.

تيار مهادن

لم تعر المعارضة السورية أهمية كبرى لانسحاب هذا التيار، ووفق مصادر في الهيئة فإنها لن تعير أهمية أيضا لو انسحبت هيئة التنسيق كلها والتحقت بهذه التيارات وبجماعات موسكو الأخرى، فهذا التيار تقلب سابقا بتحالفاته بين هيئة التنسيق وائتلاف المعارضة والهيئة العليا وغيرها، وتعتبره المعارضة تيارا مهادنا مقربا من النظام، كذلك الأمر بالنسبة إلى هيئة التنسيق التي شهدت عدة انشقاقات منذ تأسيسها نهاية عام 2011، وهجرها رعيلها الأول ثم تركتها بعض الأحزاب الأساسية المكونة لها، كما تخلى عنها حليفها الأهم والأكبر حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يتزعمه صالح مسلّم والذي أعلن فيدرالية من جانب واحد في جزء من شمال سوريا، فباتت اسما دون مضمون ولا شعبية أو جماهير.

الباحث والسياسي السوري المعارض فوزا تللو أكّد أن أي مفاوضات ستجرى دون الهيئة العليا للمفاوضات هي “مضيعة للوقت”، وقال إن روسيا وبموافقة أميركية تبحث عن شرعية زائفة للتوصل إلى اتفاق في جنيف من خلال معارضين وصفهم بـ “المصطنعين”، وشدد على ضرورة أن تشهد المعارضة السورية عملية فرز سريعة وعميقة.

وقال تللو لـ”العرب” “إن إقحام أطراف المعارضة المصطنعة بمعظمها ذات سقف المطالب المنخفض أو غير الموجود أحيانا، هدفه قتل الثورة السورية والمحافظة على النظام (الوظيفي الخدماتي) ببنيته الطائفية المرغوبة والمتعوب عليها دوليا منذ نصف قرن، ويبدو أن هناك انسجاما كاملا بين الروس والأميركيين (والإيرانيين) حول ذلك”.

عودة المعارضة السورية إلى طاولة المفاوضات سيفتح الباب أمام عدة احتمالات

وتابع “إن إقحام هذه المعارضات يهدف إلى التشويش على هيئة التفاوض المنبثقة عن مؤتمر الرياض، التي لا يمكن تهميشها، لكن على الهيئة رفض أي تواجد لهؤلاء في جنيف أو لقاء مع دي ميستورا، وفي كل الأحوال يمكن الجزم بأن أي اجتماعات في جنيف دون هيئة التفاوض هي مضيعة للوقت، لكن الخطورة تكمن في البحث عن شرعية زائفة للتوصل إلى اتفاق زائف يجري بموجبه استصدار قرار دولي ملزم يشرعن هذا المسار المنحرف الذي يعيد تأهيل النظام الطائفي ومؤسساته العسكرية والأمنية، ويجرم قوى الثورة العسكرية الرافضة له تمهيدا لضربها تحت مسمى الإرهاب وربما لتقسيم سوريا تحت مسمى الفيدرالية التي أشار إليها بيان فيينا بشكل غامض متعمد باسم (الدولة اللامركزية)”.

ودعا تللو الهيئة العليا للمفاوضات إلى التمسك بموقفها الحازم الرافض للمفاوضات دون تحقيق شروطه الأساسية المتعلقة باحترام الهدنة ووقف قصف المدن وإدخال المساعدات للمناطق المحاصرة والإفراج عن المعتقلين، كما شدد على ضرورة أن تُجري هذه الهيئة “عملية تنظيف داخل صفوفها بشكل حقيقي لتستطيع القول إنها تمثل مطالب قوى الثورة العسكرية والسياسية الغائبة تقريبا عن التواجد المباشر في الهيئة، وهي مفارقة تتسم بها كل هيئات المعارضة السورية من ائتلاف وحكومة وتوابعهما، مما يعني إعادة النظر في تركيبة وفد التفاوض والتوقف عن منح جوائز الترضية عبر جيش المستشارين المرافقين في جنيف”.

مآلات الأزمة

في ظل هذه الرهانات يبدو أن عدم عودة المعارضة السورية إلى طاولة المفاوضات سيفتح الباب أمام أربعة احتمالات، من المفترض أن تكون قد درستها واستعدت بآليات واستراتيجيات واضحة لمواجهتها:

* أولى هذه الاحتمالات أن يقوم الروس بخرق وفد الهيئة العليا للمفاوضات التي تُعتبر حاليا الطرف الوحيد المفاوض مع النظام، وتضغط للمزاوجة بينه وبين تجمعات سورية أخرى بعضها مُهادن وبعضها مُقرّب من النظام وبعضها الآخر مرضي عنه من روسيا، من أبرزها جماعة مؤتمرات موسكو والأستانة والقاهرة، فضلا عن جماعة قاعدة حميميم العسكرية الروسية المؤيدة للنظام والتي تبذل جهدا لوضع نفسها في خانة المعارضة دون جدوى، وفيما لو نجح الروس في إقناع المجموعة الدولية لدعم سوريا بهذا الأمر، فإن الهيئة العليا للمفاوضات ستوضع في موقف حرج ما لم تكن لديها سياسة واضحة للردّ على هذا الاحتمال.

حتى تتفادى الدول الكبرى تحوّل سوريا إلى "ثقب أسود" يجذب كل إرهاب العالم ومرتزقته ومسلّحيه، وحتى لا تصبح سوريا مُصدّرة للمشاكل والأزمات والإرهاب

* الاحتمال الثاني هو أن تفشل المفاوضات وسط غياب أحد طرفيها، ما يعني بالتالي انهيار فكرة الحل السياسي، أو تأجيلها إلى حين إيجاد ظروف أخرى مختلفة، وخاصة الظروف الميدانية العسكرية، أو إلى حين إقناع طرفي المفاوضات بخفض سقوفهما، ما يعني أن الحرب التي راح ضحيتها وفق تقديرات دي ميستورا نفسه نحو 400 ألف شخص ستستمر، وسيزداد تدمير سوريا، وقد تتحول الحرب الحالية إلى حرب أهلية.

* في الاحتمال الثالث يبدأ سيناريو الحل الفيدرالي أو تقسيم سوريا، خاصة وأن الواقع الميداني يشير إلى أن سوريا باتت مؤهلة لتُقسم إلى ثلاث فيدراليات أو دويلات أو كانتونات، واحدة يسيطر عليها الأكراد في شمال سوريا وأخرى يسيطر عليها العلويون في غربها وثالثة يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في شرقها، وستبقى في هذه الحالة المعارضة العسكرية التي تستند إليها المعارضة السياسية موزّعة في جيوب متفرقة بين هذه المناطق، وهناك دلالات على الأرض توحي بأن عملية ترسيم للحدود الفيدرالية بالنار الروسية والإيرانية والصمت الأميركي تتقدم بشكل مستمر.

* الاحتمال الأخير، هو الأكثر ترجيحا؛ وفيه يفترض أن تتحرك الدول الكبرى بجدّية ومسؤولية لمنع فشل المفاوضات، وتضغط على النظام السوري وحلفائه الإيرانيين لاحترام الهدنة وتسريع إدخال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة وإطلاق سراح المعتقلين، ووضع حدّ لميليشيات الموت اللبنانية والعراقية والأفغانية حتى لو بشكل مؤقت ريثما يتبيّن ما يمكن أن تنتج عنه المفاوضات، وهو ما يأمل أصحاب الثورة أن يتمّ.

حتى تتفادى الدول الكبرى تحوّل سوريا إلى”ثقب أسود” يجذب كل إرهاب العالم ومرتزقته ومسلّحيه، وحتى لا تصبح سوريا مُصدّرة للمشاكل والأزمات والإرهاب، يبدو أن عليها التحرّك فورا دون تأجيل لإنجاح الخيار الأخير، وتستخدم كل نفوذها لتنفيذ بيان جنيف بدقة وبسرعة، وهو مفتاح الحل المتفق عليه من جميع القوى الإقليمية والدولية، وتعمل على تشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات كاملة، تُشارك فيها المعارضة والنظام، شرط ألا تضمّ أيّا من رموز النظام الذين تلوّثت أيديهم بالدماء، وأن تُلزم وبالقوة كل الأطراف على القبول بهذه الهيئة، ودون ذلك فإن الساحة السورية ستشهد تطورات متسارعة غير مرضية للسوريين، تكون الغالبية فيها معتمدة على القوة والسلاح والعنف.

كاتب من سوريا
7